شؤون ثقافية

أمراس الصيف و الصقيع

أمراس الصيف و الصقيع

أحمد بنميمون

كنت أصيح مطالباً بِبعض رٍيّ يبلل شفتيّ في الأقل، بيدين مجذوذتي الأصابع كسيوف مفلولة، فبماذا أستطيع إذن أنْ أعُدَّ إلى حدّ العشرة ليس غير ، قبل أن أدعو على نفسي بالغرق في النسيان، فكالحي أنا في أوقات قليلة في رغبتي في أن أسلو ، وكالميت في أحايين كثيرة في تشبثي بالذاكرة: وأوهام كل ما أرى في ما يتراقص أمامي من أطياف.
حبيسَ ركن منطوياً في خور ظاهر، مشدوداً بأمراس غير مرئية، وإن كنت أعلم أنها أكثر سواداً من أذرع أقسى الليالي صقيعاً، تشدُّني إلى زاوية هذا الركن، قريبا من خشب نافذة مغلقة، وأستارثقيلة مسدلة، تزيد من ضيقي بالمكان، وتمنعني من الانزلاق إلى امتداد أي فضاء رحيب، حتى لا تحرقني شمس ظهيرة هذا النهار القائظ من أغسطس المغرق في حياد، كاقسى زمن بلا قلب،أمام تدفق الجنازات التي لا يتوقف الموتى فيها لإلقاء آخر نظرة على عالم غير آسف على انصرافهم عنه، واجدين وهم ينطفئون في برد لحودهم، قدر ما لنا تحت هذه الشمس التي تشتد وتشتدّ من اشتعال، حتى ليصير لون السماء أقرب إلى رماد، في بياضه الذي بلا لسان ، لون ميت يسحب من تحت الآنقاض ، ذات حرب لم تمض ولم تكف أحقادها، وما من حنجرة تصدر صراخاً أو زحيراً على أي ارتجاج أودبيب، بمثل ما تمنعني الآن حبال القسوة السوداء ـ هي في الحقيقة لا تُنسب إليّ وحدي ، بل هي حبال زمني القاهرـ تنمعني من أن أنزلق أيام الشتاء إلى الخارج حتى ألفظ أنفاسي تحت سياط البرد التي لا يريد زماني أن يرفعهاعني، لكيلا ينعته أحدٌ وهو في زهو أيامه بأنه كان الشفيق الرحيم ، فلطالما أطمعت الرحمة نذالة أشقياء ما ينبغي رحمتهم ولا ينزفون.
فلا أغسطس هذا يرفع قسوته عني بينهم، فيُبعدَ قضبان اكتئابه الذي لا يتوقف عني ، فيشقق شفتيَّ بيبس لهاث ولا يسقيني ،
ولا صقيع فبراير رحيماً يلوِّح بأطياف فرح، تحول بيني وبين اسباب حزني الأصيل العميق فيَّ.
وسيقضي هذا الشيخُ هنا، غير قادر على إرسال استغاثة، وسيطول احتضاره، وهو يرى كل شيء يسقط عنه، ولا لون في متناول يده ولا لغة لروحه حتى يعلن بها شهادته عن أيام عالَم صال فيها وجال، ولا أصابع في يديه ليرفعها فيعلنَ من خانوه، وباتوا يدفعونه إلى استعجال موته ، حتى يعلنوا بدورهم أنه صار من المدفونين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
10/08/2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق