شؤون ثقافية

نص (ضيف) للشاعرة فاطمة منصور (*) قراءة تحليلية

نص (ضيف) للشاعرة فاطمة منصور (*) قراءة تحليلية

تفاعل الوعي واللا وعي للرغبة الايحائية وفضولها

الناقد الشاعر مالك مسلماوي

حين يدعوك نص الى اعادة قراءته والاقامة فيه هذا يعني انه حرك فيك رغبة وفضولا ايجابيا في التفاعل معه وكشف حقيقة ما وراء كلماته وعباراته و الينابيع التي استقى منها حضوره كمقولات ابعد مما تصدره القراءة الاعتيادية المسترخية .. وهذا ما حصل مع نص (ضيف) لفاطمة منصور , وقراءتي له كانت من باب المصادفة وانا اتصفح جريدة (صباح بابل) .

و بدءاً من العنوان (ضيف) فانه يتضمن الاشارة الى حالة طارئة كانت هي محور النص من جهة وهي علة انفتاحة من جهة ثانية .. هذا يعني ان النص تعبير عن ظرف طارئ وحالة عابرة لا تتصف بالديمومة والاستمرار فالضيافة مرهونة بزمن قد يطول او يقصر ولكنها تنتهي في وقت قريب والا فهي تتحول الى اقامة قد تدوم طويلا , وتلك ليست من مقاصد النص على ضوء ما يشير اليه العنوان . . على اننا نستشف من ذلك ان هذه المحطات العابرة والظروف الطارئة تأخذ _ على حد طارئيتها – قدرا كبيرا من الاهمية كونها فاعلا مؤثرا في مجريات الحياة الاعتيادية التي تعيشها الذات الناصة اذ تدفع الى احالتها الى مدونة ثاتبة تكشف طبيعة مرحلة او ظرف اكتسب اهميته بما يحمله من فجاءة او أثر في اعماق تلك الذات .. وسيكتشف القارئ تلك الاهمية من خلال تشربه لشفرات النص ودلالاته.

يفتتح النص باشعار أولي ( ما بين اليقظة والحلم … ) وهو ما ينطبق مع الرأي القائل من ان الشعر هو نقطة التقاء الوعي مع اللاوعي , ” اعتقد ان الشعر هو ثمرة التعاون أو التصادم بين النصف الواعي والنصف اللا واعي لدى الانسان ” (**)

فالشعر ليس وعيا وحسب , كما انه ليس لاوعيا منبتا ايضا .. فالوعي لوحده ينتج افكارا ويذهب الى مفترضات العلة والمعلول في الدرس العلمي او المنطقي ونلمس حضور الوعي في الفن الكلاسيكي و في العمود الشعري سمة ظاهرة , بينما اللاوعي (الحلم) فهو متاهة من الصور والاحداث دونما ترابط او جدوى ..و نجد ذلك في المدرسة الدادائية والسريالية المعتمة التي تصل حد القطيعة بين الشاعر والقارئ .. ” فنحن نقرأ قصيدة كي نلتقي بالآخر” (***) كما قال هارولد بروم

لقد انعكست بنية ( الوعي / اللا وعي) في نص (ضيف) على اللغة التي كتب بها فهي لغة واعية ولا واعية في الآن ذاته .. فالذات النصية تعي ذاتها و تصفها و تسرد هواجسها و امالها و مواقفها :

” ما بين اليقظة والحلم

تسارعت دقات وسادتي

في محراب العشق

قديسا كان

يوقد في الثلج

نزيف الشوق ..”

ان اللغة هنا لغة ايحائية لكنها غير منفلته و لا تعتمد الخطوط المستقيمة في التوصيل , فالخط المستقيم ليس هو الاقرب مسافة بين نقطتين ( المرسل / المتلقي ) , انما هو الخط المنحني او الملتوي المتمثل بقدرة النص على المراوغة والالتفاف وعبور المصدات المتأتية من جمود اللغة وقواوينها الصارمة.. لذا استطاعت لغة نص (الضيف) أن تصل الى الذات الاخرى بقدرة واضحة على الاثارة ونقل التجربة باتقان عال في رسم الصورة الشعرية غير المترهلة ..

قي هذا المقطع صورتان معبرتان تختزنان كثيرا من الدلالات عن لحظة توهج نادرة مؤطرة بفضاء صوفي شفيف .. الصورة الاولى ( تسارعت دقات وسادتي قي محراب العشق ) . فدقات الوسادة هي دقات القلب وقت نوم الجسد او حين يكون الجسد في طريقه الى السكون فهو بين اليقظة والغياب , لحظة سكون الجسد واشتعال الروح .. وقد زاد الصورة اثارة مكان مفترض هو مكان التعبد (محراب العشق) , وتلك مرحلة سامية من مراحل العشق ..

الصورة الثانية : ( قديسا كان / يوقد في الثلج نزيف الشوق ) , و هي صورة بارعة اخرى في بنائها الاستعاري , والنحوي .. فايقاد الثلج حل محل ايقاد الضوء فلا حاجة له في تلك اللحظة لحظة التوهج الروحي وانفصالها عن (الخارج) , لكنها الحاجة الى النار لايقاد ثلج الغربة و الوحدة .. من الناحية النحوية تقدم خبر كان عليها و على اسمها المستتر فيها (قديسا كان) , وقد حذف اسمها وهو المقصود في معنى النص , وبقي ما يدل عليه و وصفه ب (القديس) الذي يشعل الشوق في الذات الناصة , وهو تعبير عن صورة العشق في اقصى حالاته .

و يستنمر النص كاشفا عن مكنونات الذات وارتداداتها ازاء توحدها مع الذات الاخرى , ذلك الكشف الذي يتعمق بسلسلة كثيفة من الصور المرسومة بتقنية بلاغية عالية بتناوب او تساوق بين الصورة الاستعارية والكنائية , لنؤشر اولا بعضا منها:

( دقات وسادتي / ارتجافة دمي/ قاع روحي/ المبتلة ببياض البرودة/ اقلب المساءات / رسمت لنفسي ميلادا / طافحة في التلاوين / شعاع انا ونيزك ..).

.. و المثير – ها هنا – هو التداخل الاستعاري / الكنائي في الصورة الواحدة كما في الصور التالية :

( يوقد في الثلج نزيف الشوق / يشرد لهفي اليه / مهووسة في وجد الجداول / تضرب خيط الوهم/ ادخل ثقب الروح/ اشقق مجرى الحزن ..).

فالوجه الاستعاري في الاولى هو في المفارقة الحاصلة في (ايقاد الثلج / نزيف الشوق) . اما الوجه الكنائي فهو في ارادة معنى تأجج الهيام .. اما الصورة الثانية فالوجه الاستعاري في شرود اللهفة , فاللهفة تشرد من الذات الى معشوقها , اما الوجه الكنائي فهو كناية عن شدة الشوق والتلهف للقاء .. اما صورة (مهووسة في وجد الجداول ) , فالاستعارة في نسبة مشاعر الوجد الى الجداول , وهو في الوقت نفسه كناية عن تدفق الوجد تجاه الجداول وما تحيل اليه .. يدعمها نوع من العلاقة الجناسية بين وجد / جداول . …. وهكذا. و نواصل القراءة :

” حسبت صفير خافقي

يورق بالحسنات

ويهطل مطرا

آه من قاع روحي

المبتلة ببياض البرودة ..”

استجابة لحضور (الضيف) تتحول دقات القلب الى صفير والصفير صوت يختلف عن صوت دقة القلب , و يتحول الدم الى مطر يهطل على قاع الروح فتورق حسنات .. والحسنات هنا ثمرة هذه الحظات في اللقاء مع الضيف القديس الذي يوقد في برودة الوحدة نزيف الشوق .. ثم نقرأ :

“ما بال نفسي

ساكنة لا تنزف الشوق ..”

تتعجب الشاعرة في النهاية من روحها التي( تضرب بخيط الوهم ) , فباكتشاف لحطة الوهم هذه ينعطف النص نحو الموت , الذي فيه خروجها من الجنة .. فالمعادلة مقلوبة بحيث الجنة سابقة للموت وليس بعده كما هو معروف , لذا تبدأأ حياتها من جديد :

” اني اموت واقيم مأتم احزاني

على شفا حفرة من النار

ما عدت اجد للجنة مقرا

ولا مقاما

رسمت لنفسي ميلادا جديدا “

ان نص (ضيف) يكشف عن تداخل الحقيقة بالوهم , والحلم بالواقع .. والوهم / الحلم هو الملاذ في تحقيق الرغبات والامال وما تسعى اليه الذات العاشقة .. كما يكشف عن ذات طامحة و ذي حساسية عالية ترى الحياة رحلة حب سام لا يموت .. يخضع النص لهيمنة الذات الناصّة بطريقة استعراضية من اجل تأكيد العلاقة (الوجودية) مع الذات الاخرى و التقرب اليها من خلال فرصة البوح التي اوجدها النص .. يفصح عن ذلك ( اقصد هيمنة الذات ) استدعاؤها بوساطة الضمائر العائدة اليها .. وكما مبين في الاحصائية التالية :

ياء المتكم // ورد (12) مرة : ك ( وسادتي / رهفي / روحي …. الخ)

الضمير المنفصل (أنا) // ورد (3) مرات :

الضمير المتصل (التاء) // (3) مرات : ( حسبتُ /عدتُ / رسمتُ)

الضمير المستتر والمقدر ب (أنا) // ورد (4) مرات : (ادخلُ / اشقق / ارسم/ اوشم ).

هذا وغيره يكرس طفح الذات وحاجتها الى الذات الاخرى لتحقيق وجودها وانسجامها معها , وتلك صورة معبرة عن درجة سامية من العلاقة الانسانية .

…………………………………………………………………………….

(*) منشور على الصفحة السابعة من جريدة صباح بابل الصادرة يوم لاربعاء 11 تموز 2018 في عددها/ 38

(**) كيمياء الكلمات/ حوار في النقد والشعر والرواية والمسرح/ تردجمة د. محمد درويش/ دار المأمون للترجمة والنشر/ بغداد

(***) المرجع نفسه..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق