الصورشؤون ثقافية

قــــداس جـنــائـــزي للشـاعـرة الـروسـية آنــا آخــمــاتــوفـــا

قــــداس جـنــائـــزي
للشـاعـرة الـروسـية آنــا آخــمــاتــوفـــا

ترجمـة عن الروسية: بـُرهــان شــاوي

يعّد بعض نقـاد الأدب قصيدة ( قُـداس جنـائزي) لآنا آخماتوفا، واحـدة من قصائد القرن العشرين المهمة، من حيث أنها شهادة مرعبة على الإرهاب الستاليني، إذ كتُبتْ القصيدة ما بين الأعوام 1935 – 1943، ولم تُنشر لا في حياة الشاعرة ولا بعد موتها، إلى أن اندثرت دولة الاتحاد السوفيتي.
آنـا أندريفنـا آخماتوفـا ( 1889 – 1966) واحدة من أهم الشعراء الروس على مر تاريخه، وهذه القصيدة هي صرختها ضد الإرهاب والقمع الوحشي للإنسان. لقد أُعـدم زوجها الشاعر غوميلوف العام 1921، كما أُعتقل ابنها مرات وأرسل الى معسكرات الاعتقال، أما هي فطردت من اتحاد الكتاب السوفيات، ومنعت من النشر لأزيد من عشرين سنة، إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد عاصرت مقتل الزوج، واختفاء الأبن، والأصدقاء في أقبية السجون، لاسيما صديقها الشاعر أوسيب ماندلشتام.
في هذه القصيدة لم تهتم آخماتوفا بالتعبير الرشيق، والاستعارة الخلابة كثيرا، بقدر ما حاولت أن تنقل تجربة الرعب والموت في أقبية السجون.

ما يشــبه المقـدمــة

خلال سنوات الإرهاب الستاليني المرعبة، كنتُ سجينةً لمدة سبعة عشر شهراً ضمن طابور من النساء في أحد سجون ليننغراد. كان ثمة شخص ما قد اعترف ضدي. وذات مرة وقفت خلفي امرأة مزرقـة الشفاه، وبالطبع لم تكن تعرفني، ولم تسمع باسمي، ومن شدة الرعب والبرد همست في أذني سائلة( حيث كان الجميع يتحدثون بهمس):- أتستطيعين ان تصفي كل هذا الذي يجري هنـا؟ فأجبت: نعــم، وهنـا أرتسمت ما يشبه البسمة على هذا الذي كان وجهـا ذات يـوم..!

ليننغراد – الأول من نيسان ( ابريل) 1957

إهــــــداء
أمـام هـذه الآلام تنحني الجبـال إجـلالاً
وتتوقـف الأنهـار العظيمــة عن الجريان
غير ان بوابـات السجن ثـابتــة..
وخلفنــا( كهوف النفـي) والوحشة القاتلـة..!

لأجـل إنسان مـا تهـّبُ هذه الـريح النـدية
لأجـل إنسان مـا يتـورد الشـفق..؛
نحـن لا نعـرف شيئا؛ فالأمـر لنا سيَان
نحـن لا نسمـع سوى قلقلة الأقفـال
التي يغُـلق علينا بهـا عنـد النـوم..؛
ووقـع خطـى الجنــود الثقيــلة..!

إستيقظنا فجـرا..
وكأنما علينـا أن نذهـب لصـلاة القـداس..
فأخترقنـا العاصمــة المقفـرة..؛
تقـابلنـا هنـاك كـالمـوتـى..
كانت الشمـسُ منخفضـة،
ونهـر ( النيفا) يبدو ضبابيـا..؛
وفي البعيـد كان الأمـل يغنـي..
وفجـأة..
صـدر الحــكم..؛
فانهمـرتْ الدمـوع من المـآقي..
وكأنما الحيـاة أُقتلعـت من القـلب..
وكأنما أصطـدم المـرءُ بشيء مـا..؛
أمـا هي فتمايلتْ، وحيـدة..

أيـن هــُن الآن اللـواتي أُرغمـتُ على صـداقتهـن..
خـلال أعـوام إعتـقالي؟؟
أية أحـلام تراودهـن الآن في عـواصف سيبيريا؟؟
ما الـذي يتراءى لهــن حينمـا يبـزغ الهــلال؟؟
لـَكُـنَ، إذن ، ياصـديقـاتي، تحيـة الــوداع..!

آذار ( مارس ) 1940

مــــدخـــــــل

كـان هذا حينما ابتسـم الميتُ
مبديا فـرحا هـادئا..؛
حينما قـادته ثـرثرته البريئـة
إلى سـجون مدينته ليننغـراد.
وحينما جـُـن من التـعـذيب..؛
نفي الى المعسـكرات القصيـة،
بينمـا أنشـدتْ القاطـراتُ أغنيـة الوداع صـافرة..!

فـوقنا تعــلو نجــوم المــوت..
بينمــا تـلوّت روسـيا ألمــا
تحـت العـقب الحـديدية الداميــة..!
وتحـت قضبـان عربات ( الزمهرير الأسـود)
التي تقــلُ المعتقــلين..!!

( 1 )

قـادوكَ عنـد الفجــر
فتبعتـك كما يتبـع المــرء جنــازة..؛
بكـى الأطفــالُ في الغـرفة المظـلمــة..
بينمـا إتقــدتْ الشـمـوع في لـوحات القديسين..!
عـلى شـفتيكَ برودة الأيقـونات..
وعـلى جبينـك عـرق المـوت البـارد..
سـأكون، إذا، كإحـدى نساء الرمـاة ( الستريلشكيي)
اللـواتي تصـاعد عويلهـن عنـد جـدار الكـرملـين..!

1936

( 2 )

بهــدوء يجـري الـدونُ الهــاديء..
والقمــرُ الأصفــر يدخــل الى الــدار..
يـدخـلُ القمــرُ بقـبعـةٍ مـائلـة..
ويـرى ظـلامـا..
هــذه إمــرأة وحيــدة..!
الـزوج فـي القبــر، والأبــن في السـجن..
صـلوا، إذاً، مـن أجـــلي.

( 3 )

لا.. هــذه لـسـتُ أنـا، وإنمــا غيـري..
ومـا جــرى يجـب أن يُغطــى بوشــاح أســود..
وأن تُحمــل المصـابيح ليـلاً.

( 4 )

بـودي أن أعـَـرف بـك أيتهــا السـاخرة..؛
يامحبـوبة جميـع الصديقـات..
ياأثيمــة ( تسارسكوي سيلو ) المـرحة..
مـا الـذي يعصـف بحيـاتك..؟

فمثل التي وقفت ثلاثمئة سـاعة مع هـديتك..
ستظلين واقفـة أمـام الصـليب،
لتقهـري بهـا ثـلوج ليـلة رأس السنة..
وكمـا تهـزّ شـجرة الحـور نفسها عند السجن..؛
بلا صـوت..
سـتزهـق كّـم مـن الأرواح هنــاك..!!!

( 5 )

سـبعة عشر شهـراً أصـرخ..
أنـاديكَ كـي ترجـع الى البيـت..
ألقـي بنفسـي أمـام قـدمي الجــلاد..
أنـت ابنــي.. وأنــت رعبــي..!

لقـد ألقــى العـالم بنفسـه في الفـوضى..
إننـي لا أمتـلك الـوضـوح..
مـن تُرى أمسـى وحشـا، ومن ياتُرى بقـي إنسانا..؟؟
وهـل سيكون عـلييّ إنتظــار لحظـة الإعــدام طـويلا..؟
هـل الـورود متـربة فقط..؟
هـل للصـوت فـوح البخــور؛ وهـل لـه من أثـر..؟
إلـى أيـن مـن لا(الى أيـن) !

وفـي أعمـاق عيني مباشـرة
هنـاك قـريبا من النهـاية..
أحمـلُ معـي نجمـة هـائلـة.
( 6 )

بخفــة تطـير الأسـابيع
مـا الـذي جـرى؛ لا أعـرف..
كيـف حـالك يا بُنـي وأنت في السـجن..؟
هـل رأيتـم الليـالي البيضـاء..؟
كيـف هـي الليـالي الجـديدة..؟
إنهــم، بنظــرات ملتهبـة، وغـاضبـة..
يتحـدثون عـن صليبك العــالي..
وعـن مـوتـك !!
1939

( 7 )

قــــرار الـحــكــــــــم

وهـوتْ الكلمــةُُ الحجــرية
عـلى صـدري الـذي لا زال يخفــق..
لا شـيء؛ لقـد كنتُ أخمـن ذلـك..؛
لـذا ســأواجـه الأمــر بشكل مـا..
لــدي اليـوم أعمــال كثيـرة..
يجــب القضــاء عـلى الـذاكــرة..
يجـب أن تـتـحـجّــر الــروح..
يجـب معــاودة الحيــاة ثـانيـة..
لا..
ليس المنـاجاة الصيفيـة الحـارة..
أو الأعيــاد التي تحـت نـافـذتي..
وإنمــا..
يــوم هــاديء.. وبيــت مهــجــور.

صيف 1939

( 8 )
إلــــى .. المــــــــــوت ..!
مـا دمتَ سـتأتي..؛ فلـم ليس الآن..؟
إننـي أنتظــرك.. إننــي متعبــة..؛
لقـد أطفـأت النــور، وفتحــت لك الأبـواب..
أيهــا البسـيط..؛ والســاحر..
إتخــذ، مـن أجـل مجيئـك، شـكلا مـا..
إقتحمنــي مثـل قـذيفــة ســامة..
أو تســلل عـلى القضبــان مثـل قـاتل محتــرف..
أو مثـل إسـطورة تخلقهــا أنــت..،
لكنهـا معـروفـة للجميع لحـد التقيـوء..
كـي أرى أطــراف قبعتــك الـزرقـاء..
وأرى حـارس البيت شـاحبا، ومـرتعبــا..
فكــل شـيء سـواء الآن..
ونجمــة القطــب تتـلألأ..
وعيـون أحبتــي تشـعُ ضـوءاً أزرق..،
بينمـا عـذاباتـي الأخيـرة تـرقّ.

19أغسطس 1939
( 9 )

غطــى الجنـونُ نصـف روحــي بأجنحتــه..
حينمــا كـان يحتســي نبيـذ النـار..
ملقيـا بــي فـي وديــان الظــلام..!

أدركتُ بأن عـليَ
أن أتـرك النصــر لــه..
مصغيــة إلـى أشـيائي..؛
مثـلمـا أصـغي لهـذيانات غـريبــة..؛
فهـو لـن يسمــح لأي كـان، ولأي شــيء..
إنــه سيحملنــي معــه..
( مثلمـا إبتهــلتُ إليـه كثيـرا
من أجل هـذا):
فليسـت عيـون ابني المـرعـوبة..؛
التـي تتقــد ألمــا..
وليس ذاك اليـوم حيث أرعـدت السمـاء..
وليست سـاعـة الـزيارة في السـجن..
ولا الأكــف الـرقيـقة البـاردة..
لا..وليسـت الجفـون التي ترتعـش في الظــلال..
ولا الصـوت الخفيـف.. البعيــد..؛
إنمــا الكلمــات..
وحــدهـا هي العــزاء الأخيـــر.

4 حزيران 1940

( 10 )

الصـــــلــــب

لا تبـكي عـليَ يا أمــــي
أنــا هنــا فــي القبــــر..!

أبـارك جـوقُ المـلائكـة السـاعة العظيمــة..
وفتحــت السـماءُ أبــواب النــار..؛
خـاطب الأبـن أبــاه :
لمـــاذا تـركتنــي..!
ثم التفــت إلـى أمـــه:
آه.. لا تبـكي عــليَ.
و بـكـت المجـدليـةُ، وأرتعشـت..
وتحـجــر أعــز الأتبــاع..
أمــا هنـاك حيثُ وقفـت الأمُ صـامتــة..؛
فـلـم يجــروء أحــد عـلى النظــر..!

1930 – 1943

خـــاتــمــــــــة
( 1 )

رأيـتُ كيـف تتهــدم الـوجــوه..،
وكيـف يطـلُ الخـوف من تحـت الجفـون..
وكيـف أن بضعــة خطــوط مسمارية على الورق..؛
تحفــر الآلآم عـلى الخــدود..!
كيـف أن خصـلات الشعـر
تسطـع، فجـأة، كالفضـة
بعـد أن كانت رمـادية وسـوداء..!
كيـف أن البسمــات تـذبـلُ
عـلى الشفـاه المستكينـة..؛
وكيـف يرتجـف الـرعبُ نفسـه
في الضحكــات الجـافـة..؟

بينمـا أصـلي أنـا؛ لا لنفسـي فحسـب
وإنمـا للجميــع..
ولكــل مـن وقـف معــي هنــا..؛
فـي البـرد القـارس، وفـي لهيــب تمــوز
عنـد الجــدران الصفيحيــة الحمــر.

( 2 )

وثـانيـة تقتربُ سـاعةُ التذكــر..؛
إننـي أبصـرُ، أصغــي، وأحس بكــن:
أنـتِ يا مَـن قـادوكِ نحـو النـافـذة دفعــا
وأنـتِ يا مَـن لن تطـأ قدمـاكِ الأرضَ ثانيـة..
ثم أنـتِ يا ذاتَ الـرأس الجميل والمرتعـش..
ويا من قـلتِ: إنني هنا كما في بيتــي..؛

أودُ أن أسمّي الجميـع..
غير انهـم خطفـوا قـائمة أسمائهـن..فعـذرا..!
نسجتُ لهـن وشـاحا عـريضـا..
من كلمــاتهـن الشاحبة والبائسـة..،
أتذكـرهن دائمـا، وأبدا..
وحتى في فجـائعي المقبـلة سـوف أتـذكرهـن..
لـن أنساهن حتى ولو أغلقـوا فمـي المــرير..
هذا الـذي يصـرخ بالمـلايين من الشعب..
وهـن فليتدكرنني أيضـا..
وليكـن في مساء يـوم دفنــي..
وإذا مـا أرادوا ذات يـوم
أن ينصبوا لـي تمثـالا..
أمنـح موافقـي..ولكـن
لا تنصبوه قـرب البحـر حيثُ ولـدتُ..
فلقـد قصمـتُ مع البحـر مواثيقي..
وليس في الحديقـة القيصيرية حيثُ ردم المستنقع..
فثمـة ظـلال تبحث عني هناك بلا هـوادة..
وإنمـا هنـا.. حيثُ أبقـوني واقفة ثلاثمئة سـاعة
حيثُ لـم يُفتـح لـي أي بـاب..
حيثُ كنتُ أرتعـدُ خـوفـا..؛ ووددتُ المـوت
ووددتُ نسيان قاطـرات ( الزمهرير الأسود)
نسيان قـرع البـاب الكـريه..
وعـويل تـلك العجـوز التي بـدت كحيـوان جـريح..

فـدع الثـلج يتساقط كما الـدمـوع
مـن تـلك المـآقـي الحجـرية الجـامدة..
ولتنـُح حمـامة السـجن بعيـدا..بعيـدا
ولتبحــر السـفن في نهـر ( النيفـا ) بهـدوء

آذار ( مترس ) 1940

* النيفـا: نهر شهير يمر بمدينة بيتربورغ
*الزمهرير الأسود: ( تشورني ماروز) اسم القاطرات التي كانت تنقل
المعتقلين إلى أعماق سيبيريا
*السترليتس: هم الجنود الرماة الروس في القرون القديمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق