شؤون ثقافية

ذكريات مخرب!..

ذكريات مخرب!..

عباس عباس
في صيف قرية نصران والتراب ينبعث من تحت أقدام الأطفال الحفاة حيث كنا نلعب الغميضة، كان أخي الصغير محمود ملتهياً ببناء بيت من الحجارة في منتصف الزقاق الذي كان بمثابة الطريق الرئيس لأهل تلك القرية!..
وتشاء حماقة الطفولة، والتي كنت والحمد لله أتمتع بها وماتزال البعض منها، أني كلما مررت بذاك الزقاق ملاحقاً أو لاحقاً وقفت عند بناء أخي والذي كان يصغرني بأربعة سنوات لأدمره بقدمي، أي دمرت له حلمه العاجي !..
يركض خلفي، يسبسب وهو الذي إشتهر بسرعة الغضب وغزارة المسبات بدون أن يلحق بي، فيعود ويكرر عملية البناء، وأنا أكرر المحاولة بين ضحكتي وغضب أخي، حتى كانت تلك المحاولة التي تعلمت منها آلا أعود لفعل التدمير قط !..
في المرة الثالثة أو الرابعة وأنا أركض في الزقاق وخلفي طفل يلاحقني، بدون أن أنسى حجارة أخي!..إقتربت منها ولكنها لم تكن كما كانت فوق بعضها، بل هي مبعثرة هنا وهناك، مع ذلك حاولت أن أضربها بقدمي، إلا أن أخي سبقني من الخلف حيث كان قد أخفى نفسه في زاوية، برمية من إحدى حجارته، لتصفر وتبيض الدنيا من حولي مغمياً، ولا أعلم من بعدها ماذا حصل لي وله!..
دقائق كنت قد رجعت للوعي، أخي الكبير فوق رأسي يبتسم وأمي تهزني بعنف، والغريب أني شاهدت أخي محمود من بعيد وهو يراقب نتيجة فعلته، بل نتيجة الدفاع عن حلمه !..
خرجت من حضن الوالدة لألتحق بزملائي، وطبعاً لم يكن قط محاسبة أخي بالبال، لأن ذلك لم يكن مسموحاً به في عائلة محمد عباس، إنما الوالدة فقط هي من تحاسب الغلط ، لذلك هي التي توَعدت محمود وأظنه شكل الفرار لفترة ساعات، ليعود بعدها وكأن شئ لم يكن !..
إخوتي أيها الأحبة، كم منا يحتاجون لحجرات كتلك التي رماني بها أخي محمود، حتى نعود لوعينا ونبتعد عن دمار ما يبنيه أخوتنا؟..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق