شؤون ثقافية

المحطمة ( قصة قصيرة)

المحطمة
( قصة قصيرة)
عباس عباس
– كيف يمكن لانسان أَن يحطم ما يحب!….
نطق لوران بهذه الكلمات وهو يحوم حول نفسه مستغرباً تائهاً!….بل نادماً أَشد الندم عل ما جنت يداه!….
ما كان قد حطمه لايعني أَحداً سواه!…فقط هو الوحيد الذي تألم من ما حطمه في ساعة غضب!…
كان يحبها, بل يعشقها الى الدرجة التي كانت كل حساباته تنهار في سبيل اللقاء بها!…..هي وحدها كانت المنال!…يأكل من أَجلها، يشرب كي تستمرالحياه معها، يرى الدنيا من حوله بعينيها، ينطق بلسانها، يحوم حولها كالفراشه، ينام على رائحة العرق البارد بين نهديها، كانت هي الدنيا!….
وكانت تدرك كل ذالك وتبادله، ترتاح بين يديه، تغمض أَجفانها على كل همسة منه, يروق لها وهو يداعب جدائلها، وهو ينثرها على
النهدين وحين يمرر بيديه بحنان عليها وكأَنه يريد إلصاقها بجسدها كفنان يبغي لوحة جداريه بديعة, أَلوانها بياض النهدين
وحمرته، وسواد الشعر المسترسل المتناثر!….
– كيف يمكن لاِنسان أَن يتجاوز كل هذه ويحطمه؟!….
سأَل لوران نفسه ثانية وهو يرطم بيديه رأَسه!….
كانا قد تزوجا منذ أَشهر, وكانا يخططان معاً من قبل الزواج ومتفقان على الرحيل والهجرة الى أُوربا, كانت كل أَحلامهم ورديه!….
بيتٌ هنئ وعمل مضمون، وهي تنتظره في نهاية كل يوم عمل ليرتاح من بعد جهدٍ بين أحضانها وهي تضمه الى صدرها وتتجاوز بذلك كل اللامعقول!…
وانتقل معاً بعد أَن تجاوزا كل الصعوبات، من ما دفعوه للسمسار، ومن الخوف وهم يعبرون سراً كل تلك المعابر الحدوديه بين الدول,، أَو النوم على الطرقات أو في فنادق تفوح منها رائحة الموتى, وأَخيراً كانا في البلد والمدينة التي كانت مبتغاهم!…..
ونسيا بعد فترو وجيزة مشاق الطريق وخسارة المال، ليبدأ مشوار السؤال والجواب مع المحقيقين القانونيين، وكل ذالك مشروع من أَجل الإقامة التي تبدأ بها الحياة من جديد في البلد الجديد!…
– يا أَخ لوران، يجب أَن تقول لهم بأَنك سياسي مهم ومطارد من قبل إستخبارات دولتك!…
– ولكني لست سياسياً ولست مطارداً من أَحد!…
-أُكذب ياأَخي…..أُكذب….كلنا أَو أَكثرنا كذب هذه الكذبة، وبالتالي هناك الكثير من واقع الحال هناك!….
بدأَت حياتهم بكذبة وانطلت على المحقيقين, أَو هكذا كانوا يظنون، واستمرت الحيات بهدوء ورتابة، ولكن بشجن وحنين!…حنين الى الأهل والخلان, الى شوارع وأَزقة مدينتهم، وانتهى الحنين الى حسرات تتلوها زفرات تغصَّ في الصدر فتدميه!…
ياَتيها في نهاية كل نهار، ليرتمي بكامل ثيابه المتسخة من قذارة المعمل، أَو يتركها في فجر النهار وحيدة ليلتحق بعمله حسب كل وردية أو برنامج عمل!…
أَصابعه أصبحت خشنة، وهو يلامس جسدها وكأَنها مخالب قطٍ بري,، لم تعد تنقلنَّ سوى الألم، فتحن الى ملامساته التى كانت تبعث الدفء في جسدها فترعشه!…
رائحته الممزوجة برائحة الخميرة, وقد أصبحت لا تفارق جسده حتى بعد كل إستحمام!….
باتت تكره النوم وملت من الإستلقاء في الفراش وهي وحيدة , لا انس يواسيها ولا صديقة تشكي لها الهم!…عيناها غارتا بين الجفون المنتفخة حتى ضاعت منها البريق، حتى بشرتها السمراء باتت بلون الموت صفراء!….
غدت كقطة متوحشة، تثور لاتفه الأسباب في وجهه وهي تلومه على الوضع البائس الذي هم عليه!…
كان يستمع الى شكواها وهي تنق فوق رأَسه بعد عودته من عمله منهاراً, يغمض عينيه ويتقبل شكواه على مضض, ومن ثم يغط في نومٍ عميق, أَشبه بالموت!…
الا أَن طاقته في التحمل كانت تنهار, ولم يعد يستطيع أَن يتحمل المزيد، وأَخر شئ سمع منها كانت صوت صراخها بعد فقط السيطرة على أعصابه المنهارة!..
في ثورة غضبٍ كان قد رفع يده ليضرب بقبضته وجهها الحزين!…
انهارت لتنته بمشفى المدينة المنحوسة، وكانت كذبته التالية, حين نقل لشرطة المدينة سبب وقوعها!..
إنزلقت قدماها في الحمام!….
كان يجلس بجانبها وهي ممدة على السرير والأسى تعصر قلبه !….
بكى لوران..بكى بحرقة وهو يشد بيديه على أصابعها، فتحت عيناها على صوت بكائه.. نظرت اليه بحزنٍ كان قد أودى ببريق عيناها، كانت محطمة….محطمة مثله…مثل أحلامهما الجميلة!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق