شؤون ثقافية

التـــــــلال

التـــــــلال
 
يوسف برودسـكي
ت: بُرهـان شـاوي
 
لـقـدْ أحبّـا الـجـلوس عـلى قـمـة التـل معـاً
حـيث كـانا، مـِن هنـاك، يـطــلان
عـلى الكنيسـة، الحـدائق والسـجن.
مِـن هنـاك كـانا يريـان
أدغـال الـطـحــلب فـي قـاع البحــيرة
ونعــال الصـندل المــلقى عـلى الرمـل.
 
كـانا يحـضنان أرجـلهمـا بالأذرعِ
حينـمـا نظــرا إلـى الغيـوم
بينـما عنـد دار السينمـا
كـان المقعــدون ينتـظــرون الشـاحنـة..
وعـلى التـل تلألأتْ صـفيـحــة،
بالقــربِ مـن آجــرة مـلقــاة
وعــلى الـقـمــةِ الـورديةِ لبـرج المصـرفِ
هـبــطَ غـــراب ناعـقــاً.
 
لقـد مـضتْ الشـاحنات، عـابرة الجسـور الثـلاثة،
إلى مـركز الـمـدينـةِ حيـث الحمـّامات البـخـارية..
وبـدأ ناقـوس الكنيســة يقـرع،
متـوّجـاً طـقـوس زواج عـامل الكهـرباء،
بينمـا هنـا عـلى التــل كـان الهــدوء مخيـّمـاً
أمّـا النسيم فـقـد ألقــى عليهـمــا نضــارة ً
ورواء ً…
 
فهنـا لا صـفــّارات تنبيــه ولا صــراخ
سـوى طنيـن البعـوض..
 
لـقـد كان العشـب موطــوءاً..
عنـد مـوضـع جلوســهما الـدائم
بينمــا طعـامهمـا
لـوث المكـان بآثـارٍ ســوداء..
لـقـد كـانت الأبقــار تلعــق هـذه الآثـار دائمــاً،
الـجمــيع كـان يعـرف هـذا،
همـا فقــط اللـذان كـانا يجهــلان.
 
أعـقـاب سـجائر، عيــدان ثـقــاب وشـوكة طـعــام
كـانت مطمــورة فـي الـرمل..
وفـي البعــيد لـمعـتْ زجـاجـة سـوداء
وجـوارب مـهـتـرئـة..
وبالـكـاد كـانا يسـمعان الخـوار
عـنـدما نـزلا باتـّجـاه الأشـجار
مـفــرقـين بـصـمـت
مـثل ما كـانا جالسـين عـلى القـمــة.
 
لـقـد انحـدرا عـلى السـفح بانطـلاقـة متـفاوتـة..
لكنهمـا وجـدا نفسيهمـا جنبـاً إلى جنـبٍ..
كانـتْ الأشـجار تتـداخل أمـامهمـا
وتفتـرق أحيانـاً..
لقد تزحــلقـا عـلى الـعــشب..
وأومـض الـمــاء بيـن الأحـجــار..
لـقـد وصـل أحـدهمـا إلـى السبيل..
أمـّا الآخــر فقـد وصـل البحـيرة.
 
كـانتْ ثـمّـة أعــراس..
(يبـدو أنهما عـروسـان)
فهـا هـي ذي القـمصــان والثيـاب المـزركشـة..
تتألق عـلى العـشـب..
بينمـا توقّـفت شـمس الأصيـل..
لتـجـذب السـحب لنفسـها
وتصـاعـد الضـباب من الأرض
كـمـا تعـالى قـرع النواقـيـس.
 
لـقد أنَّ أحـدهمـا متعثـراً
وتأوه الآخـر من شـدةِ الـدخـان..
لـقد نـزلا كـلاهمـا
عـن سـفحين متباينيـن من التلال..
غـير أن المـسـافة بينهمـا تمــدّدتْ أكـثـر..
وأعـولتْ الـرياح صـارخـة بهـمـا
بصـوت تقشـعر منـه النفــس.
 
فـجــأة..
تـمـايـلـتْ الأجــمــة..
وتـفـرقـتْ الأشـجار عـن بعـضـهــا بغــتة..
كأنّـمـا هـبّا مـن غــفوة..
مليئـة بالكـوابيـس والرؤى الأليـمــة..
لـقـد تفـرّقتْ الأشــجار مـولـولة..
كـأنـمـا الأرض قـد انـشـقّـتْ
وأمـام كـل منهـمـا وقـف إثنـان
مـدجّـجـين بالـسـلاح.
 
لـقـد شـجّتْ أحـدهمـا بلـطــةٌ
فســال دمــه مـلـطّـخـاً سـاعتـه اليـدويـة..
أمّـا الآخــر فـمــات للـحـظتــهِ
إذ تـوقـف قـلبــه فـرقـاً ورهـبـة..
 
أمّـا الـقـتـلـة فـقـد سـحـلوا الـجـثـّتـيـن إلى الأحــراش
(كـانت أيـديهـم ملـطّـخة بالــدم)
لقـد ألقــوا بـهـمـا فـي البحــيرة
حـيث التقيــا هنـاك ثانيــة.
 
ومـا أن اختـرق العـروســان الـجـمـوع
وجـلسـا عـلى المنـصـّـة..
حـتّى سـعى الـرعـاة إلى السـاحـة
مـعـلنـين النبــأ الـفـاجــع.
 
وهـا هو ذا الشـفق قـد حــلّ
ليبـتـلـع قـطـعـان السـحب الـكثيـفـة
وهنـاكَ عنـدَ الأجمــةِ، بيـنَ الأشـجارِ
كـانتْ الأبقــارُ تـلـعــقُ الــدمَ بنهــم.
 
لـكن هـا هـو ذا عـامـل الـكـهــرباء،
يـهــرع مـع صهــره إلى السـفحِ،
إلـى حيـث الأجــمــة،
بينمــا وقـفـت عـروســه بغيــظ
وحيــدة..
حـامـلة باقـات الـورد.
 
لـم يـبق هنـا سـوى الـعـجـوز
متـدثـراً بإزاره..
فقـد هــرع الضـيـوف الثمــلون جميعــاً
راكضــين إلى الـتل.
 
لـقـد هُصـرت الأغصـان، والتوت تحـت الأقـدام
فالـراكـضـون كـانوا في ذهــول،
كالمـمـسوسيـن..
ليس هنـا سـوى الأبقــارِ وهـى تـثـغـو..
وهـا هـم ينحــدرون بـعـجـل إلـى البحـيرة..
وهنـا أتـّضـح المـشـهد بكـامـله..
(لقـد كـانـت وغــرة)
فـفي القـاع حــفرة
معتـمـة تفـغـر فـاهـا، كـأنهـا بـوابـة الـظــلام.
 
مـَن سـيخـرجهـم مـِن هنـاك
مـَن يغــوص لأعمــاق البحــيرة؟
فالـمــوتُ
مثـل المـاء الـذي يحتضنهمـا
ومثـل المـاء الـذي يمـلأ جـوفيهمـا.
 
الـمــوتُ..
فـي كـل كـلمـة تُقـال..
فـي جـذوع الأشـجار، وفـي الغـصـون الملتفـة..
الـمـوتُ فـي الـدم الـمـراق..
الـمـوتُ يسـري فـي عـروق الأبقـار..
الـمـوتُ فـي هـذه الـمطـاردة اللامجـدية..
(كأنّمـا يبـحثـون عـن لصـوص)
فبـعد الآن سـيكون أحمـرَ
حـليبُ هـاتيـكِ الأبقــار،
ومـِن مقـصـورة حمــراء، حمــراء،
مـع الحمـر، عـلى الـدرب الأحمـر
ومـِن صـفيحـة حمـراء، حمـراء
سيشـرب الأطفـال الحمــر.
 
الـمـوتُ في الـعيـون، وفـي النـظـرات..
الـمـوتُ يمـسـك بالـتـلابيب..
المـدينـة سـتدفع ديـّة هـذه الـجـريـمـة..
فالمـوتُ “تـركــة” مشـؤومة جــداً
إذ يـجـب انتشـال الـجثّـتيــن من البحــيرة..
ولـكن كيـف يـمـكـن درء هــذا الشـؤم
أفي يـوم العـرس تحـدث جـريمـة
ويمسـي الحليـب أحمــر؟
 
الـمـوت ليس هيـكـلاً عظميـاً
محنـي القـامـة..
الـمـوتُ هـو هـذه الأجمــة،
حيـثُ نـقـف جميعـاً..
إنـه ليـس نـواح النـادبات
لا ولا شـريط الحـداد الأسـود،
الـمـوتُ هـو نعيـق الغــراب الأسـود
فـوق بـرج المصـرف الأحمــر.
 
الـمـوتُ هـو الـمـكـائن كـلّهـا
إنـه السـجن والحـديقة..
الـمـوتُ هــو هـؤلاء الـرجــال
الـذين يرتـدون أربـطـة عنــق..
الـمـوتُ هـو الـزجـاج في حمـام البخـار،
فـي الكنيسـة، في البيوت المجـاورة..
الـمـوتُ هـو كـلّ شـيء معـنـا..
طـالمـا نحـن لا نــراه.
 
الـمـوتُ هـو قـوانـا..
إنـه جـهـدنا وعــرق جبـاهنـا..
الـمـوتُ هـو أشـواقنـا..
هـو روحـنــا وأبـدانـنـا..
 
نـحـن لـن نـذهـب إلى التـل ثانيـة..
فـفي مـواقـدنا تـتـقـّد النـيـران
لا..
ليس نحـن مـن لا نـراهــم
وإنـمّـا هـم لـن يرونـا بعـد الآن.
 
ورود الـجـوري، إبرة الـراعي، الـزنبق،
عـود الصـليب، الليـلك، السـوسـن،
( على قبريهمـا المشيّدين من الخـارصـين)
الـجـوري، إبرة الـراعي، النرجـس،
النيلـوفر، وأوراق الحنـاء،
عطـور حــادة ووحشـية،
زهـرة المنثـور، أعشـاب خصـية الذئـب، زهـرة النجمـة،
الـجـوري وباقـات من الـزنبـق..
أرجـو أن تُحمــل إلى الضفـة الأخــرى..
إنـّي اسـتودعهمـا السـماء..
ألقـوهـا في النهــر، في النهــر..
وسيحمـلهـا إلى الغــابة..
إلى القنـوات المشـجّرة السـوداء..
إلى بيـوت الغـابة المعتمــة
إلى مستنقعـات الغـابة الـمـميتـة
إلى الأقـاصي.. إلى تـلال البلطــيق.
 
الـتــلالُ .. هـي عمـرنا
ذاك الـذي نطـارده غـافليـن..
الـتـلالُ هي مئـات الشـوارع
الـتـلالُ خـنـادق وأخــاديد
الـتـلالُ هـي الألـم والكـبرياء..
الـتـلالُ هـي أقـاصـي الأرض
فكلّـمـا ارتـقـيـتًهـا صـاعـداً
امـتـدتْ أمـامـك إلى مـا لا نهـاية.
 
الـتــلالُ هـي مـعاناتـنـا..
الـتـلالُ هـي شـوقـنـا الأبــدي..
هـي الصـراخ والبكــاء
يـمـضـي ويأتـي ثانيـة..
 
الضيـاء والـوجــع الأبـدي،
غـمـنـا ورعبـنـا،
أحـلامنـا وهـمـومنـا
كـلهـا فـي أدغـال وأجمـات هاتيـك الـتـلال.
 
الـتــلالُ مـجـدٌ خـالد
يـدّعـى حقـاً فـي مـعاناتنـا..
الـتـلالُ
إنهـا أعــلى منــّا..
فـقـمـمهـا تبـدو شـامخـة أبـداً،
بـرغــم هـذه الـعـتـمــة الـدامسـة.
 
فـي الـنـومِ واليقظـةِ
نمضـي نحـن باتـّجـاه الأدغــال،
الـمـوتُ هـو البـراري المنبسـطة
أمّـا الحـياة فهـي التــلال.. التــلال.
 
1962
 
تمت الترجمة عن الروسية مع مقارنتها بالترجمات الألمانية للقصيدة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق