الرئيسية / شؤون ثقافية / دون كيشوت كوردي..

دون كيشوت كوردي..

دون كيشوت كوردي..
(يعاد النشر لبائعي الناموس تحت جسور إستانبول)
كنتُ عندما أُقهَر وتَضيقُ بي الدنيا…أنام، وكنتُ عندما أسمعُ خبراً غير سارٍ عن أبناء جلدتي وهم يقتلون…أتحسرُ ألماً…فأنام على حسرتي، وكنتُ حين لا أجدُ مفراً من هذا الألم سوى النوم…كان النوم يجافيني!..
فكم رغبتُ في نومٍ هنئ بعد كل وهنٍ، لأحلم بما لاطاقتي لي به يقظاً!.. فتلك الجبال وهذه السهول تخضع لإرادتي، والنواميس والدساتير أضعها وهي تتناسب مع كل أحلام طفولتي وشبابي!.. تتهاوى بها الأصنام المنصوبة قهراً في كل زاوية من زوايا جنتي!..وتتماثل أمام أعيني وجوهاً أعشقها لعظماء أمتي!..
ولما لم أجد ما يدفعني للحلم، بقيت سنيناً لا أنام!.. فهوت قامتي وإنحنى ظهري وبدأ يسبق رأسي قدماي!..وكلٍ يحكم على ما أنا فيه من وجعٍ ويسببه كما يشتهي!..فذاك يعيب في مسّاً، وتلك خَرفاً في دماغٍ لم يتح له فرصة النمو بحرية .
فأتيت على البديل، والبديل أن أحلم يقظاً، فكنت الدون كيشوت!…ولكن على طريقة عصرية جداً..حيث لا سيفٌ ولا رمحٌ ولا خيل، ولا حرب طواحين!..فكل ذاك تجاوزٌ لقامتي التي خسفت وأنا مازلت في أحشاء إمرأة كوردية…كانت هي أمي!..
فطواحيني هي أسلاكٌ شائكة وألغامٍ تفنن عبقرية جنرالاتِ أممٍ في كيفية غرسها وتوزيعها شذراً في تلك الأحشاء!..فأجتازها بدون وجلٍ، وأحطم مساند الأسلاك الشائكة، وأوحد وطني!..فأنا الدون كيشوت الكوردي، أحلم عندما تتجاوز الدنيا مرحلة اليقظة!..فترتعش مفاصلي من نشوة الإنتصار، وتمتشق قامتي علواً، فأنطح بعمامتي الكوردية سنا السماء!…
فتروى لأجيالٍ من بعدي عن خرافة العنقاء، وكيف أطعمتُ بذار قمحي للغرباء، وتركت أرضي بوراً بدون رجاء!..مع كل هذا، عندما كنت أسمع لقباً نبيلاً، ألتفت حولي بدون حياء!..
فأنا الدون كيشوت الكوردي…طالب زعامة!..ولابأس أن أكون على حمارٍ كنا قد سرقناه، أو على جسد إمرأةٍ على جديلة ،هتك عرضها رماحٌ من التتار، وباعها بسوق النخاسة لإعرابي مقابل عنزة جرباء!..
أتبكين يا أمي؟….كم أنت متأخرة!..

عباس عباس

شاهد أيضاً

( يا ابن الكورد ) قصيدة بقلم الشاعر رمزي عقراوي

( يا ابن الكورد ) قصيدة بقلم الشاعر رمزي عقراوي يا ابن الكوردِ ! خُلِقتَ …