أخبار عاجلة
الرئيسية / شؤون ثقافية / المبتاعة قصة قصيرة ( هي كعفرين )

المبتاعة قصة قصيرة ( هي كعفرين )

المبتاعة
قصة قصيرة ( هي كعفرين )
عباس عباس

ليس في القرية ما يميزها عن باقي القرى الموزعة عفوياً في تلك البقعة من جنوب كردستان، لا في مساحتها ولابعدد القاطنين من الكرد فيها، بيوت من الطين المثخن بالتبن الناعم للتماسك!…وهي متراصة بعضها الى البعض، تفتقر الى الأتزان والتخطيط ، وكأنهم يعيشون على جزيرة ضاقت بهم الأرض، وهذا الموروث وسيلة للدفاع ضد أي طارئ عدواني!….الأزقة ضيقة الى حد تلازم الأكتاف بين المغادر والقادم، والأسقف تكاد تلامس رؤس أصحابها!….وهي ليست موحدة بلون التراب المائل للأحمرار فقط، والداعي للحزن والتشاؤم في قر الصيف، انما ايضاً بالتصميم المعمم في بناء البيوت والأسوارالمنخفضة، والتي لاتتجاوز خاصرة رجلٍ معتدل القامة!….فقط في اشهرالربيع تنعم برائحة العبق العشبي الموزع على ضفتي النهر المار من شرقها لتبدل ثوب الحزن الطبيعي برداء الخضرة والوانها الزهري الجميل!….فتبعث في الروح نسمة الحياة، وفي الجسد نشاطٌ لاحدود له، وفي الشباب المقبل على الحياة الأمل بلقاء رومانسي تبعث في أحلامهم الروح والسكينة!…
في الجانب القصي من القرية وعلى ضفة النهر، انفردت عائلة عمر المهاجر ببناء بيت لايميزه عن بقية البيوت في القرية الا مكانه المرتفع فوق التلة، حيث بهذا الإرتفاع يتوازن مع دار المختار المبني في الطرف الأخر من القرية!….التوازن بينهم كان بارتفاع السقف فقط ، أما ما تبقى من سبل الحياة كالسكن والملبس والمأكل، فالفرق كان شاسعاً الى درجة مخيفة!….الفقر والغنى، السُلطة والدونية، الأقرباء ورجال العشيرة ذوي البأس الشديد، والمهاجر الضائع الذي لايعرف حتى لوالده إسم، ويكفي أن نترجم كنيته حتى نحكم على عمق الضياع، عمر المهاجر!….
في ما مضى، كثيراً ما ردد عمر في حديثه عن قساوة الحياة، وهو طفل شُرد بعد أن قُتل والديه بسنابك خيل الترك وبنادقهم في ديرسم، لاستدرار العطف من ذوي الباع في هذه القرية التي إلتجئ اليها منذ أكثر من ربع قرن !….أما الأن وبعد أن ناله كما جيرانه في القرية، من وعيٍ بأسباب تلك الجريمة، بدأ يشحذ الهمم بين الشباب المقبل على الحرية والإنتقام!….وللإنصاف في حق عمر المهاجر، هو أنه لم يكن يتردد لحظة واحدة في تكرار قصصه المروعة في كل تجمع وفي كل مناسبة أمام الخلق للتشهير بالمجرمين والدعوة للانتقام!….حتى أن صيته في القرية والقرى المجاورة أصبح يلازم كلمة الأنتقام!…
مع ذلك كان رقيقاً حتى التسريف مع زوجته الجميلة، والتي أشتراها بشقى عمره من والدها الجشع، وأيضاً مع طفلته الوحيدة!….كانت تصغره بعشر سنوات أو أكثر بقليل، ناعمة، رقيقة ، تضحك للنسمة، لاتعرف الغضب ولاتتحمله من أحد، توقفت عن الانجاب بعد الولادة الأولى اثر مرض خبيث في الرحم الذي بتر تماماً!…وهي صاحبة فكرة الحانوت الصغير في الغرفة الواقعة في الطرف الغربي من فناء الدار، تبيع منه حاجات القرويون الطارئة اليومية من سكرٍ وشاي وصابون وغيره!….ويعتاشون منه بدون خوف من العوز أو الحاجة!….وبشاشة وجهها كان كفيلاًٌ بزيادة المترددين على حانوتهم!…
والزوج ملهو ببستانه الصغير على ضفة النهر، يقتادون منه ما يحتاجونه من الخضروات!…ولم يشغل باله أو يعّكر صفو حياته الا تلك الحركة الباغتة من ابن الجار الشاب!….
ففي ذلك اليوم البائس وهو عائد الى داره، سمع قهقهة ضحكةٍ عاليةٍ من الحانوت، وبعدها ظهرت الزوجة برفقة الشاب ويده فوق كتفها تلف الرقبة قليلاً!…..لم تبالي الزوجة بالتغُيرات التي أخذتها وجه زوجها، بل حتى انها لم تنتبه الى وضع اليد فوق الكتف!…..ليمر كل شئ بدون أن يعُكّر مزاجها سوء الظن أو غير ذلك، الا أن عمر لم ينسى ذلك أبداً، بل أصبح هاجسه الذي لم يفارقه قط، لا في نومه ولا فاليقظة!….اصبح يظن بكل شئ ، بكل حركة أو لفتة أوبسمة!…وهي لم تعد له لوحده، فكم عدد المشتركين معه في عرضه؟!….الشاب الذي رآه؟.. أم مجموعة من شباب القرية!…..
لم يعد يأكل، والنوم نادراً ما يكون في فراشها كسابق عده، البستان جف وهو ينتظر من يخدم فيه!….
لاحظت كل هذا التغير فيه فتسأله، ويتهرب من الجواب بمختلف الحجج، الا أن الظن بها لم يهمله طويلاً، حتى هده وأوقعه طريح الفراش!….
كانت تخفف من حرارة جسمه بقماش ترطبه، حاول أكثر من مرة أن يسألها ليطمئن نفسه، إلا أن الحياء من أن يكون مخطئاً كانت تحيل دون ذلك!….وأخيراً وفي اللحظة التي كانت حرارة جسمه قد تتجاوزت سخونة الجمرات المخفية تحت الرماد في تنور والدته عندما أخفته عن أعين القتلة صغيراً نطق بكلمتين :
= هل…..هل خننننن…….
وأيضاً لم تسمعه، حتى أنها لم تنتبه الى تلك الكلمتين التي أودى بحياته!….لكنها بكته بمرارة الفراق!….وبقيت منه لوحته الرائعة، إبنته ذات الأربعة عشر ربيعاً!…
الكل معترفٌ بحسنها الرائع، هيفاء، فارهة الطول, تميل بشرتها الى السمار بعيونٍ زرفاء, محاطة بهدبً بلون الكحل، والغنج متأصل وموروث من والدتها المتميزة في القرية أيضاً بالجمال!…كانت محاطة بعيون المعجبين، لتناسق المبدع في كل شئ ، ليس في الجمال الخارجي, بل كذلك في الخلق والسيرة الحسنة!….
كانت طفلة مدللة ليس فقط للأبوين، انما لأهل القرية عموماً!….كبرت وطالت بقامتها، وزاد حسنها، وازداد الأعجاب حتى أصبحت متميزة من بين كل فتيات القرية والقرى المجاورة!….الا أن الصدق أوعدمه في تلك العلاقة المشبوة بين أمها والشاب ذاك، أودى بكل حسن وبكل سيرة حسنة للجحيم!….
ٌصحيح أن الكل يحلم، فهناك من يحلم بلقاءٍ عابر معها في احدى الأزقة، وهناك من يشط به الحلم لقبلة عابرة!….إلا أن أحلامهم لم تتجاوز ذلك أبداً، والسر سمعة الأم البريئة الخائنة!….وبقيت تنتظر فارس أحلامها، وطال بها الأنتظار حتى الملل، ولم يبقى لها سوى سنين قليلة لتدخل سن اليأس وهي تنتظر!….
في نهار ذاك الربيع, حيث الجمال يتجاوز كل وصف، مر بها شخصٌ تراه لأول مرة، مالت رقبته كما هي رقبتها، وتلاقت الأعين لتقول ما لا طاقة للسان به!….وتكررت اللقائات في الحانوت الذي اصبح الوسيلة الناجعة للقاء الحبيب!….وأخيراً تفاهما وتزوجا، ورحلت مع المدرس القادم من بادية العرب، لتترك شباب قريتها يحلمون بهدوء!.. بقبلة عابرة .

شاهد أيضاً

الطفولة بعمق ديوار !

هي الأرض توأم الوجع عبر الأزمنة الغابرة وعبر العصور لتاريخ البشرية وفضيحة الذّاتية لعالم ضاعت …