راي اخر

هوامش هيغلية.

هوامش هيغلية.

زكريا كردي

يخيلُ إليَّ إن إعطاء الحرية المطلقة للإنسان ، تعني إفساح المجال فيه لطاقة تدميرية هائلة ، خطيرة على نفسها والمجتمع ، وتركها في أن تعيثَ فساداً وعنفاً وخراباً لا حدود له . لذلك رأى ” الفيلسوف هيغل ” أن الحرية في التنظيم والتقييد ، وأنه لا بدَّ من تقييد حرية هذا الإنسان بالقوانين لضمان حماية الآخرين على الأقل.
وقد ذكرَ في كتابه ” فلسفة الحق ” أن المُجتمع بلا اخلاق وقوانين تكون فيه الحرية المُطلقة ، وهو أمرٌ محالٌ فيه البناء الاجتماعي، ولا يستقيم مع حال تكوين مجتمع أو حدوث تطور في أي بناء إنساني مدني كالدولة مثلاً .
فلا يمكن لأيّ مُجتمع أو جماعة مدنية ، مهما كانت بسيطة ، أن تنهض وتسير في ركب الحضارة الإنسانية دون عزيمة وصحة قائمتيها وهما : الأخلاق والقانون ..
وإلا سيطُرِح – يوماً ما – ذاك المُجتمع أرضاً على يد أبنائه الغوغاء ، وسيُفتّته عنفُ ثورات انفعالاتهم الهمجية ، تحت شعارات خدّاعة برّاقة ( كالحرّية والمساواة .. الخ. و سنشهد تحوّل أعضاءه المُسالمين إلى ديدان جائعة متوحشة ، تنهش في جسد المجتمع ذاته الذي تطلب له الحريه ..
و كما فهمت فقد آمنَ ” هيغل ” بأن الحرية في ظل القانون فقط ، يُمكنُ لها أن تكون مفيدة وبنّاءة للمجتمع والتطور الخلاق ، وبالتالي الحرية المقوننة هي وحدها التي تساعد على تعزيز كينونة الدولة والمجتمع فعلاً ، أما في حال غياب تلك القوانين الناظمة للحريات الإنسانية تماماً ، فستصبح الحياة الاجتماعية – دون أدنى شك – فوضى عارمة ، حيث يسود فيها رأي العنف ، وتعلو فيها رايات الطغيان ، ويرتفع بها صوت الجهل والظلم والفساد .. هذا عن دعامة القانون
أما عن دعامة الأخلاق فقد رأى ” هيغل ” أن الإنسان يأخذها من ثلاثة مناهل أساسية : أما من “الأسرة ” وأما من ” الدين ” وأما من ” التعليم ” ،
واعتبرها – أي الاخلاق – احدى أهم علامات التجلّي الواضح لظاهريات الروح الكلية للمجتمع ، لكون الاخلاق أولا وأخيرا يجب ان تكون ميثاقاً عاماً ، وليس مُجرّد نزعة فردية ، فالقيم الأخلاقية في حقيقتها ليست قيم فردٍ بعينه إنما هي قيم كلية جمعية مشتركة ..
بناءً على ما سبق : جاء في ظنّي أنّ الطامّة الكبرى التي قد تصيب بدَنَ المجتمع و تؤذن بإضمحلاله وتدهوره صحته ، تحدثُ عندما تمرض منه إحدى تلك الأعضاء الحيوية الأكثر أهمية ، مثل القلب والكبد أو الدماغ..
– أما عن ” الأسرة ” وهي يُمكن اعتبارها بمثابة ” القلب ” في المجتمع، و المنهل الأخلاقي والعاطفي الأول ( فلا تعيش الا على نبض التربية الحسنة)
وأما عن ” الدْين أو العقيدة ” فهو يمكن اعتباره بمثابة ” الكبد ” ، المركز الخطر الحافظ لكل السموم الداهمة في الجسد ، فإذا لم تقم القوانين على تشذيبها ومراقبة دعوتها و تعزيز خطابها نحو قبول الآخر و التسامح ، جرت الوبال وكرست قيم العبودية وفاقمت من ثقافة العنف الخفي ، لأن الدين هو المنهل الاخلاقي الثاني للأفراد، وهو صاحب الدور الخطير في تعزيز الرابطة الوجدانية بين أفراد المجتمع أو تدميرها بالكراهية المقدسة ذات الأثر البعيد )
وأما عن المدرسة ( أي التعليم ) فهو يُمكن اعتباره بمثابة ” الدماغ ” ، وهو المنهل الثالث الأهم والأوسع للأخلاق التي يكتسبها الفرد بوعي ويتحقق منها ، و يعتبر المسؤول الأول عن تطور كل الحياة الفكرية واستمرار الصحة المعرفية في الدولة والمجتمع ككل ..
وللحديث بقية ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق