أخبار عاجلة
الرئيسية / جولة الصحافة / تركيا: تقسيم جديد.. أم نَيْل من مكان عام؟

تركيا: تقسيم جديد.. أم نَيْل من مكان عام؟

تركيا: تقسيم جديد.. أم نَيْل من مكان عام؟
كان ميدان تقسيم الذي يعلو ربوة على الساحل الأوروبي لمدينة اسطنبول دوما مكانا لاستعراض فنون العمارة. وقبل سنوات قليلة، كان الميدان النابض بالنشاط — والذي يعد مركزا لحركة المواصلات — يحده نصب تذكاري لمؤسس تركيا العلماني وكنيسة أرثوذكسية يونانية كبيرة وفندق خمس نجوم وحديقة ومركز ثقافي، وقد كان كل جيل يسعى لترك بصمته في الميدان.
تقول ميجيلا يابوجي أمين منصة تضامن تقسيم — وهي منظمة جامعة تضم تحت مظلتها معماريين ومهندسين وأطباء وكانت من بين أكبر المنتقدين لخطط بناء مركز تسوق على حديقة جيزي، وهو الأمر الذي تسبب في اندلاع احتجاجات واسعة النطاق في عام 2013 — إن “كل تدخل في الميدان كان أيديولوجياً”.
اعتُقلت يابوجي مع نشطاء آخرين كان الكثيرون منهم قد شاركوا في تظاهرات، تطورت إلى احتجاجات كانت هي الأكبر ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان منذ أن تولى السلطة في عام 2002.
وقد تم الانتهاء تقريبا من بناء مسجد جديد من المنتظر أن يكون علامة بارزة تهيمن على ميدان تقسيم، إلى جانب أن أعمال إزالة مركز أتاتورك الثقافي بدأت قبل أسابيع قليلة. وسيتم بناء دار أوبرا جديدة في موقع المركز، ويأمل مؤيدو المشروع أن تصبح دار الأوبرا تلك رمزا للمدينة كما هو الحال بالنسبة لمسرح البولشوي في موسكو.
لكن يابوجي تقول إن الحكومة تتخذ قرارا من جانب واحد بشأن مكان عام يخضع لحماية الدولة منذ عام 1993.
أضافت “تعود الخطط الأولى لتشييد مسجد إلى عام 1980، لكننا أوقفناها. الآن هم لن ينصتوا إلينا. لقد طعنا على القرار لكنهم لم ينتظروا حتى انتهاء الإجراءات القانونية… الأمر لا يتعلق بالموافقة على التصميم المعماري الحالي من عدمها، بل يتعلق بمبدأ الميدان”.
تقول يابوجي إن التغييرات في ميدان تقسيم تمثل تهديدا لإرث اسطنبول التاريخي، ولكن أيضا وفي المقام الأول للخطاب العام مشيرة إلى أنه “إبان الإمبراطورية العثمانية، لم يكن هناك الكثير من الميادين التي يمكن أن يحتشد الناس فيها. هذا المفهوم اتسعت له الجمهورية… ومنذ ذلك الحين، أصبح تقسيم مركزا للمعركة الديمقراطية”.
قتل ما لا يقل عن 34 شخصا في ميدان تقسيم عام 1977 عندما فتح مسلحون النار على إحدى مسيرات عيد العمال. وبعد ذلك، حُظرت مسيرات عيد العمال التقليدية التي كانت تنظمها جماعات يسارية في الميدان.
تقول يابوجي “تقسيم كان دوما نقطة لقاء وتجسيدا للديمقراطية.
“إحدى حكومات حزب العدالة والتنمية هي التي سمحت باحتفالات الأول من مايو من جديد في تقسيم على الرغم من أنهم حالما عززوا سلطتهم عاودوا إغلاق الميدان”.
التصميم الجديد للميدان لن يجعل التجمعات أسهل بعد ذلك. وتشير يابوجي إلى أن “تقسيم كان مكانا آمنا للاحتشاد بفضل مداخله الكثيرة. كان بوسع الناس الفرار للشوارع القريبة في حالة حدوث أي طارئ خلال التظاهرات الحاشدة”.
وتقول هيجنار فاتنبو من قسم تاريخ الفنون بجامعة كاليفورنيا دافيس والخبيرة في العمارة العثمانية “منذ عام 2013، انحسر دور تقسيم كمكان يمكن خروج تظاهرات تلقائية فيه… هذه المشروعات الجديدة تجعل تقسيم أقل أهمية”.
وقالت فاتنبو إن المشكلة ليست حكرا على تقسيم أو تركيا موضحة أنه “يمكننا أن نرى كيف أنه في الكثير من الأماكن الأخرى، مثل بيروت، تحولت الأماكن العامة إلى مساحات خاصة. لقد أصبحت أماكن التظاهرات العامة أو الخطاب العام مراكز تسوق. هناك تغير واضح في الدور الذي بات منوطا بالأماكن العامة، وهو دور يميل أكثر إلى المصالح التجارية من المصالح السياسية. نحن بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا: ما الذي سيحدث لحقوق الإنسان وحرية التعبير في تحولات مثل هذه”.
تقول يابوجي إن أهمية تقسيم لا تقتصر على الميدان ولا يمكن فهمها من منظور محيطه، “فتقسيم هو تجسيد للمساحة الليبرالية والعلمانية”. في القرن التاسع عشر كان حي بايوغلو المحيط بتقسيم مكانا يقطنه غير المسلمين، لكن المنازل التاريخية التي كانت سمة تميز المنطقة صارت تختفي وتحل محلها مشروعات لبناء منازل ومكاتب جديدة. وتعلق يابوجي على هذا قائلة “الأمر كله يتعلق بالمال”.
ويدفع مصباح ديميرجان عمدة حي بايوغلو بأن هناك حاجة ماسة للتجديد قائلا إن نحو 650 من المنازل التاريخية باتت على وشك الانهيار.
لكن بعض منظمات المجتمع المدني تجادل بأن الكثير من سكان المنازل القديمة — وأغلبهم من الأسر الكردية والغجرية من أصحاب الدخل المحدود بالإضافة إلى اللاجئين — يتم إجلاؤهم من المكان بشكل فوري. تقول المنظمات إن النتائج قصيرة الأجل تُقَدَّم على الأهداف طويلة الأجل التي ستساعد شريحة أكبر من السكان.
وتقول فاتنبو “ليس هناك ما يعيب التحديث… لكن عمليات الاستيلاء ليست شيئا جيدا. إذا لم تكن هناك مشاورات سوف نتساءل كيف تم تنفيذ المشروع وما إذا كان الناس يوافقون عليه”.
لكن بالنسبة ليابوجي هناك قضية سياسية على المحك، إذ تقول إنه “في القرن التاسع عشر، كان بايوغلو وتارلاباشي مكانين يقطنهما غير المسلمين. بناء مسجد في قلب العلمانية ينطوي على توجيه رسالة واستعراض للقوة… إنها كارثة اجتماعية وبيئية”.
ويرجع أصل ميدان تقسيم إلى عام 1732 عندما أمر السلطان محمود الأول ببناء خزان لتجميع المياه بحيث يمكن بعد ذلك توزيعها أو تقسيمها على المدينة. تقول يابوجي “في ثلاثينات القرن الثامن عشر، كانت جميع كميات المياه القادمة من غابات بلجراد تصب في تقسيم. ما تبقى من مستودع المياه جزء ضئيل، قطعة من جدار يبنون إلى جوارها مسجدا. هذه قضية، وليس ذلك فقط لأسباب تاريخية على الرغم من أنه تحت تلك البقايا هناك احتمال للمزيد من المنطقة البيزنطية. إنها مشكلة لأن ذلك كان مستودعا للماء وهو مكان غير آمن لبناء أي شيء هناك”.
تقول يابوجي إذا لم تكن تلك الأسباب كافية، فإنها كسيدة ترى أن الميدان الجديد لا يراعي المرأة موضحة أنه “يجري بناء أنفاق في كل مكان. كيف تعتقد سيكون شعور المرأة تجاه هذا الأمر؟ السير في مناطق مظلمة تحت الأرض حيث حاربن من قبل من أجل حقوقهن”.
لقد صار تقسيم وبوضوح اسم على مسمى.
المصدر: الاحوال التركية

شاهد أيضاً

ترامب يهدد الصين بفرض رسوم على سلع قيمتها 200 مليار دولار

ترامب يهدد الصين بفرض رسوم على سلع قيمتها 200 مليار دولار هدد الرئيس الأمريكي يوم …