راي اخر

مخططات تركيا والبرزاني في كردستان على المدى المتوسط

مخططات تركيا والبرزاني في كردستان على المدى المتوسط

البرزاني والحرب بالوكالة – 1
فرهاد شامي
لا يمكن التنبؤ بالضبط بما ستجلبه التحشدات العسكرية الضخمة للجيش التركي ومسلحي البرزاني في اقليم جنوب كردستان وشنكال وحدود روج آفا، وإن كان الهجوم على خانه صور تمثل علامة عسكرية فارقة في العقد الأخير على الساحة الكردية، فالبرزاني الذي يحاول القضاء على منافسيه عسكرياً فيما يبدو يتجه ليضم منطقة سيطرته الجغرافية بشكل كامل للنفوذ التركي في المنطقة، حيث فقد إحساسه في التوحد مع مكتسبات الكرد في الأجزاء الأخرى من كردستان، وخاصة روج آفا التي باتت تلقى قبولاً مميزاً لدى الكثير من القوى رغم كل الصعوبات المؤقتة التي تعاني منها اقتصادياً وأمنياً نتيجة الظروف المعروفة. ومع ذلك فإن الإصرار التركي في توريط البرزاني في حرب كردية – كردية بات واضحاً ويعقد عليه الآمال ولو في حدود معينة استناداً إلى التجارب الماضية الفاشلة، من جهته يعتقد البرزاني في سياق مهمته التقليدية التي لم تتغير على الاطلاق بأن حربه ضد الكردستاني بمشاركة تركيا من الممكن أن تخلق له امكانيات جديدة للتفرد بالسلطة في الاقليم على الرغم من انتهاء مدة ولايته، وتكسر شوكة خصومه في حركة كوران والاتحاد الوطني الكردستاني وترهبهم بعد “تمردهم” في كركوك والسيطرة على بعض حقول النفط المتجة لتركيا، في الوقت الذي لم يجد على مدار السنوات السابقة في العدد والعتاد الضخم لتركيا في الاقليم ضمانة كافية لوجوده فكان لا بد من التحالف المصيري مع أردوغان للشعور بالأمان على الأقل في الفترة القصيرة القادمة.

بغية تدعيم نفوذها العسكري والاقتصادي والسياسي، تخطط تركيا لزيادة عدد قواتها في الإقليم ليصل إلى 100 ألف جندي، بعد ضم الميليشيات التركمانية المتبعثرة في العراق إلى الجيش، يستقرون في مساحة جغرافية تصل نسبتها إلى حوالي 25 % من مساحة الاقليم ومن ضمنها قواعد عسكرية في كركوك، وأطراف هولير، إضافة إلى قواعدها في دهوك وهولير التي تصل إلى أكثر من 18 مقر وقاعدة استخباراتية وأمنية في دهوك لوحدها، ناهيك عن أكثر من 1300 شركة تجارية تركية توظف 30 ألفاً من المواطنين الأتراك بصفات متعددة من ضمنها الخلايا الاستخباراتية. مع امكانية زيادة العدد في حال الضرورة، إضافة إلى افتتاح معابر جديدة تغرق بها الإقليم بالبضائع التركية حيث باتت 90 % من المواد الغذائية المطلوبة كاحتياجات للإقليم تأتي من تركيا، تتحكم بها تركيا وتفرض شروطها على الساحة السياسية هناك.

وهي تحاول من خلال ربط جنوب كردستان بتركيا عبر مد سكة حديد انطلاقاً من السليمانية مروراً بهولير ودهوك ومن ثم زاخو وشمال كردستان إلى التوغل في المناطق الخاضعة لسيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني وإجبار الأخير على تقديم الموافقة لمخططاتها، أو عدم عرقلة مشروع بناء خط أنابيب جديدة لنقل النفط والغاز من الاقليم باتجاه تركيا كما نصت عليها اتفاقية شركة الطاقة التركية مع حكومة الاقليم في عام 2013 بغية تأمين الكميات المناسبة لتضاعف احتياجات تركيا من الطاقة بحلول عام 2023، وبذلك تستطيع تركيا من خلال تواجدها العسكري الضخم من لجم أي رفض لمشاريعها هناك والابقاء على سلطة عملائها في حالة أمان إلى أن تتمكن من ضم الاقليم لسلطتها بشكل كامل وتحويلها إلى قبرص ثانية. وهي مستعدة لمواجهة جميع تداعيات توغلها المعلن بعد ربطها حكومة الاقليم باتفاقيات اقتصادية وعسكرية تسمح لها التمدد أكثر لحماية مصالحها الاقتصادية، وتحويل تلك الاتفاقيات إلى طويلة الأمد ووضع جميع الأطراف المتهالكة أصلاً تحت سياسة أمر الواقع، ومن الضرورة بالنسبة لها أن يتجاوز البرزاني الدور الدرامي في هذه المؤامرة، وتسليمه عدد من الصلاحيات التي تؤكد على نفوذه وسلطته قد يساعد الأتراك أكثر في تأمين الشريك الداخلي المطيع والمؤدب.

بالتوازي مع ذلك، تعمل تركيا على الاستفادة من إغلاق برلمان الاقليم بأمر من البرزاني مقابل 200 مليون دولار قدمتها تركيا له كما كشفت عنه وثائق ويكليكس وأكده المتحدث باسم الحكومة سفين دزيي، في توفير الوضع المناسب للإفلات من الملاحقة القانونية جراء قفز الاتراك على الاتفاقية الموقعة مع الاقليم عام 1997 والتي تؤكد على أن القواعد التركية ثابتة ولا يمكنها التحرك إلا بعلم من الحكومة، فتحرك الأتراك في الأيام الأخيرة وزيادة عدد جنودهم وعتادهم العسكري يتم بموافقة البرزاني استناداً إلى تلك الاتفاقية في ظل وجود قرارات سابقة للبرلمان المعطّل تقتضي بخروج تلك القوات.

ومع ذلك، يجد أردوغان نفسه مضطراً للقيام بتنفيذ جزء من خطته قبل الاستفتاء على تعديلاته الدستورية الشهر المقبل، أملاً في كسب أصوات القوميين الأتراك الذين يعتقدون بأن تركيا بدأت تفقد قوتها، وسمعتها على الساحة الاقليمية والدولية بدأت بالانحدار، من الجانب الآخر يحاول أردوغان فرض واقع بديل جديد قد تنقذه في حال فشله في الحصول على الأصوات الكافية لتمرير تلك التعديلات، وهو يرى في الظروف التي أوجدها ارهاب داعش في إنهاك شعوب المنطقة فرصة لا تتكرر في حال عدم استغلالها. فيما كان ضرورة انشغال الطرفين، البرزاني – أردوغان بالمشاكل الداخلية وعجزهما عن تقديم الحلول لها مثل عائقاً جدياً أمام أي عمل في الخارج وخاصة أن كون الطرفين يمثلان بشكل أساسي الجزء الفعلي من المشاكل الداخلية التي تتفاقم في مناطق سيطرتهما.

على المستوى العسكري، ومع بلوغ العرض العسكري التركي في الاقليم ذروته في الأيام القليلة الماضية، يدرك الأتراك أنه من الأهمية عدم محاربة حزب العمال الكردستاني في منطقة واحدة، وكذلك يخطط لها الكردستاني هذا الربيع حيث الانتفاضة الشاملة المخططة. هم يريدونها حرب خاطفة تنتهي في أسرع وقت ممكن، يتمكن فيها الجيش التركي من إعادة البناء بعد الهزائم المتكررة في الحروب السابقة والانقلاب الأخير الذي أثر بشكل سلبي على معنويات وهيكلية الجيش، وكذلك بعثرة المكتسبات الكردية في أجزاء كردستان المتعددة، وإحداث الصدمة نتيجة الضربة المتوقعة، وفرض واقع جديد يرى فيه الكرد أنفسهم مهزومين، محبطين، لا يمكنهم القيام بأي شيء بعد ذلك. تجد تركيا نفسها أمام اختبار الزمن الذي طالما فشلت في تحقيقه للقضاء على حزب العمال الكردستاني خلال فترات زمنية هي من قامت بتحديدها بنفسها وامتدت من 24 ساعة في الثمانينات لتصل إلى أربعين عاماً في 2017، وخدعت بها القوميين الأتراك الذين لم يعودوا يصدقوا أيّ حزب تركي يدعي بامتلاكه للزمن في الحرب، كما كان لفشل خطط استدراج قوات الكريلا إلى حروب بعيدة عن أهدافها الأثر الكبير في الفشل التركي. أن الاختبار الأساسي للجيش التركي في العقود الماضية هو مدى قدرته على القضاء على الكريلا لا احتلال أراضي جديدة كما حدث في بداية القرن الماضي باحتلال لواء اسكندرون وأجزاء من قبرص، وكما حدث اليوم في الباب السورية، حيث لم يحسب للأتراك أي انتصار عسكري ولم يكن الاختبار المطلوب لإثبات الجيش قوته وتماسكه. إذاً، حرب الكريلا هو الاختبار الذي طالما فشل الأتراك فيه مراراً، ويحسب للكريلا كلما حاول الأتراك الحرب.

كردياً، ليس هناك شك بأن الانتصارات التي حققها الكرد ضد داعش في روج آفا وشنكال جعلت منهم أكثر تماسكاً وانسجاماً مع الفرص التاريخية في المنطقة، وعرت محاولات الاستخفاف والاستهزاء بنضالهم من قبل الأتراك على وجه الخصوص، وهي كما تبدو تسير على نحو مغاير لما خطط له الأتراك عند اعتقال أوجلان ومحاولة تصفية حزب العمال الكردستاني بعد ذلك، وإطلاق الحملات العسكرية ضده في فترات متفاوتة وصولاً إلى تدمير مدن بأكملها كما حدث في العام الماضي وأشارت إليه الأمم المتحدة في تقريرها الأخير. على الساحة السورية، مع التطورات الكبيرة في المنطقة تجد تركيا وللمرة الأولى وجودها مهدداً في ظلّ ما بات ملموساً من اعتماد قوات التحالف على قوات سوريا الديمقراطية في القيام بتحرير الرقة وحسم خيارها في ذلك، وإن ترك المجال ممكناً لمشاركة الأتراك في تلك الحملة وهو ما يعتبر انتحاراً لتركيا إن تمت مشاركتها مع قوات تعتبرها “ارهابية” ونصراً لتلك القوات في جر تركيا إلى الاعتراف بها مرغمة، وهي نفسها التي نجحت في جر تركيا إلى مناطق كانت في الدرجة الأخيرة في الاهتمام التركي بعد حلب وعفرين. بكلتا الحالتين لم يعد أمام الأتراك المزيد من التفكير للمشاركة في عدمها مع قرب انتهاء قوات سوريا الديمقراطية من عملية عزل الرقة من كل الاتجاهات ولا يمكن للأتراك التصرف كما لو أن الساحة خالية لهم، كما لم يعد أمام تركيا التفكير تقليدياً في أن صداقتها وتحالفها مع أمريكا التي تتهمها بالتخاذل في مد يد العون لها في حربها بالباب وقبلها في حلب يعني وجوباً معاداة الكرد. مع ذلك، لم يعد أردوغان يعرف متى يتوقف وأين في الملف السوري، حيث لا يمكنه توقع نهاية الحرب في سورية بدون القضاء على الحلم الكردي، ويؤكد هذا السعي التركي على أن المشكلة الاستراتيجية للأتراك في سورية لم يكن داعش والنظام بل كان الكرد، حيث لم تتغير الرؤية التركية للكرد وحقوقهم منذ قرن على الرغم من التغييرات الحاصلة في المنطقة، وهذا ما تعمل أمريكا على تخفيف تأثيره على مشروعها في سوريا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق