أوكرانيا دروس وعِبر (3)

samea6 أبريل 2022آخر تحديث : منذ 4 أشهر
samea
راي اخر
أوكرانيا دروس وعِبر (3)

 

بقلم : مصطفى بالي

لعل إحدى أهم العِبر التي طافت على السطح في هذه الحرب، هي ثنائية الحرب/ المقاومة الشعبية، وهل الحرب مهمة العسكريين فقط أم أنها تتحول إلى واجب وطني واجتماعي يشارك فيه الجميع، واستطراداً هل الحماية الخارجية هي التي تحمي الشعوب، أم أن دفاعها الذاتي عن نفسها هو الذي يحميها؟ وعليه فلمن فضّل كسب الحرب، للداخل المنظم المتفاعل المقاوم أم للخارج الداعم؟

من حيث المبدأ والبداهة، لا أحد مستعد أن يحارب بالنيابة عنك إن لم تحارب أنت للدفاع عن نفسك، وكل جيوش العالم غير قادرة على حمايتك إن لم تقرر أنت نفسك أن تحمي ذاتك وتستخدم آليات الدفاع الذاتي لديك، سواء كنت فرداً أو مجتمعاً، فالحماية الذاتية هي التي تجلب أو تستوجب الدعم والحماية الخارجية (هذا من حيث المبدأ).

لا يختلف عاقلان، بأنه كل أدوية وعقاقير العالم لا تفيد شخصاً مريضاً إن لم يكن الجهاز المناعي لدى المريض فعالاً في مقاومة الأجسام الغريبة عن الجسم، إنها قضية في غاية البساطة، عندما تغزو الفيروسات جسدك، يجب أن يتصدى جهازك المناعي لمقارعتها، وبعد ذلك يأتي دور الأدوية والعقاقير لإسناد الجهاز المناعي ودعمه للقضاء على الغزاة/ الفيروسات

في أوكرانيا وعندما استُبيحت الديار خرجت عن كونها حرباً، وتحوّلت إلى قضية دفاع عن الوطن ومقاومة للغزو، هذا أيضاً بداهة، ووقف العالم أو النظام العالمي متفرجاً، فلا أحد مستعد أن يحارب بالنيابة عنك كما أسلفنا، لكن عندما تتحول الأعمال القتالية من كونها مجرد حرب بين قوتين عسكريتين إلى كونها مقاومة شعب ضد جيش غازٍ، لا يعود الأمر حكراً على العسكر أو مناطاً بهم الأمر فقط، وكأن البقية مجرد مقيمين لا مسؤوليات لهم، بل على العكس تتحول المقاومة إلى قضية وجودية تدخل في صميم مهمات و مسؤوليات كل الشرائح والمؤسسات المجتمعية، سواء كانت مؤسسات مدنية أو سياسية أو ثقافية أو أو..

في هذه المقاومة الأوكرانية، انخرط الشعب الأوكراني بكل شرائحه في صفوفها، وكأني أراهم يلبون نداء وحدات حماية الشعب (YPG) بأن يقوم الكل بالانخراط في صفوف المقاومة من الطفل ذي السبع سنوات حتى الشيخ السبعيني عندما كانت تتعرض قرانا و مدننا للغزو الهمجي، مع فارق بسيط، هو أن المعارضة الأوكرانية لبت النداء وتركت كل خلافاتها جانباً وحملت السلاح والتحقت بالجبهات على عكس (جحوشنا) الذين تحولوا إلى أدلاء أو شهود زور للغزاة (وفي جعبتنا الكثير مما يقال في هذا الشأن).

هناك حوّل رجال الأعمال مصانعهم إلى معامل للذخيرة العسكرية، ووضعوا كل ممتلكاتهم في خدمة المجهود الحربي، ولم يجلسوا متفرجين مفاضلين بين مصير الشعب والوطن وبين أموالهم التي قد يخسرونها في هذه الحرب، وهناك افترش الناس بأطفالهم ونسائهم و شيوخهم أرصفة مدنهم ومحطات قطاراتهم ولم يفضلوا أرصفة النزوح والهجرة المُذلة، ذلك أنهم كان لديهم أحزاب تشجعهم على البقاء ولا تشجعهم على خوض البحار والغابات للهروب، وكذلك لم يبرر لهم أحد ذلك، بل الجميع دعا بعضه البعض للمقاومة والتشبث بقضية الدفاع.

هناك فتحت الحكومة ومعها كل الأوكرانيين باب التطوع لمختلف المتطوعين من أصقاع الأرض لمساعدتهم في التصدي لهذا الغزو، بينما لدينا تحوّلت الجحوش إلى شهود إثبات لدى الغزو التركي ليدلوا على شباب أكراد جاؤوا من أجزاء كردستان الأربعة ليساعدونا في الدفاع عن شعبنا.
في أوكرانيا، وصل الأمر لأن تقتل الحكومة أحد أعضاء وفدها الدبلوماسي كونه كان موالياً لروسيا في قراءته السياسية، وساند كل الأوكرانيين موالاة ومعارضة قرار الإعدام ولم يفكر أحداً بتحويل هذا الحدث إلى كونه قضية رأي أو جريمة سياسية، بل بارك الجميع قرار الإعدام على مبدأ أن عقوبة الخيانة هي الموت، بينما لدينا يتحوّل المعتقل حتى على خلفية تجارة المخدرات إلى ناشط سياسي على منصات (حركة الجحوش) الإعلامية.

كما ترون دائماً الفارق بسيط، هو أنه لم تتحول الخيانة إلى وجهة نظر في أوكرانيا، بينما هي كذلك لدينا، بينما القضية الأبسط والبديهية الأجلى، هي أنه عندما تقرر أن تحمي ذاتك، كل جيوش العالم لا تستطيع إلحاق الهزيمة بك، وستنتصر وإن طال الزمان.

المصدر : صحيفة روناهي

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق