شؤون ثقافية

ميكائيل رشيد كاتبا وشاعرا بثلاث لغات

ميكائيل رشيد كاتبا وشاعرا بثلاث لغات
نوزت دهوكي
 
في ضيعة روسية نائية ، بعيدة عن كردستان ، يأتي وليد إلى الكون عام 1924 ليكون له شأنا فيما بعد في تأريخ
الأدب الكردي ، ومكانة في محراب الخلود الذي بنته الطبيعة ، إنه الشاعر الكردي السوفيتي ميكائيل رشيد
الذي كتب الشعر بثلاث لغات : الكردية، الروسية والأرمنية ،
والذي حظيت دواوينه التي ضمت أشعاره الروسية أو الأرمنية أو الكردية منفردة بالطباعة والنشر بضع مرات في
الاتحاد السوفيتي السابق .
نظرا لبعد القرية التي ولد ونشأ وترعرع في أحضانها عن
الوطن الكردي وعدم وجود الكرد أو من يعرف اللغة الكردية فيها ، فإن شاعرنا هذا لم يكن يتقن حرفا واحدا من اللغة
الكردية ، لذلك عندما كان يلتقي باصدقائه الكرد أو عندما كان يتجول معهم ، كان يشعر بحرج شديد لجهله الكردية ،
لغة آبائه وأجداده ، لذلك عقد العزم على تعلمها ودراستها
دراسة علمية صحيحة ، ولكنه صدم لعدم وجود مصادر
مكتوبة قريبة منه آنذاك .
وعندما حصل على ليسانس الآداب من جامعة موسكو ، أتته أفضل فرص العمل ، وأنفتحت أمامه كل سبل التقدم
والرقي والتطور الإجتماعي ، إلا أنه فضل ترك البلاد الروسية التي كانت مسقط رأسه وملعب صباه ومسرح
شبابه والإنتقال إلى تبليسي عاصمة جورجيا السوفيتية
للإقامة فيها والعيش بين بني جلدته الكرد القاطنين فيها ،
لتتيسير له الظروف في تحقيق رغبته في تعلم اللغة الكردية ودراستها عن كثب ، دراسة عميقة ودقيقة من خلال الاحتكاك بالمتكلمين بها ، ولكنه في تبليسي لم يجد ذلك المناخ الثقافي الكردي الذي كان ينشده ، ويتطلع إليه ، فقرر مغادرتها ، والانتقال إلى يريفان عاصمة أرمينيا السوفيتية
لوجود مؤسسات ثقافية وتربوية كردية فيها ، أوسع نطاقا
وأكثر رقيا من التي هي في تبليسي .
في يريفان التي أستقر فيها نهائيا ، انغمس شاعرنا بالاجواء الأدبية التي كانت سائدة هناك ، ومن خلالها تعرف على معظم الأدباء والشعراء والمثقفين من الكرد والأرمن الذين أحبوه وأحبهم ، وهناك في يريفان ومنذ البدايات الأولى لإقامته فيها ، أخذ كما يقال ، يواصل الليل بالنهار لتعلم اللغة الكردية من خلال السمع والإصغاء إلى الناطقين بها
إلى أن تعلمها وأتقنها نطقا وكتابة ، ثم تولدت في نفسه ،
الرغبة في توسيع معلوماته عنها ، لإدراكه بأنها الاس الأساس للأمة الكردية ، والسمة الأساسية التي تربط الكرد
في كل مكان وتحفظ كيانهم بين الأمم ، ولذلك لم يترك فرصة تمر به إلا وأنتهزها ليستزيد من معرفته بها والإحاطة بجزيئاتها التفصيلية ، فكان يسبر أغوارها ويغوص في دقائقها وتراكيبها لمعرفة أسرارها وكنوزها ، فوجدها لغة ،
سمحة، سهلة، لينة، طيعة، كما وجد فيها القدرة الهائلة على
النماء والتوسع ، وكل هذه السمات كانت في رأيه وفي تصوره هي من سمات اللغات التي تتجلى فيها القوة الفائقة والاقتدار العالي على مواكبة تطورات العصر بمختلف جوانبه الاجتماعية ، الاقتصادية والعلمية .
لقد تعلق كاتبنا وشاعرنا ميكائيل رشيد بلغته الكردية التي
سحرته رشاقة ألفاظها وحسن بنائها ، ومن شدة ولعه بها ،
كان لا يكتفي بقراءة ما هو مطبوع بها من كتب ومجلات وصحف في أرمينيا والاتحاد السوفيتي فحسب لإنها لم تكن
تشفي غليله ، فكان يتوسل هذا وذاك من أصدقائه المسافرين إلى الأجزاء المختلفة من الوطن الكردستاني الكبير وإلى بلدان أوروبا لجلب ما هو موجود من كتب ومطبوعات كردية هناك للاطلالة عليها والإنكباب على قراءتها ، وبعد هذا فلا غرو من أن تخرج من تحت قلمه السيال العديد من الكتب الرصينة ودواوين الشعر التي أغنت المكتبة الكردية وأحتلت لها موقعا مرموقا فيها.
ولما كان القسم الكردي في إذاعة يريفان ، الإذاعة المركزية
لجمهورية أرمينيا السوفيتية ، يعتمد آنذاك في برامجه الإذاعية على الترجمة بشكل أساس ، فقد أستعان به القسم
المذكور لحاجته الماسة إلى خدماته نظرا لمعرفته الواسعة
بالروسية والارمنية ، وقد عمل ميكائيل رشيد لسنوات طوال في ذلك القسم من الإذاعة المذكورة ، وكان في تفانيه وإخلاصه في العمل مثالا رائعا يقتدي به كل
العاملين في ذلك القسم الذي أفاد كثيرا من الثراء اللغوي الذي كان يمتلكه ، فقد كان يقوم أثناء ترجمته للمواد الروسية والارمنية إلى الكردية تمهيدا لاعدادها ومن ثم
بثها من الإذاعة ، باستخراج المفردات والصيغ الجميلة
المنسية في اللغة الكردية بهدف إحيائها وتجديدها وعصرنتها من خلال إستخدامها وكتابتها ونشرها وبثها
من خلال الإذاعة ، وكان لهذا المجهود فوائد جمة ، فقد
أخذت تلك المفردات والصيغ الجميلة تساير الحياة وتواكب التطور من جديد ، وأخذ عامة الناس يتداولونها في كلامهم
كما أخذ المثقفون والأدباء والكتاب باستخدامها وتوظيفها
في كتاباتهم ونتاجاتهم الأدبية والعلمية .
توفي شاعرنا ميكائيل رشيد في عام 1982 عن عمر ناهز الـ (57) عاما ووري جثمانه الثرى في مدينة يريفان ، وبوفاته ، فقدت الساحة الثقافية الكردية ، اديبا كبيرا وشاعرا مجيدا ومترجما بارعا ، أحب الكردية ودافع عنها
وأسهم في غرس حبها في قلوب الناطقين بها .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق