جي دي موباسان : دخلت الى الأدب كالشهاب ، واغادره كالصاعقة

adnan18 يوليو 2022آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
adnan
شؤون ثقافية
جي دي موباسان : دخلت الى الأدب كالشهاب ، واغادره كالصاعقة

جي دي موباسان : دخلت الى الأدب كالشهاب ، واغادره كالصاعقة
جودت هوشيار
قبل أن ينشر جي دي موباسان قصته الرائعة ” كرة الشحم ” ، كان الأدباء يعتبرون القصة القصية عملا ادبيا أدنى بكثير من الرواية الطويلة . وجاء هذا الكاتب العبقري ، ليثبت أن قصة قصيرة رائعة واحدة ، يمكن ان تكون أفضل بكثير من مائة رواية عادية . قال غوستاف فلوبير عن ” كرة الشحم ” أنها تحفة فنية رائعة . وقد رحب بها النقًّاد والقرّاء على حد سواء .
لم يكن بوسع موباسان أن يكون كاتباً متفرداً ، لولا اسلوبه الساحر والبناء الفني المحكم لأعماله. فقد كان يكتب بمهارة فنية عالية عن الكهنة والمثقفين وعن النساء السمراوات ، والمشبوهات ، والساقطات .
اعماله مجسدة ومرئية ومميزة على نحو مدهش ، ومن السهل تحويلها الى افلام سينمائية ، ولكن السينما – حتى الصامتة منها – لم تكن قد اخترعت بعد.
استرعت مجاميعه القصصية ورواياته ، التي صدرت الواحدة منها تلو الأخرى انتباه الأوساط الأدبية الفرنسية والأوروبية ، وشهدت اقبالاً عظيماً من الجمهور القاريء في داخل فرنسا وخارجها .
كان الأدب بالنسبة اليه مثل الهواء الذي يتنفسه ، وشطب من حياته كل ما ليس له علاقة بالأدب . وادهش الجميع بغزارة انتاجه الادبي ، حيث كتب ست روايات ، وسبع عشرة مجموعة قصصية وعدة كتب عن الرحلات خلال عقد واحد ونيف ( 1880- 1891 ) ، والتي صدرت في ( 29 ) مجلداً .
ومع المجد الادبي ، جاء المال الوفير . وحاول أن يبيع نتاجاته بأعلى سعر ممكن ، فقد كان يعيل والدته وشقيقه المريض . وقال موباسان لصديقه جوزيه ماريا هيريديا: ” دخلت الى الأدب كالشهاب ، واغادره كالصاعقة . .
نالت مؤلفات موباسان اعجاب كبار الأدباء الفرنسيين والأجانب وفي مقدمهم ليف تولستوي ، الذي كتب عن حياة وادب موباسان دراسة مسهبة وعميقة . وقد قمنا بترجمة دراسة تولستوي وكتابة مقدمة طويلة حولها وعن العلاقات الثقافية الوثيقة بين فرنسا وروسيا في العهد القيصري ، والتي نشرت في كتاب صدر عن دار الزمان في دمشق عام 2019.
كان ايفان تورغينيف يقيم في باريس بشكل شبه دائم .ويلتقي غالبا صديقه المقرب غوستاف فلوبير. وكان الكاتب الشاب موباسان يتردد على مجلس فلوبير الادبي ،حيث تربطه به صلة قرابة . وفي هذا المجلس تعرف موباسان على تورغينيف . واخذ الكاتبان العظيمان فلوبير وتورغينيف يقدمان نصائح ادبية ثمينة الى الكاتب الشاب . ولهذا ليس من الغريب ان موباسان أهدى روايته الأولى ” الحياة ” الى استاذه تورغينيف ، عرفانا بجميله. وقد عدًّ تولستوي هذه الرواية من اجمل وافضل روايات موباسان . وقد ترجمت الرواية الى العربية وصدرت عن دار ” الهلال ” تحت عنوان ” قلب محطم ” . ولا ادري لماذا اقدمت دار الهلال على تغيير العنوان ، في حين ان الرواية ترجمت الى اهم اللغات العالمية تحت العنوان الاصلي ” الحياة ” .
اما انطون تشيخوف ، فقد قال ذات مرة لايفان بونين :” انتم الشباب ، كتّاب القصة القصيرة ، لا تلاقون صعوبة في نشرها ، أما أنا فقد عانيت اشد المعاناة قبل ان يعترف النقّاد الروس بأن ما اكتبه أدب حقيقي . ويرجع بعض الفضل في هذا الى موباسان ،الذي انتزع الاعتراف بهذا الحنس الادبي “.
,
قصص وروايات موباسان وثيقة الصلة بالحياة الاجتماعية اليومية ، وبحياة الكاتب نفسه , وكلما تغلغل في الأوساط الباريسية المخملية ، ازداد تشاؤمه من غباء الناس وآثامهم ونفاقهم ، ومن رجال الدين ، ولا سيما المتاجرين منهم بالطوباويات في سبيل مآرب خسيسة في غالب الأحيان .
خبر موباسان الطبيعة البشرية ، ومع ذلك لم يفقد الثقة بالانسان .عاش قصص حب مثيرة وكتب عنها ، ولكنه اصيب بخيبة أمل وكآبة ، وبات غاضباً بسبب سيادة الباطل والقسوة في المجتمع . كان الشر الكامن في نفوس البشر ، اكثر مما يتحمله هذا الأنسان الرائع يحساسيته الروحية المفرطة ، ما أدى به الى الجنون في نهاية المطاف ، وتوفي في احدى المصحات العقلية عام 1893عن عمر يناهز الاربعين عاما ونيف .

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق