شؤون ثقافية

رائد القصة الكردية في مجلة ‘هاوار’

رائد القصة الكردية في مجلة ‘هاوار’
دلاور زنكي :
قدري جان (1911-1972)م ونورالدين ظاظا (1919-1988)م:
كان قدري جان ونورالدين ظاظا في مقدمة كتاب القصة في مجلة “هاوار” وكانا أيضاً رائدين في تجديد الحبكة القصصية الكردية وإخراجها في الصورة الفنية التي درج عليها كتاب القصة المعاصرون. وهذان الكاتبان الكرديان هاجرا الى سورية لأسباب سياسية من شمال الوطن. جاء قدري جان من جبل “مازي” وجاء نورالدين ظاظا من “مادن”. ولكننا نجد أن القصص المنشورة المذيلة باسم قدري جان أكثر عدداً من تلك القصص المنشورة المذيلة باسم نورالدين ظاظا مع اختلاف في مضمون قصص الكاتبين. وعلى الرغم من أن قدري جان كان منهمكاً في السياسة ومنغمساً في غمرة الأحداث اليومية، وعلى الرغم من أن جُل شعره كان حديثاً سياسياً، وعلى الرغم من أن مجلة “هاوار” ومجلة “روزا نو” كانتا زاخرتين بالأعمال الأدبية ذات السمة السياسية. نقول على الرغم من كل هذا وذاك إن قصصه لم تذهب هذا المذهب ولم تتخذ السياسة فحوى أو مضموناً. وكان قدري جان يحاول بكل جهده أن ترفل قصصه في ثياب فنية أنيقة ويسعى إلى الابتعاد عن الأمور السياسية كي لا يجعل قصصه وأدبه قرباناً وضحية للأحداث اليومية.
ولكنه في الوقت نفسه يضِّمنُ قصصه مواضيع جليلة تتعلق بالمجتمع الكردي فيخضعها لريشته ويرسم بها فكرته ضمن مقاييس القصة الحديثة ومعاييرها ويطلع بها على ملأ القراء. وفضلاً عن قصائده الكثيرة وترجمته كتاب (في بلاد الزنابق البيضاء) من تأليف غريغوري بتروف الذي نشره في فصول في مجلة “روزا نو” عام 1943م. وكان قد نشر القصص التالية أسماؤها وهي /12/ اثنتا عشرة قصة في المجلات الثلاث التي سبق ذكرها: “عند الاستنجاد يكون الغوث” و “الخاتمة” و القرية التي بنيت حديثاً” و”بسركا زيرين= (البصرى الذهبية)” و “بدر الليلة الرابعة عشرة” و “القَسَم” و “الخطيئة” و كلاب الزوزان (المصايف)” و خاتم سليمان” و”كولجين” و “صيد الخنازير” والثعلب الماكر”.
كانت بعض القصص في البداية شديدة الإيجاز، ولم تكن تمتلك الشيء الكثير من مقومات القصة الحقيقية إلا أنها كانت مكتوبة بلغة أدبية رفيعة ومسبوكة في قالب فني. ولكن معظم قصص قدري جان كتبت بأسلوب أدبي رائع ولغة فصحى، ونراه مسيطراً على المضمون الذي يريد أن ينقله إلى أذهاننا، فهو يسرد معانيه بكل رويّة وأناة وتدبّرٍ غير متعجل أو متسرع، ويمضي في وصف شخصياته المختارة بدقة وينجح في تصورها تصويراً باهراً.. إنه يعيش الحاضر ولكنه يفكر في الأيام القابلة وينتظر الغد بشوق، إنه يربط الأمس بالغد.
كان قدري جان من ضحايا التهجير والنزوح القسري فانطبعت آثار هذا النزوح في صميم فؤاده، وتسربت إلى أعماق روحه وتشرّبتْ بها نفسه ثم انتقلت هذه الحالة النفسية إلى قصصه وكتاباته والقارئ المتمعن يلمس تلك الحالة في قصصه ويِراها رأي العين بوضوح وجلاء. إنه في أحيان كثيرة يستخدم أسلوب العودة إلى الوراء، إنه يمضي إلى الزمن الغابر بعد أن ينعتق من الزمن الراهن، يذهب إلى عهد الطفولة، ويزور مرابعها ثم يبتكر موضوعاً من حادثة قديمة أو يستنبطه من بعض الذكريات وعلى حين غرة يثوب إلى نفسه ويعود إلى حاضره. ان كل قصة من قصص قدري فلذة من روحه وقطعة من جسده وصورة من صور حياته وصفحة من صفحات كتابها المتهرئ. إن قدري جان الممزق الأوصال، هذا الرجل المبدد المتبعثر على دروب التهجير يحاول من وراء الكتابة عن أشلاء حياته وأوصالها الممزقة أن يلم شملها ويجمع بين أجزائها ويعيدها إلى سابق تركيبها، ويسترجع تلك الصفحات الملونة التي انفصلت عن كتاب حياته.
يقول في مستهل حديثه في قصته (الخاتمة) المنشورة في مجلة (روزا نو) الصادرة بتاريخ 14/4/1943م ما ترجمه:
إن المرء عندما يكون مستاءً من واقعه أو متبرماً به، ومتطلعاً إلى المستقبل بعين مفعمة باليأس والإخفاق فإنه لا يجد مندوحة من اللجوء إلى الماضي و استجلاب الأيام الخالية مثل أولئك المسنين الذين لا يتمنون الموت ولا يرغبون فيه، ولا يجدون حيلة سوى تأمل أيام الصبا واستحضار أوقات الطفولة السعيدة التي فرت منهم منذ عهد بعيد فهم يجدون في ذلك متعه وبهجة وراحة بال. أنا أيضاً غدوت فتى هرماً.. أرنو إلى الأيام حيث الوهم والسراب.. وأحدّق في ما حولي حيث الضباب والدخان.. أجل لقد أصبحت مثل أولئك الهرمين الواهنين وأصنع مثل صنيعهم، وأتذكر أيامي الغابرة ولا سيما أيام طفولتي فأترع قلبي بألف حسرة وحسرة فيخيّل إليّ اني قد ظفرت بلذة روحية.. واليومَ أعمد إلى جمع شتات تلك الأوراق التي انفصلت عن كتاب حياتي وتمزقت وصارت بدداً، فأَضمُ بعضها إلى البعض الآخر كي يتألف منها سِفْرٌ للسعادة. إن قصص القَسَم والخطيئة والأيام العابرة و الخاتمة كل منها صفحة زاهية في كتاب حياتي البائسة.. إنها تزهر، وتزهو، وتنتعش.. ولكنها تظل أوراقاً متهرئة بالية… إنّ قصة الخاتمة ورقة من تلك الأوراق “كان ذلك قبل خمسة وعشرين عاماً…” يستعيد قدري جان ذكرياته في قصصه ذات العناوين التالية: “القسم”و “الخطيئة” و “الأيام الغابرة” ويشرع في سرد الأحداث كما في قصة “الخاتمة” التي يعود فيها إلى أيام طفولته ويوثقها بيومه الراهن. وحين ينتهي القارئ من هذه القصص يدرك أن كاتبها قد أحسن في اختيار مواضيعه بعد دراسة دقيقة وتمحيص عميق ليحقق عملاً فنياً رائعاً.
وفي مواضيع نور الدين ظاظا القصصية نعثر على آثار واضحة من الحنين الدائم والشوق المفرط إلى الوطن ونيران الإحساس بالغربة والتذكر المستمر إلى الماضي. وهذه الأحاسيس هي الأمور المسيطرة على أجواء قصصه.
إن جميع قصص نور الدين ظاظا باستثناء أعماله الرومانسية، تلهج دائماً بالوطن وأوضاعه السياسية، وهي زاخرة بالأحاسيس والعواطف الوطنية، وتزدحم بالوصايا لبني قومه ومواعظه ودروسه التوجيهية والتعليمية وله أسلوب عذب وكلمات سلسلة…. يجيد الوصف وصوره البلاغية مفعمة بالأصالة والحيوية والمتانة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق