شؤون ثقافية

مَدينَةُ غَضَبِ الشَّمسِ

مَدينَةُ غَضَبِ الشَّمسِ
 
صالح أحمد (كناعنة)
 
 
لأَنَي أحِبُّكُم .. سَيَكونُ للجُرحِ صَدى
وسَتَرحَلُ الآهُ إلى كَهفِ الظُّنونِ .
وحدي أنا الحامِلُ أعباءَ المساراتِ ومَجاهيلِ الأسئِلَةِ..
أولَدُ كُلَّ يومٍ في مَواعيدِ الحروفِ الغامِضَةِ ..
أنا الهارِبُ مِن زَمانٍ كانَ لي…
أعودُ أولَدُ في باطِنِ اللَّحَظاتِ أمنِيَةً نَبَتَت لِتَوِّها
لِتَحمِلَني إلى حيثُ تَحتَرِقُ الرُّموزُ في أفقِ انشِغالي
شفّافَةٌ لُغَتي؛ أنا الرّاضِعُ ضَرعَ أضدادِها..
في جَسَدِها الرَّملِيِّ الممتَدِّ أوسَعَ مِن مَرمى خَيالي..
تَغيبُ يَدي لِتولَدَ في بَواطِنِ الأشياءِ تَجرِبَةً يَمتَصُّها شَفَقُ اللُّغةِ .
أو ربَّما امتَصَّت لُغَتي لَهفَةَ الصَّحراءِ،
كَي تُدرِكَ عُمقَ السَّكينَةِ الغائِرِ بي …
فَلَربَّما كَتَبَتني اللَّحظَةُ العابِرَةُ طُفرَةً…
سَتولَدُ مِنّي عَناصِرُ التَّكوينِ رَملاً وحَجَرا
فَعَلى ضِفافِ الرّافِدَينِ تَعلو خُطوَةٌ …
وسَيدُ الموقِفِ يَسكُنُ في مِزاجِ الرَّملِ قَميصًا…
يَقطُرُ دَما…
يحكي غَضَبَ الشَّمسِ …
يرسمُ نَقمَةَ الإعصارِ…
يُعلِنُ: “إنَّهُ التّاريخُ… حَفنَةٌ مِن تُرابٍ،
لا يَصِحُّ أن تَتَكوَّنَ مِن غَيرِ دِمائي..
والقَمَرُ… ذلكَ الطِّفلُ …
فوقَهُ يحبو … ويَكتُبُ..
– لن أظَلَّ مَنفِيًّا داخِلَ ذاتي …
– ولن أسكُنَ قَصرًا نَحَتَتهُ الأمنِيَةُ !
– وإذا ما اختَفَيتُ… فلَن أعودَ معَ الخيالِ …
أو في فَضاءٍ غير فَضاءاتِ المدينَةِ.
***
لأني أحِبُّكم … سيَكونُ للمَوتِ صَدى.
سَتَلبِسُ السَّكينَةُ ثَوبَ جَبَروتِها …
سَتولَدُ مَدينَةُ الزَّمانِ والمكانِ…
ويُعلِنُ الرّملُ رَجعَةَ القافِلَةِ .
***
لا أُبصِرُكَ أيُّها القمرُ السّاكِنُ في البُقعَةِ الضّائِعَةِ …
وحيثُ ضاعَت مِن يَدي مَلامِحُ الأَمسِ ..
وتَشَظَّت أُمنِياتي في صِراعاتِ الزَّمانِ والمكانِ؛ لِتولَدَ الأغنِيَةُ:
– “دَثِّريني يا نجومَ الشَّوقِ بِدِثارٍ مِن حَريرِ الأُمنِياتِ ..
– فَرَحي أَنعَمُ مِن لَهيبِ الإنتِظارِ الأزرَقِ
– قَمَري يَسكُنُ شَفَقَ اللَّيلِ
– يَتَغَطّى بحريرِ الفَرَحِ الهارِبِ
– يُهدي أُغنِيَةً للدُّنيا…
– فَوقَ لَهيبِ الزَّمَنِ العاصِفِ..
– في صحراءِ الحلُمِ السّاكِنِ
– تحبَلُ أمنِيَتي بالنّارِ الزّرقاءِ، وفي جَسَدي…
– في جَسَدي تَتَخَلَّقُ مَدينَةٌ “.
***
والآن …
سأُطِلُّ مِن نافِذَةِ العُمرِ إلى زَمَني المتَّكِئِ على أمنِيَةٍ مِن رَملٍ …
أنا الحبيبُ الأوَّلُ …
يا زَمَنًا يُعلِنُ مَملَكَةً مِن عَطَشٍ وحِصارٍ
أنَذا أَعودُ بِقليلٍ مِن طَريقٍ وَمَطَرٍ …
أَفتَرِشُ عَباءَتي على مَوطِئِ قَدَمي
أَقرَأُ سورَةَ الحمد …
وعندَ بَوابَةِ السَّماءِ …
أُواجِهُ قَدَري..
والأفقُ سَكينَةٌ تُشيرُ إلى الطّريقِ..
ويَسِحُّ دَمعُ الشَّوقِ.
صَحراءُ يا صحراءُ… يا أُمي ويا عَطَشي…
كوني عَباءَتي عَلى مَوطِئِ قَدَمي ..
وعِندَ بَوابَةِ السّماءِ؛ كوني لي قَدَري ..
في زَمَنٍ يَرفَعُ مَملَكَةً مِن عَطَشٍ وحِصارٍ …
أنا الحبيبُ الأَوَّلُ..
فاخلَعي عَليَّ عَباءَةً مِن رَملِكِ الحميمِ..
دَعيني أَسيرُ تحتَ بَصَرِكِ …
أَتَوَكَّأُ نخيلَ الرّافِدَينِ، وأَمضي…
إلى بَوابَةِ السَّماءِ… مَنابِتِ عِشقي ..
وحيثُ يَنسَكِبُ الفَرحُ في حِضنٍ ساكِنَةٍ؛ تَنتَظِرُ خُطُواتي …
لِتَهُبَّ عاصِفَةُ النَّشيدِ إلى مُستَقَرٍّ لها…
سَأبني المدينَة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق