قيرغيزيا وطاجيكستان نحو تركيا وإيران… الطورانيّة تهدّد الأوراسية!

Felek25 يوليو 2022آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
Felek
جولة الصحافة
قيرغيزيا وطاجيكستان نحو تركيا وإيران… الطورانيّة تهدّد الأوراسية!

يبدو أن هناك تحولاً كبيراً في العلاقات بين إيران وطاجيكستان، بعد تاريخ طويل من الخلافات السياسية والاقتصادية؛ فقد مثلت زيارة الرئيس الطاجيكستاني، إمام علي رحمن طهران، يوم 29 أيار (مايو) الماضي، نقطة تحول في العلاقات بين البلدين.

وقبلها دشّنت طهران مصنعاً لإنتاج الطائرات المُسيّرة من طراز “أبابيل2” بالكامل في طاجيكستان؛ بما يؤشر إلى تحول فعلي في نظرة طاجيكستان تجاه إيران، التي كانت تقلق من النفوذ الإيراني داخل أراضيها، وتتهم طهران بالقيام بأنشطة تخريبية لمصلحة قوى موالية لها داخل طاجيكستان!

والسؤال: ما سر هذه التحول من جانب طاجيكستان، التي لطالما كانت تقلق من الوصاية الإيرانية؟

والإجابة تكمن في تركيا التي تسعى إلى جني إرث المرحلة السوفياتية، ولملمة شظايا القوميات التركية، تحت مظلة الأمة الطورانية.

تركيا الأخ الأكبر!

تستغل تركيا القوميات التركية والإرث التاريخي، كأداة استقطاب لمصلحة قوتها الناعمة في منطقة آسيا الوسطى، التي يُطلق عليها “الوطن الأم” بالنسبة إلى العرق التركي (الطوراني).

وتسعى تركيا إلى أن تفرض نفسها بصورة “الأخ الأكبر” في المنطقة الطورانية، على أساس، قاعدتين:

إن شعوب منطقة آسيا الوسطى ودولها تتناحر فيما بينها على أساس العصبية القومية التي تشكلت بعد مرحلة تفكك الاتحاد السوفياتي 1991، واستقلال جمهورياته وفق الحدود السياسية. إذ هناك عصبيات بين أقوام القيرغيز والكازاخ والتركمان والأوزبك. وكلها قوميات أساساً من أصل واحد وهو العرق الطوراني. ولذلك، سعت تركيا إلى توحيد هذه العرقيات تحت المظلة الطورانية.

إن هذه الشعوب تحتاج إلى النموذج الذي تتبعه؛ ولذلك عملت تركيا على إظهار نفسها بصورة “الأخ الأكبر” المسؤول عن توحيد هذه الشعوب وتوجيهها وحمايتها، مع الاستفادة من تجربتها التي جمعت بين العلمانية والليبرالية والإسلام، بخاصة أن هذه الشعوب عانت ويلات الشيوعية، وتتوق إلى نموذج يتجاوز هذه المرحلة. وهذا يضمن لتركيا تحقيق قيادة قومية ونفوذ خارجي، بداية من حدود أوروبا وصولاً إلى تخوم الصين، بخاصة كذلك أن هذه المنطقة هي جزء من التحولات التي يشهدها العالم في موازين القوى؛ فهي تتاخم الصين وروسيا، وتمثل طريقاً برياً مهماً للربط بين آسيا وأوروبا.

وقد اتخذت أنقرة خطوات عملية نحو ذلك؛ بدعمها منظمة الدول الطورانية التي تأسست في 2009 وتضم تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان، إلى جانب المجر وتركمانستان بصفة مراقبين، فضلاً عن جهود تركيا لاعتماد دول طورانية كبرى مثل كازاخستان وأوزبكستان، استخدام الخط اللاتيني في الكتابة على غرار تركيا، وذلك للتخلص في مرحلة لاحقة من الخط السيريليكي المأخوذ من اللغة الروسية في فترة التبعية للاتحاد السوفياتي. وهذا الأمر يعزز من تبعية الدول الطورانية للدولة التركية في آسيا الصغرى والابتعاد عن روسيا تدريجياً.

إلى جانب نشاط المؤسسات الثقافية والدينية التركية داخل بلدان دول آسيا الوسطى، ودورها في عملية الاستقطاب نحو أنقرة؛ من خلال التحرك على أساس مقومات الدين الإسلامي والثقافة واللغة التركية.

حوادث كازاخستان

كانت حوادث الشغب ومحاولات إطاحة السلطة في كازاخستان، في كانون الثاني (يناير) 2022، مؤشراً إلى فاعلية الدور التركي في آسيا الوسطى، ومخطط أنقرة لاحتلال مكانة روسيا لدى دول هذه المنطقة. فقد طلب الرئيس الكازاخستاني، قاسم جومارت توكاييف، المساعدة من منظومة الأمن الجماعي، وليس من تركيا. ما دل إلى وجود اتهام غير مُعلن لتركيا بالوقوف وراء هذه الاضطرابات.

ويبدو أن تركيا ترسم لنفسها مكانة في خريطة هذه المنطقة التي هب جزء من كيان أوراسيا الاقتصادي القادم؛ وذلك بملء الفراغ بعد التخلص من روسيا والتبعية الثقافية لها بفعل الحقبة السوفياتية. وهذا يساعد تركيا على التمدد جغرافياً في منطقة موازية للأراضي الروسية.

وإحياء الروح القومية الطورانية؛ يعني أن شعوب هذه المنطقة، سترفض أي تحالفات قد تهدد استقلاليتهم، بعد تجربة الحكم السوفياتي. وهذا يعني فشل جهود روسيا لإحياء الاتحاد السوفياتي تحت مظلة “الاتحاد الروسي”.

وبذلك تكون تركيا، تلعب دوراً مشتركاً لمصلحة تمدد نفوذها وقيادتها الإقليمية، وكذلك لحماية المصالح الغربية.

لكن، مع ذلك، لا يخلو الأمر من المخاطرة؛ بخاصة أن الاتحاد السوفياتي حرص على بناء جمهوريات آسيا الوسطى بناءً معقد التركيب، سواء من الأمم الطورانية المختلفة، أم من الطورانية إلى جانب الآرية. فضلاً عن ترسيم الحدود الوطنية بما يوجِد جيوباً متداخلة بين أراضي أي دولتين متجاورتين؛ التي ستكون مناطق للنزاع مستقبلاً.
وهذا يعني أن بناء أمة طورانية، يعني تكرار نموذج مأساة الأكراد في دائرة الدولة التركية، حيث هناك دول وقوميات آرية داخل منطقة آسيا الوسطى، ستشعر بالتهديد القومي لكيانها ووجودها، وهو ما ينذر بالحروب الأهلية.

قلق طاجيكستان

طاجيكستان واحدة من الأمم الآرية التي بدأت تشعر بالقلق الوجودي من التمدد التركي في جارتها الشمالية قيرغيزيا، بخاصة أن هناك نزاعاً حدودياً مستمراً بين الدول الثلاث، طاجيكستان وقيرغيزيا وأوزبكستان حول وادي فرغانة الخصب، ودائماً ما تقع الاشتباكات الحدودية بين الدول الثلاث بسبب بحث الرعاة والمزارعين عن مصادر المياه. لكن الأمر يحمل في طياته صراعاً قومياً. إذ يسعى الرئيس القيرغيزي، سادير جباروف، إلى الاستفادة من القومية الطورانية في توحيد أعراق بلاده المختلفة، وهو ما أكده في ذكرى الاشتباكات العرقية في جنوب قيرغيزيا، بين عرق القيرغيز وعرق الأوزبك، المعروفة بحوادث حزيران (يونيو) 2010؛ عندما وقعت أعمال العنف بين عرقيتين من أصل واحد.

وهذا التنامي للروح الطورانية في قرغيزيا؛ دفع طاجيكستان إلى الاقتراب أكثر من إيران التي تشاركها في العرق واللغة والثقافة والدين، بخاصة أنها دولة حبيسة في محيط طوراني، حيث تحدها أوزبكستان شمالاً وغرباً، وقيرغيزيا شمالاً، والصين. وتتصل مع أمتها الآرية من خلال أفغانستان جنوباً وصولاً إلى إيران.

ويبدو أن الدعم الذي تلقّته طاجيكستان من إيران؛ لمواجهة التطرف والإرهاب القادمين من أفغانستان؛ يأتي في إطار دور “الأخ الأكبر”؛ بخاصة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لديها أيضاً طموحات توسعية في منطقة آسيا الوسطى، تتعلق بالتحولات السياسية والاقتصادية.

توازن عسكري

تجددت الاشتباكات الحدودية بين قرغيزيا وطاجيكستان، في حزيران 2022. ويأتي هذا في ظل تطوير قيرغيزيا علاقاتها العسكرية مع العالم الخارجي. فقد حصلت على الطائرة من دون طيار التركية “بيرقدار”، وجربتها في مناورة تكتيكية عسكرية في شباط (فبراير) 2022. وهو ما يعيد للأذهان الحديث عن دور تركيا في دعم حلفائها بالطائرات المسيرة على غرار دعمها لأذربيجان وأوكرانيا. كذلك، شاركت قوات قيرغيزية في مناورة عسكرية ضخمة في تركيا، تعرف باسم “اوفس-2022″، يونيو 2022.

كما أن قيرغيزيا وسعت من علاقاتها العسكرية مع جارتها أوزبكستان التي تنتمي إلى عالمها الطوراني، في إطار تعزيز قدراتها الدفاعية والحصول على المعدات والمساعدات العسكرية منها، وقد وافق الرئيس الأوزبكستاني على تفعيل اتفاقية التعاون هذه في حزيران 2022.

وهذا التنامي العسكري للجارة الشمالية دفع طاجيكستان لتطوير علاقاتها مع إيران، التي تمثلت في زيارة رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء محمد باقري، في 16 أيار 2022، على رأس وفد عسكري رفيع، بهدف تعزيز التعاون العسكري والدفاعي المشترك وتطويره بين البلدين.

توازن اقتصادي

أيضاً، تعززت العلاقات التجارية بين طاجيكستان وإيران، فقد وقّع البلدان على 17 وثيقة تعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية، خلال زيارة الرئيس الطاجيكي طهران في 30 أيار 2022.

ويأتي هذا الانفتاح على إيران التي تمثل مرفأً مهماً لدول آسيا الوسطى على مياه الخليج والمحيط الهندي، في ظل التحركات القيرغيزية في الخروج من عزلتها ولعب دور في حركة التجارة والترانزيت بين دول جنوب آسيا وشرق آسيا وآسيا الوسطى. حيث تمثل قيرغيزيا بوابة مهمة للصين للوصول إلى أوزبكستان التي تمثل واحدة من أهم أسواق التجارة والاستثمار للصينيين في آسيا الوسطى.

كما أن خط سكك حديد “الصين – قيرغيزيا – أوزبكستان”، سيجعل من قيرغيزيا دولة رئيسة في حركة التجارة الصينية. فضلاً عن طموحات بيشكك في لعب دور دور محوري في منظمة “شنغهاي” التي تمثل أحد أعضائها. ولذلك، تُسارع قيرغيزيا في فتح علاقات التجارة والاستثمار مع دول غرب آسيا، في الخليج وباكستان؛ من أجل دعم موقعها التجاري والاقتصادي.

المحصّلة

إن تركيا تخطط لمنافسة الاتحاد الروسي، من خلال نشر الروح الطورانية بين الشعوب التركية في آسيا الوسطى؛ لتضمن لهذه الشعوب التوحيد تحت مظلة قومية موحدة، وتضمن لنفسها ممارسة دور الأخ الأكبر على هذه الشعوب.

يدفع تنامي الصعود القومي الطوراني، الشعوب الأخرى، مثل الطاجيك الآريين إلى الاقتراب من إيران أكثر؛ خشية منهم على وجودهم القومي، بخاصة أن لديهم خلافات حدودية واسعة مع جارتهم الشمالية قيرغيزيا، التي تتقارب كثيراً مع تركيا.

إن مستقبل الحركة الأوراسية، بصفتها حركة سياسية واقتصادية من أجل تشكيل كيان كبير، ومنطقة آسيا الوسطى جزء منها؛ يبدو أنه يواجه تحديات في ظل مخاطر التنافس القومي واحتمالات الحرب الأهلية في تلك المنطقة.

المصدر: صحيفة النهار اللبنانية

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق