شؤون ثقافية

القَبـْـرُ (قصة قصيرة)

القَبـْـرُ
(قصة قصيرة)

أحمد‏ بنميمون

إنه هو ولا ريْب، فلم أقدرْـ في أية مَرَّة ٍ فاجأني فيها ، على حين غرة كما كان يفضل دائما ـ أن أجابهه، بل كنت أنهارُ متراجعاً كعادتي إزاءه، في هلعٍ ، كأنني أفر من مواجهة دائنٍ ، استوفى ديْنُه أجَلَهُ،وليس عليَّ إلا أن أؤدِّي ما بذمتي له، أوأن أقبل بأي عقاب يفرضه.
.
حين كنت صغيراً أتذكر أنه جاءني ، وكان أيضاً صغيراً شديد الطيش، وحين حاولتُ مصاحبته في خرجة صباحية، فرّ مني نافراً كأنه يريد صحبة من لا نراهم ، فانزعجتُ لإحساسي بتقصيري، فقد كنتُ أحسبني مسؤولاً عن سلامته ، فآثرْتُ بدوري الفرارَ طلباً للإفلات من أية مساءلة، لكنهم في البيت كانوا يعرفون أنني في حكم القاصر الذي لا تنبغي مساءلته ، فعذروني بالطبع، وخرجوا للبحث عني وعنه، وحين عادوا به أحس بعضهم بارتياح من استعاد ثروةً أو حقّاً واجباً، لكنهم حينما افتقدوني لم يجدوني.
..
وحين مررتُ، مع منتصف ذلك النهار، بنَهَرِ ، غير بعيد عن نبع منه ينبجسُ ماؤه العذب الشديد الصفاء والنقاء في قوة اندفاع ، تملأ النفس ثقة في الحياة، لذلك اعتبره الذين اختاروا الإقامة بجواره العنصر الأساس في معيشتهم ، لذلك كانت تسميتهم سموا النبع بالعنصر، كان القيظ مصلتاً سياطه هلى الظهور، نظرت إلى الماء وهو يهدر في منحدر الوادي بين ضخام الصخور، التي توزعت في غير نظام، فخيل لي أنني أرى امرأة رائعة الحسن، فاطمأنتْ نفسي، لكنني كنت كلما أطلت النظر،إلى الوادي الغزير، أتعرف على المرأة بين نساء كن بمجرى نبع قريب من رأس الماء ينظفن ملابسهن وأفرشتهن وهن يتضاحكن ، وينشدن بعض أغانيهن بأصوات كنت أحسها شديدة العذوبة، فتبينت من بينهن واحدة من نسوة عائلتي، كانت كلما أطلت الوقوف ، لا أراها ترنو إلى غير الماء بين يديها، وحتى حين كلمتني لم أرَ عينيها وهي تقول لي :
ـ لقد وجدوا رفيقك الذي فرّ من صحبتك ، وأعادوه، فارجع أنت، فإنهم قلقون فل أخد منهم يعرف مكانك ، ولا ماذا كان اتجاه فرارك.
وجدتني أقول مجيباً:
ـ إنه ليس رفيقي، و أنا لا أريد أن أعود مادام له وجودٌ في البيت .
لكنني ما أن التفت إلى حيث كانت تلك المرأة التي كنت أحبها بين كبار نسوة أسرتي، حتى انبهرت ، إذ لم أجد نهراً ولا أيَّ شخصٍ، إلا ما كان من اشتداد قيظ ظهيرة ، رغم جريان الماء الزلال تحت قدميَّ ،كانت يضغط بظمإ زائدٍ على حلقي الذي جفَّ ، أمام أكثر من هول كان يطبق عليّ ، إذ لا يزال مشهد ذلك الأقرن الشديد سواد العين ، يطاردني ، حتى وأنا على بعد أيام قليلة من العيد، الذي لا شيء كان في طفولتي، أحب إليّ فيه من الوقوف على مشهد الذبح، في موقف جماعيّ، ثم الذهاب جرياً إلى البيت لحضور مراسم ذبح ،وتتبع مراحل سلخ الجلد ، وإعداد أطعمة صباح ذلك اليوم المشهود، حتى تطمئن النفس من أن من كان يرهبها قد صار إلى عدم جزئي وهو لا ينتظر إلا أيام قليلة يأتي فيها كل فرد من الأسرة على نصيبه منه، ليكون قد انتهى. ولم أكن من أولئك الذين كانوا يبكون لمشهد الذبح، أ, السلخ ، أو إعمال المدية في اللحم، بل كان ذلك يريحني إحساسي بالانتهاء من كانت عيناه تلحان عليَّ بسؤالها:
ـ متى تصاحبني ؟ أَ وَ لمْ يَحِنْ أوانُك بعد؟

ويمر العيد، ولكن بعد أيام قليلة يعود الأقرنُ أسودُ العينين، إلى مطاردتي حتى دون أن أراه ، بقرنيه الكبيرين اللين يستطيع رفعي بهما واختراق اي ناحية من جسدي الواهن العظم، القليل الحيلة ، الشحيح اللحم، أحِسُّه بكامل قدراتي على الإدراك، يسيرُ في إثري ، ، فإذا واجهني ، تضيق الأرضُ بي، ولا يبقى أمامي من سبيلٍ مفتوحة إلا إليه،حتى وأن كنت أرغب في الطيران إلى أقصى الجهات، فقد كنت أراه وهو يفتح لي ما يشبه السَّرير الذي يصبح شيئاً آخر حين أتوارى تحت ثراه ، راقدأ في سكون تامّ، وقد أرغمني على إغماض عينيّ، بعد فقداني كلَّ قدراتي على الحركة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
07/05/2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق