شؤون ثقافية

الانتقال من المنزل

الانتقال من المنزل

قصة للكاتب البولندي: بافل هيلّه – Paweł Huelle

ترجما من البولندية: هاتف جنابي

تَوَاعدَ أبي مع السيد (بيشكه) لكي يلتقيا في وقت مبكر من ظهر يوم السبت. لكن السيد بيشكه ألغى مجيئه. اتضح أن عليه السفر مع جميع أفراد العائلة إلى منطقة قريبة من مدينة كارتوزي للمشاركة في التعميد الكنسي. لهذا السبب تم إرجاء موعد الانتقال من البيت حتى يوم الاثنين، في حين حدثت أشياء فظيعة في الغرفة الكائنة في الطابق العلوي حيث كنّا نسكن منذ البداية. لقد حزمتْ أمّي وفتحت علبَ الكارتون والحقائب المحزومة، وكانت مستاءة لأن عليها أن تقوم بذلك من جديد ليومين آخرين. كان أبي مستاء لأن أمي كانت مستاءة. بهذه الطريقة كانا مستاءينِ من بعضهما – وبالمناسبة- منّي. لهذا السبب أردتُ الابتعادَ عنهما فقمتُ بتزجية معظمِ وقتي في الحديقة. لم أعدْ أتذكر، هل كنتُ بسبب ذلك تعيسا. ربما، لا. كان بإمكاني فعل كل شيء يحلو لي حتى موعد العشاء. كان شيئان ممنوعين عليّ، كما هو دائما: الخروج خارج بوابة الحديقة والذهاب إلى المتنزه، واللعب في سُطيحة البيت التي يمكن التطلع منها عبر النافذة الزجاجية إلى الغرفة الكبيرة. عرفتُ المتنزه جيدا. كانت، من مفاتنه الكبرى، نباتات متوحشة، بِرْكةٌ معرّشة، نافورة عاطلة منذ سنوات لم تنزل منها قطرة ماء واحدة، وقاعدة حجرية ربما كان فوقها منتصبا ذات يوم تمثال لملك أو أمير. ثمة أشياء متنوعة متناثرة في أعماق الفسائل. منها حوض غسيل صدئ بثقب كبير، وكرنكٌ لتشغيل الموتور، ومقعد مكسور بأحشائه المتدلية وزُنْبَرَكاتِه العارية. كانت هناك خردوات أخرى، كان الهدف منها يبدو غير واضح أو منسيا. سوى أن المتنزه لم يجذبني هذه المرة. أ لأنني قد عرفته جيدا؟ أما السُطيحةُ والغرفة الكبيرة فشيئان مختلفان. جرتْ هناك قضايا أكثر غموضا وأثيريةً، حتى أنّ أبي وجارنا في الطابق العلوي السيد سْكيسكي لم يَملكا حقّ الدخول هناك. كانت السيدة غريتا – مالكة البيت السابقة تسكن في الغرفة الكبيرة. لم يكن السيد سْكيسكي يحبّ تلك الكلمة، لأنه بدلا من كلمة “المالكة” كان يقول “الوريثة”، مقهقها حينها بخبث. أبي دعاها ببساطة السيدة هوفمان. بينما لم تتفوه أمّي بشيء آخر غير “هذه العجوز الشمطاء الألَمَانِيّة” ولم يكنْ وقع ذلك ودّيا. أما أنا فقلما كنتُ أراها. تجنبتنا قدر ما استطاعتْ ونحن تجنبناها كذلك.

– ممنوع عليك الذهاب هناك- حذّرَتْني أمّي- هي لا تفهم اللغةَ البولندية.

– نعم، نعم- أضاف أبي- لا يجوز إزعاجها. لم أكنْ أرى السيدةَ غريتا يوميا، غير أنني، مع ذلك، كنتُ أسمعها كلّ يوم. عصرَ كل يوم تقريبا كانت تجلس أمام البيانو، ولمدة ساعتين أو ثلاث كان البيتُ يضجُّ بالموسيقى.

– الوريثةُ تُوَقّعُ مرة أخرى على أصابع البيانو- قال السيد سكيسكي وهو يلوّح بيده مودعا.

– “الموسيقى الألْمَانِية” من جديد- تنهّدَتْ أمي.

– إنها بكل بساطة تعزف- هزَّ أبي كتفيه. – ما الضّرَرُ في ذلك؟

أما أنا فأحببتُ موسيقاها. أحببتها، خصوصا، قبل النوم، حينما أطفأ أبي المصباحَ وخيّمَت في غرفتنا ظلمةٌ جزئية. حينئذ انتشرتْ أصوات البيانو في الهواء، فشعرتُ بلمستها المخملية. وحينما توقفت السيدة هوفمان عن العزف أحسستُ بالحزن كما لو كان ينقصني شيء ما.

لا، لم تكن لدي الرغبة أبدا بالتعرف على السيدة غريتا. حول أي شيء كان بإمكاننا أن نتحدث؟ فقط، رغبتُ بالتعرف على ما هو كائن في الداخل. إذن، أن أجد نفسي داخل الغرفة الكبيرة، وأراها كيف هي تعزف.

درتُ حول البيت ببطء. اجتزتُ في البداية شجرةَ القيقب القديمة الذي عرّش حولها نباتُ الهَدال الطفيلي، ثم سرتُ على امتداد شبابيك المرحاض الخارجي المرقومة بألواح خشبية، حتى وجدتُ نفسي أخيرا في السُطَيحة، واجهتُ بابا زجاجيا عريضا. اعتادت السيدة غريتا أحيانا، على فتحه ثم النظر إلى الحديقة، واقفة أو جالسة على منضدة خشبية صغيرة. حينئذ، حدقتْ في دعائم الحائط الحجري، في تبرعم الكرْمة البرية أو في تفتح زهر الحُلوة المُعَرّش، في حين كان رأسها الأشيبُ يذكرنا بطائر فزع. غير أن مثل هذه الأشياء قد حدثت في الصيف فقط. البابُ حاليا مغلقٌ، وعلى بلاطات السطحية الحجرية التي تذكرنا برقعة الشطرنج، كانت تخشخشُ تحت حذائي أوراق صفراء. ألصقتُ جبهتي على الزجاج. لقد خيمَتْ ظلمةٌ جزئية في الغرفة الكبيرة ولذلك لم أتمكنْ من رؤية الشيء الكثير. كانت الطاولة الموجودة بالقرب من الباب المغطاة بكثير من المواد هي الشيء الوحيد المرئي. بصري الذي اعتاد على الضوء الرمادي، سرعان ما أخذ يضيع في هذه الكثافة، ملتقطا منها أشكالا متنوعة. كانت هناك شمعدانات فضية ونحاسية، كوم من الكتب الضخمة والنوتات الموسيقية، صحائف ورقية غير مربوطة، علب فخارية وتماثيل صغيرة، أوَانٍ زجاجية، خِرَقُ ملابس، خيوط وإبر، أُصُصٌ خزفية، قفازان، مِدَمّة أطفال (لجمع العشب والتراب وسواهما)، قبعات نسائية، فناجين بصحونها وبلا صحون، مُثَقِّلات من الخشب المَضغوط والنحاس، بورتيه صغير لرجل ما، سكرية فضية، عدة صور مؤطرة، وأخيرا منبهٌ ذو أجراس كبيرة، مؤشّرُ الجرس وعقربُ ساعة مكسور. كان كفافُ جميع هذه المواد ملطخا وهيئاتها مندمجة معا، كما لو أنها انتشرتْ خارج بؤرة العدسة. على أية حال، كانت الكتب والنوتات من أكثر الأشياء. ذكرتنا أكداسُها بمدينة مدمرة ووهادٍ من الشوارع، ومسالك ضيقة بين جدار وجدار.

أشبعتُ فضولي الأولي والآن أنتظر حتى تظهر السيدة غريتا لتجلس أمام البيانو ثم تبدأ بالعزف. إذا لم تكن موجودة في الغرفة الكبيرة هذا يعني أنها تعمل شيئا في المطبخ. لكنْ، لا يمكنني أنْ ألقي نظرة على المطبخ. بلى، لم يشاهدْ هذا الداخل أحدٌ حتى من البالغين. حتى لو صدف وأن عرّجوا، في حالات نادرة، لفترة قصيرة على الغرفة الكبيرة، فإنهم لم يجتازوا عتبة المطبخ إطلاقا. لم تدخل بقية الحجرات في الحسبان أبدا. الحجرتان، وغرفة النوم، والحمّام، شأنها شأن البقية في الطابق الأول، كانت مغلقة بقفل ومختومة من قبل موظفي الدولة. لم يَجْرِ فتحها منذ أنْ وعيتُ؛ سقوفها تهدد بالانهيار في أية لحظة. لذلك كان على السيدة غريتا أن تجلس في المطبخ. لو كان البابُ الزجاجي من جهة السُطيحة غير مسدود من الداخل، لكان باستطاعتي أن أفتحه قليلا وأنزلق داخل الغرفة الكبيرة عبر الفتحة الصغيرة. كان بإمكاني أن أطلعَ على كل شيء بدقة وأخرج بدون أن يحسَّ بي أحد. لكن وإذا مسكتني متلبسا بهذا العمل؟ بالتأكيد ستظن أنني لص. وعندما وازنتُ الأمر، هل السيدة هوفمان ستذهب حينئذ وتشكوني لأبي أم لا، وعندما كنتُ أفكر، كيف تلفظُ كلمة”لص” بالألمانية، لمع الضوء في الغرفة الكبيرة، وسط السرير الضخم والخزانة والبيانو التي انبثقت كلها من الظلمة الجزئية، لمحتُ هيكلها غير الكبير منحنيا إلى الأمام قليلا. لم تتقدم-كما تخيلتُ- مباشرة إلى البيانو. قامتْ بوضع قدح الشاي على طاولة صغيرة مستديرة والجلوس جنبها، في مقعد عميق. بعد لحظة شعرتُ برجفة مقيتة. لقد حدث شيء غريب في الغرفة الكبيرة. شيء لم يكن بمستطاعي أن أفهمه. ولم يكن المقصود هنا هي اللغة الألمانية. لقد تحدثت السيدة غريتا أثناء شربها الشاي مع شخص ما، بما لا يقبل الشك. لم يكن ذلك بالحوار الداخلي. ألقتْ أسئلة، وطرحتْ ملاحظات، هزّتْ رأسَها، قامت بإشارات حتى باليدين وربما تشاجرتْ، لأنني سمعتُ صوتها مرتفعا عدة مرات. لكنْ مع منْ يا ترى هي تكلمت؟ لم يكنْ هناك أحد سواها في الغرفة الكبيرة. أي شخص طبيعي يتكلم مع الهواء؟- فكرتُ. ربما هي مجنونة؟ نعم، لم يكن هذا مستبعدا، لكنه ليس مؤكدا. ذات مرة، قابلتُ مجنونة في شارع الجيش الأحمر: كانت تبصق على المارة، تهددهم، كانت رثة ممزقة الثياب، يسيل اللعاب من فمها. في حين كانت السيدة هوفمان تلبس بلوزة كاشفة، مزرّرة تحت الرقبة بدبوس كهرماني، وتنورة سوداء، أما شعرها الأبيض القصير فقد حملَ أثرَ يدي الحلاق، رغم أنها لم تزرْ أيّ مكان في المدينة خارج نطاق السوق في منطقة أوليفا والكنيسة البَنَدَكتية. بعد لحظة من وضع أذني على الزجاج واصطياد بعض مفرداتها، ساورتني شكوك جديدة: ربما هي تتكلم مع شخص تراه، ولا أراه أنا؟ خاصة، وأن حديثها قد صار، ولا ريب، أكثر حيوية. السيدة هوفمان، بحماس، قد فسّرتْ شيئا ما بحركات يدها، فعلت ذلك بطريقة توحي وكأن هناك شيئا ما لا يفهمه الشخص الثاني. قد تكون تظاهرتْ بذلك وحسب؟ لكن، أمامَ منْ؟ ولماذا؟ لم أكنْ أدري كيف أفكر بذلك. لكن صورة هذه السيدة العجوز التي تتحدث بجمل طويلة بلغة غير مفهومة لي، صورة السيدة غريتا الجالسة في مقعدها المتكلمة مع شخص لا يراه أحد سواها، كانت رائعة، بحيث لم أتمكن من الابتعاد عنها، ولا من صرف نظري عنها.

فجأة، توقفت المحادثة. لقد خرجت السيدة غريتا مع كأسها إلى المطبخ بدون إطفاء الضوء، بعدها رجعتْ بسرعة ثم جلسَتْ أمام البيانو. لا أدري، بأية طريقة لمحتني: خيم الغروب في الخارج، لكن الضوء المنبعث من الشمعدان كان قويا جدا. في لحظة ما، نهضتْ من كرسيها وتقدمت نحو الباب الزجاجي ووسّعَتْ فتحته أكثر من ذي قبل.

– وأنت مازا تفأل هنا(ماذا تفعل)؟- سألتني.

– أنا؟ …- حاولت أن أجيبها بشيء- أنا فقط مررتُ من هنا.

– هل أنت جوآن(جوعان)؟

– لا، يا حضرة السيدة.

– هل تغيد شايا؟ تغيد(تريد)!- أجابت بسرعة نيابة عني.

– انتزرْ ها هنا(انتظر)، goot؟ – ثم خرجت إلى المطبخ.

كان لخطواتها رجعٌ في أرجاء الممر الطويل، انتظرتها في الغرفة الطويلة واكتشفتُ أشياء كثيرة رائعة. اللوحات، مثلا: كلها كانت داكنة جدا وأيضا قديمة جدا، وفيها كثير من الخيول، والدّرْشَكِيّات(مركبات) والتراموايات التي تسحبها الخيول- حول كنيسة مريم العذراء، بمحاذاة نافورة(نبتون) وقرب برج السجن. أو البيانو: في لوحه ذي اللون الجوزي المزيّنِ بحروف تنم عنها كلمات، فككتُ رموزها بصعوبة-“Gerhard Richter und Sohnen. Danzig 1932”.

أما في خزانة المكتبة فقد صُفّتْ رفوف من مجلدات الكتب السميكة المذهبة الحواشي، وحولها ينزلق الضوءُ. بالنسبة لي فأن أكثر ما أعجبني هي الطيور المحنطةُ- أحدها أبيض، والثاني ملون بصورة ساحرة- وهناك أفعى سامة موضوعة في سائل داخل قنينة. كانت هناك أيضا مجموعة غليونات وسيقان غليونات خزفية مزينة بالصور. بعدما رأيتها جميعة، وقع نظري على كتاب مفتوح مطروح جنب مزهرية خزفية فارغة. جسدتْ اثنتان من الصور التزيينية الملونة شكلي امرأة ورجل. لكنهما لم تذكراني، بأي شيء، بأبي وأمي. فبدلا من الجلد، بالأحرى تحت الجلد الذي لم يكن موجودا هنا، كانت حزمة أوردة منتفخة، وأحشاء، أوعية، عضلات وعظام. بمعنى ما، لم يكونا عاريين ولم أشعر بالخجل. في الحقيقة، نظرتُ إلى هاتين الشخصيتين بفضول ممزوج بالاشمئزاز. لو كنتُ أمام شخصين حيين، لكان في داخلي نفس الشعور.

أغلقتُ الكتابَ حينما اقتربت السيدة غريتا. قالت، وهي تضع على المائدة صينية فيها شاي، وقطعة شَرْلوتٍ بالتفاح، ومربى:

– إنْدَنا(عندنا) Geburstag ، هذا إيدٌ(عيد). أَتَفخم(أتفهم)؟

– أجبتها: كلا، وبعد أنْ أكلتُ الكيكَ، سألتني:

– أتحبّ حينما أنا آزفُ، فِئْلاً(أعزف فعلا)؟

– نعم، أجبتها- أحبُّ. ولكن من أين تعرف السيدة؟

– أنا أرى زلك في عينيك(أنا أرى ذلك في عينيك).

استغربتُ ذلك. لأنني لم أنظرْ مباشرة إليها بعينيّ، ولم ألتقِ بها، لا في الحديقة ولا فوق السلالم. إذن، هي نفسها كانت لديها الرغبة في الموسيقى وأرادتْ مني أنْ أبقى جنبها. لكنها حينما عزفتِ النغماتِ الأولى التي رنَّتْ في الغرفة الكبيرة بصفاء وقوة، التفتَتْ إليّ بكرسيها الصغير الدوار وسألتني:

– ما خُوَ اللخنُ الّلزي تُخبّهُ ُ أَكْسَر(ما هو اللحنُ الذي تحبه أكثر)؟

– ما كنتُ أعرف كيف أجيبها. لم أعرفْ حتى عنوانا واحدا من ألحانها. ولم يكنْ بإمكاني أنْ أُهَمْهِمَ بأي شيء. كان بمستطاعي أن أقول بالشكل التالي: “فلتعزف السيدة لحن- ليلة سعيدة. اللحن الذي يجعلني أنام جيدا. أو ذلك اللحن إبّانَ سقوط الثلج، حينما وقفتْ أمي قرب النافذة ونادتني لكي أنظر أنا كذلك، كيف تكسو ببطء رقائقُ الثلجِ المتنزهَ والشارعَ والحديقة. أو ذلك اللحن الذي أصلح أبي أثناءه الراديو فاندمج بكل محطات الراديو في العالم”. إذن كان بإمكاني أنْ أرجو السيدة هوفمان كي تعزف “لحن المساء”، “لحن رقائق الثلج” أو “لحنَ محطات الراديو في كل العالم”، غير أنني أكثر ما وددتُ سماعه هو “لحن المساء الحزيراني”.

كان أبي وأمي متأكدين من أنني نائم. جلسا فوق الفراش متدثرين بشرشفين وهما يشربان النبيذ من كأسين رشيقين، ويضحكان بين الفينة والأخرى. فيما بعد، بعد أنْ فرغت الزجاجة؛ صفرَ أبي بهدوء فوق رقبتها وضحكا مرة أخرى، لأن هذا الصوت كان يذكرهما بصفّارة الباخرة- عابرة الأطلسي التي كانا ينويان ذات يوم أن يقوما برحلة شهر العسل على متنها، لكنهما لم يُبْحرا، ولم يقوما بأية رحلة شهر العسل على الإطلاق. حينئذ، أخذت تتسرب أصوات البيانو من الغرفة الكبيرة، عبر الباب الزجاجي المفتوح على السُطَيْحةِ. عزفت السيدة هوفمان لحنا ما بطيئا، حزينا، فأخذ أبي بيد أمي وراحا يرقصان في كل الغرفة، بهدوء، على أطراف الأصابع، لكي لا يوقظاني، بينما كنتُ أرى، من تحت أجفاني المسدلة، جسميهما المنثنيين، نظرتُ إلى حواشي الشرشفينِ الأبيضينِ المتساقطينِ ببطء، حتى انطفأ الضوءُ ولم أعدْ أرى أيّ شيء، علما، أن الموسيقى واصلت انسيابها، متسللة عبر نافذة غرفتنا المفتوحة، ومعها رائحة حادة لزهر عود الصليب منبعثة من الحديقة.

– لا أعرف اسمَ هذا اللحن- قلتها أخيرا. لقد عزفته السيدة ذات مرة في الصيف.

– خسنا(حسنا)، سآزف(سأعزف) مقطعا مقطعا، وأنت ستقول لي حالما تعرف.

أومأتُ برأسي موافقا فشرعت السيدة هوفمان بالعزف. رغم أن ذلك لم يكنْ “لحن الليلة الحزيرانية” استمعتُ إليه بابتهاج، وحزنتُ حالما انقطعَ اللحنُ- لأنّ السيدة هوفمان قد رفعتْ يديها عن لوحة المفاتيح.

– أرى أنه لم يكن ذلك الذي أردته. هل أنت تعرف، ماذا أزفتُ الآنَ(عزفت)؟

– كلا.

– استهلال، ? Tannha?user .

– تانْهويْزَر…

– بلى

– هل هذا موسيقار؟…

تطلعت السيدة غريتا في عينيّ، ثم تركت البيانو، واستلت من المكتبة كتابا وطلبتْ مني وضع كرسي آخر قرب البيانو. وحينما جلسنا جنبا إلى جنب، فتحت الكتابَ على صورة قصر. كان في الصورة: فُرْسَانٌ، نساء جميلاتٌ، مُغَنّونَ، خيولٌ، رايات، وأبراجٌ دفاعية.

– “هذا كسر لاندغراف من تورينغيا”- هي قالت. وهكذا بدأت حكايتها. كنتُ أقلّبُ صفحات الكتاب والسيدة هوفمان توضح لي اللوحات اللاحقة ثم عزفت أجزاء تالية من أعمال تانهويْزَرْ. بعدما تجاوزنا ألحان غار فينوس، ومبارزة الأناشيد، وعويل أليزابيت، وصلنا إلى الحُجّاجِ، والعصا الخشبية تفتحتْ براعمَ، وحينما مرّتْ أصابعُ السيدة غريتا على مفاتيح البيانو، قالتْ لي: ” انتبه الآن، تأتي الأبواك، والآن الكُرُونُ والمزامير”، فعلا سمعتُ الأبواقَ والقرونَ والمزامير، رغم أن الأصوات قد جاءتْ فقط من بيانو غيرهارد ريختر وزونين- Gerhard Richter und Sohnen

– هل كل هذا حقيقة؟ سألتُ بصمتٍ. – هل حدثَ هذا فعلا؟

حينئذ أخرجت السيدة غريتا ألبوما مع صور فوتوغرافية. رأيتُ صورا شبيهة بتلك الموجودة في الكتاب، لكنها مختلفة بعض الشيء. على خشبة كبيرة وسط أشجار الزانِ، كان يقف رجال يلبسون ملابس تاريخية ويحملون المشاعل في أيديهم.

– دي كونشتْ- Die Kunst – قالتْ. هذه مسرحية فقط. هم غنوا ما أزفتُه.

– “Beglück darf du nicht, o Heimat! ” هازي كانت عروض في والدْ – أوبرا، أتفأمُ؟(أتفهم) في مدينة سوبوت. وهنا يكفُ زوجي(يقف زوجي). يظهر في الصورة رجل طويل القامة في بدلة كاشفة مقلمة. كان يقف على خلفية شلال صغير وثمة بركة جنب رجل آخر في بدلة سوداء. كان الاثنان مبتسمين ويبدوان كأنهما صديقان.

– “هذا متنزَّهُنا”!- قلتُ. – الشلال، السلالم… بل حتى السطح يبينُ خلف الأشجار.

– نعم، قالت السيدة هوفمان- كان هذا متنزّخ. وزوجي كان عازفا ومؤلف موسيقى. هو قدم إلى هنا في زلك الوقت من فيينا لكي يغني تانهوزر. الاثنان قد توفيا. وهذه- أرتني صورة أخرى- إنه أريكسن. هذا كان نرويجيا من أوسلو. غنى في الموسم التالي هاغين في Gotterd?mmerung . كان هذا صوتا رائعا!

– وأين غوترْدامَرُونغ؟ – سألتها- هل هي أيضا في مكان ما في سوبوت؟

حينئذ جلبت السيدة غريتا كتابا، ثم أخذت تُريني صورا أخرى، بعدها جلستْ من جديد أمام البيانو وعزفت مارش زيغفريد الجنائزي بحيث راح ظهري يقشعر. بعد ذلك عزفتْ أيضا „Steuerman lass die Wacht” و”Gesegnet soll Sie schreiten”

وWach auf, es nahet gen der Tag” „، إلى أنْ اختلط كل شيء في رأسي: كان (بارسيفال) يمشي في المتنزه فوق بِرْكةِ ماء ناشفة، وزوج السيدة هوفمان يطارد (هاغين) فوق خشبة أوبرا الغابة في مدينة سوبوت، وسط صراخ فظيع ?(فالكيريا ونيبلونغ)، بينما كان(أريكسون) يقف في سطيحة السيدة غريتا ماسكا بيده مشعلا ويغني:

„Beglück darf du nicht, o Heimat!” في هذه الأثناء كان البحارةُ من الهولندي الطائر العائدين من جهة منطقة أوليفا، عبر الطريق من سوبوت، يغنون “Heil! der Gnade Wunder Heil!”

كان كل شيء رائعا وخلابا، وجميلا- مثل المتنزه في الصورة القديمة. استمعتُ إلى السيدة غريتا، بخدين متوردتين، بينما هي راحت تعزف مقاطع جديدة أخرى، بدون أن تُريَني صورا من الكتاب، وكان كلانا في مزاج غريب، ربما في ضرب من الغَشْيَة، لأننا لم نسمعْ خطوات أبي ولم نلحظه، حينما انتصب واقفا خلف ظهرينا، كما لو أنه أيضا كان مسحورا بهذه الموسيقى، بل ربما حتى بالمشهد الذي رآه في الغرفة الكبيرة للسيدة هوفمان: هي منحنية على البيانو وأنا أحدق فيها أو في أصابعها كما لو كنتُ ممغنطا.

قد يكون مفتتنا بشيء آخر تماما، على أية حال، وقف خلفنا لعدة دقائق، قبل أن يضع يده على كتفي وانبرى بهدوء قائلا:

-خلاص، يجب أن نذهب.

عزفت السيدة هوفمان بضربة نغمة قوية تتويجية ثم التفتتْ باتجاه أبي:

– أوه، السيد Schiffbaumaister! ونحن هنا نأزف كليلا(نعزف قليلا). آملُ ألا يكون السيد منزعجا؟

-كلا، لستُ منزعجا- قال الأب. – لكنْ، علينا أن نذهب الآن. تصبحين على خير، سيدة هوفمان.

-Guten Naht . تُسْبهانِ ألا هير(تصبحان على خير) أيها السادة.

حينما عدنا إلى غرفتنا في الطابق العلوي، لم تهدأ أمي لفترة طويلة. لماذا ذهبتَ هناك؟ هي طلبتْ مني ذلك مرات عديدة! ماذا هي فعلتْ له، هذه العجوز الشمطاء الألَمَانِيّة؟

حاول أبي أن يقف معي:

– عزفتْ له فاغنر. هذا كل شيء.

– لكنّ روحا شريرة قد حلّتْ في أمي:

الألمان! الألمان! الألمان! – رفعتْ عقيرتها أعلى وأعلى. دائما هم الألمان! يبنون الطرق السريعة والمكائن، يملكون أفضل الطائرات في العالم وأفضل الأفران لحرق الناس. الألمانُ يعزفون (فاغنر) ويشعرون دائما بالروعة، هم دائما أصحاءُ ولديهم شهية ممتازة!

لم أرَ أمّي في مثل هذه الحالة مطلقا. صرختْ بوجه أبي، لأنه جلبها إلى هذه المدينة بدون ضرورة، وأنه قد فعل كل شيء من أجل أنْ تسكنَ خمسَ سنوات تحت سقف واحد مع الألمانية.

– لماذا هي لم ترحلْ من هنا؟ لماذا لم تهربْ مثل الآخرين؟

– هدّئي من روعك- حاولَ أبي أنْ يؤثر على أمّي. – ما كان ينبغي عليه أن يسمع ذلك.

لكنّ الروح الشريرة لم تبرح أمي:

ولمَ لا ينبغي عليه؟ ذات يوم، لا بد وأن يعرف! – وشرعت باستدعاء أسماء مختلفة، أسماء معروفة بالنسبة لها جيدا، محبوبة، وعند كل اسم كانت تحني إصبعا، بدء من أصابع اليد اليسرى، وبعدها اليد اليمنى، وعندما أصبحت جميع الأصابع محنية، قامت وهي باكية بتكرار نفس الإشارة لعدة مرات من جديد، لأن عدد القتلى كان أكثر بكثير من عدد أصابع اليدين، بل حتى عند اليدين والقدمين مجتمعين.

في هذه الأثناء، لم يستطع الأب أن يتحمل ذلك، فرجاها أن تكفَّ، صاح قائلا: إنه ليس هو المسئول في النهاية عن اندلاع الحرب، ولم يقم بتحريك الحدود، ليس هو الذي انتزع المدينة من البعض ليسلمها للبعض الآخر. كنتُ واقفا بينهما مشطورا على قسمين، رأيتُ جسديهما، رأيتُ هيئة رجل وامرأة كما لو في مرآة ملونة، مثل جرحين نابضين وحيّين.

صمت الأب أخيرا، بعدها أخرج من الخزانة مسحوقا وسلّمَهُ لأمي مع قدح ماء. في النهاية، استعادت أمي وعيها وتصالحتْ معه، ومع ذلك، حينما آوينا للفراش، ظلتْ كلمة “الألمان” تتردد في أرجاء الغرفة مثل طائر مُسْتَفَزّ في الظلام.

في صباح يوم الاثنين، جاء السيد بيشكه ووقف أمام البيت مباشرة. حمّلنا كل ممتلكاتنا في العربة، والأحصنةُ أتلعتْ آذانها، كعادتها دائما قبل انفتاح الطريق. وأخيرا تحركنا عبر شارع الزيزفون منحدرين نحو الأسفل، بين صفّينِ من الأشجار القديمة. تطلعتُ إلى البركة الجافة، والشلال الصغير الذي لم تنسبْ منه قطرة ماء واحدة، وإلى نبات القُرّاص، حيث اختفتْ حاجاتٌ مجهولة أو أن القصد منها غير معروف. أخذ بيت السيدة هوفمان يتضاءل ثم يتضاءل خلفنا حتى تلاشى أخيرا بين الأشجار، مثل بقعة نحاسية بنقطة حمراء من سطح البيت. قعقعت الحوافرُ فوق حجر الشارع. قعقعتْ أحصنةُ السيد بيشكه بفرح، بينما هو راح يغني أغنية كاشوبية، من المؤكد أنها ما زالتْ تطوف في رأسه من (حفلة) التعميد: “أود أن أحتسي قطرة من هذه القارورة الصغيرة”. تجاوزنا الجسر ومحطة الترام. من هنا تبدأ أشجار الكستناء وشارع القديس هوبرت. البيت الجديد غير الملبوخ بعد، كان يقف على مقربة منا. حينما دخلتُ إلى غرفتي شعرتُ برائحة الصبغ الجديد، والكلس وخَشَابِ الأرضية. حينئذ فكرتُ من جديد بذلك اللحن. لم تلحق السيدة غريتا أن تعزفه لي. من المؤكد أنه كان لحنا غراميا. لكن، هل ألّفَهُ ريتشارد فاغنر؟

خلف الحائط، في الغرفة الثانية، قاموا بتحريك الأثاث. أما أنا فكنتُ أعتقد أنني لن أدرك ذلك أبدا، ولن أعرف أيضا، مع منْ كانت تتحدث السيدة غريتا هوفمان في يوم Geburtstag حينما تلصصتُ عليها عبر باب الغرفة الكبيرة الزجاجي.

……………………

* نقلا عن مجموعة المؤلف: “قصص أثناء الانتقال من المنزل”

(Opowiadania podczas przeprowadzki)،

الناشر: دار كلمة/ لوحة/ فضاءات، غدانسك 1999، ص 61-74

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق