شؤون ثقافية

الشخصية الروائية وشخصية الكاتب

الشخصية الروائية وشخصية الكاتب
 
برهان شاوي
أرى أن الكاتب بذاته يختلف عما نقرأ في أعماله، فقد يكون شخصًا باعثًا على الملل في حين أعماله ليست كذلك، والعكس صحيح أيضًا……ربما يكون من اللازم هنا أن نفرّق بين الأسلوب المميز الذي يسم كاتبا ما وبين حضوره الشخصي: شكسبير له أسلوبه المميز ولكن ليس له حضور في أعماله، في حين أن كاتبًا مثل دي. إج. لورنس له أسلوب أقل تميزًا من الأسلوب الشكسبيري ولكن حضوره الشخصي في رواياته أقوى بكثير.
 
وعلى الرغم من أن العديد من الشعراء ومعظم الروائيين يخاطبون القارئ في أعمالهم من خلال أسلوب مفرط في تأكيد لمساتهم الشخصية لكن يبقى معظم الأدب العظيم الذي كُتب حتى يومنا هذا مفتقدًا للشعور بالحضور القوي للكاتب في أعماله.
 
إن الحضور الأدبي المفرط للكاتب، وبخاصة إذا كان حضورا تسلطيا طاغيا، يمكن أن يكون مدمرا، وتزداد الفعالية التدميرية في العمل الأدبي إذا ما صارت إحدى الشخصيات المفضلة تبدو وكأنها الناطق الرسمي بلسان الكاتب، والكتابة الرديئة تحفل في الأعم الأغلب بالكثير من التلميحات التي تشي بكاتبها.
 
لكن من الطبيعي للغاية أن يكشف الكاتب في سياق كتابته عن أنساقه الأخلاقية ومواهبه الإبداعية.
 
آيريس مردوخ
 
تعقيب شخصي:
في هذا المقتبس قدمت آيريس مردوخ اسمين مشهورين في عالم الأدب: شكسبير ولورنس..وواصلت شرح فكرتها عن الحضور الشخصي للمبدع في عمله الأدبي. ويمكن هنا أن نستذكر (الإلياذة) لهوميروس وهي ملحمة تضم مئات الشخصيات، لكننا لم نجد حضور هومير فيها، وأنما موهية هومير وعظمة سرده للأحداث ودقته هو ما يحضر، ولا يمكننا ونحن نتوغل في معمار الإلياذة إلا أن نستحضر هومير بدهشة في اللاوعي.
 
وكذا (الكوميديا الإلهية) لدانتي إليغيري..فهو موجود، بل تبدأ أول أبيات الملحمة به، لكننا نراه شاهدا خائفا أكثر مما هو شخصية فاعلة صارخة..!
 
وكذا في (الحرب والسلم) و(آنا كارنينا) لتولستوي..فمن الصعب أن نجد شخصية مفضلة وطاغية على العمل تجسد لسان الكاتب.!..ربما نجده قد وقع في الفخ في رواية (البعث) ذات التعاليم الأخلاقية على الرغم من قوتها السردية وعمقها النفسي.
 
وحتى عند دستويفسكي، فأننا نجد أن أحد جوانب عظمة رواية (الجريمة والعقاب) في أنه قدم شخصية بعيدة ومضادة لكل قناعات الكاتب وهي شخصية البطل (راسكولنيكوف)..مع أن دستويفسكي قدم شخصيات أقرب إلى تجسيد مفاهيمه المسيحية في روايات أخرى من خلال شخصية الأمير ميشكين في (الأبله) وأليوشا في (الأخوة كارامازوف)، لكن عظمة دستويفسكي وعمقه النفساني المذهل وصدقه مع تناقضاته وموهبته الفذة شفعت لرسائله الشخصية والوعظية التي تقنع بها من خلال بعض الشخصيات الروائية وأنقذته من خلال تقديم البطل المضاد لقناعه الشخصي من خلال إيفان كرامازوف في (الأخوة كارازوف) وهيبوليت وناستاسيا فيليبوفنا في (الأبله) وشخصية ستافروجين في (الممسوسين أو الأبالسة)..!
 
هيمنة صوت الكاتب وشخصيته تبرز في أعمال السيرة الذاتية أكثر مما تبرز في أعمال أخرى..وقد تسقط الرواية في مطب الوعظ والرسائل الأخلاقية والشعارات السياسية الفجة وتفقد جمالياتها إذ لم ينتبه الكاتب لنفسه لحظة الكتابة، فمصداقية العمل الأدبي والشخصيات الروائية من مصداقية التعامل معها من خلال علاقتها بالحياة وباللحظة التاريخية المتحققة وحريتها في التعبير عن نفسها وبلغتها من خلال سيرتها الشخصية الافتراضية في ما وراء النص أو في ثنايا النص.
 
ومع كل ما تقدم ، لايعني هذا بأن الكاتب أو الفنان يختفي كليا من العمل الأدبي أو الفني، ففي النهاية أن العمل الأدبي والفني نتاجاه الشخصي وهو تجسيد لحنين صاحبه إلى المثال كما يقول تاركوفسكي. رسالة الفنان الحقيقية هي رسالة جمالية، أي كلما كان الإحتكام للجمالي وليس للأخلاقي والوعظي في العمل الفني والابتعاد عن الرسائل المباشرة، يكون العمل الفني ككل هو رسالة الكاتب والفنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق