الرئيسية / شؤون ثقافية / قراءة في المجموعة القصصية (من قتل إيماما) للقاصة أميرة البارزاني

قراءة في المجموعة القصصية (من قتل إيماما) للقاصة أميرة البارزاني

قراءة في المجموعة القصصية (من قتل إيماما) للقاصة أميرة البارزاني الصادرة عن دار أوماغيت، 2015 كتابة: د. أسماء سنجاري
كتابة: د. أسماء سنجاري

” لا تحدث الثورات في الخفاء، الثورة والكتابة كلتاهما لا تعرف السرية. حطمي قفل الدرج واكتبي في النور، اغضبي وثوري ولا تستكيني.” د. نوال السعداوي
….
توثيق التجارب الذاتية والاجتماعية المشحونة بالمرارة والمأساة يجعل الكتابة كالنزيف الروحي الصادق ويقدم أوجاع الآخرين كدروس من الممكن التعلم منها ويحفز على العمل لمنع تكرارها.
“وقعت عيناها على القلم وبجانبه ورقة، رُسمت عليها صورة امرأة، بجسدها ووجهها، مصلوبة على خشبتين، كتب على أعلى عمودها (جبانة)” من قصة (حبيبي، هذا الثائر الأخرس)
لغة القاصة واضحة وغير متكلفة وأسلوبها مباشر وهادف، كأنّها تقول أنّ هذا ما حصل وها أنا أزيح الستار عنه كي أنتصر للضحايا والمظلومين. تباين طول القصص في المجموعة وفي بعض الأحيان تنهي القاصة الأحداث بنهايات مفتوحة تسمح للقارئ بإكمالها حسب استيعابه للمغزى. واعتمدت القاصة غالبًا على الحوار لإيصال أفكار شخوص القصة وتوضيح ملامحهم وطبيعة علاقتهم ببعضهم. لم تسرف القاصة في وصف الطبيعة أو المكان أو الملامح أو حتى الانفعالات النفسية واكتفت بالإيجاز الكافي لتقديم الحدث وأهميته. ولم تشوش القصة بالانتقالات السريعة الغامضة لتيار الفكر وحاولت السرد بعيدًا عن القلق والهذيان .
عدم قبول الظلم ومحاولة تصحيح الأخطاء من المهام الإنسانية النبيلة التي توظف القاصة لها جهدها ونتاجها.
“لا..لا يا ابنتي الحبيبة، لن أرضى بالموت هذه المرة. سأثور من أجلك وأجلي.” من قصة (الثورة على الموت الثاني)
تتجلى الأفكار الثورية في صفحات القصص وهي ثورة صريحة وصارخة ومستندة إلى مبادئ العدالة وحق الإنسان في حياة كريمة تليق به.
“لأني حر، والحرية تعني التحرر من العبودية يا حبيبتي، كما أنها تعني المسؤولية.” من قصة (لن أعود إليك)
تؤثر القضايا المصيرية في المجتمع على كل أفراده ويتبنى كثير من المبدعين مسؤولية توثيقها بحيادية مع طرح الأسئلة عن أسباب المأساة.
“ما من إنسان يثور بلا ظلم جائر واقع عليه. صحيح، الثورة تولد في الإنسان كرد فعل لدفع الظلم عنه، ورد الفعل إما أن يكون بحمل السلاح كما يفعل هؤلاء أو بترك الأرض والبحث عن الحرية كما نفعل نحن.” من قصة (السقوط في المنفى)
لا يسلم فرد من تأثير الفوضى والتعسف السياسي ولهذا تحفز القاصة القارئ على التفكير أبعد من الهموم الشخصية وفهم الأحداث بصورة شاملة.
“-الظلم واقع على الجميع، من الكبير إلى الصغير، لا يفرق بين الرجل والمرأة، والرضوخ له لا يحل المشكلة، بل يزيدها…الحل يأتي دائمًا بالثورة عليه والعمل لتغيير الواقع المتخلف.” من قصة (المرأة والمومس)
طرحت القاصة بعض المشاكل التي تعرض لها أشخاص تشترك معهم في الأصول الوراثية وكما يبدو من أسمائهم أن أغلبهم من العراقيين المسيحيين لكن همومهم من الممكن أن يتعرض لها أي فرد في العراق أو في أي مجتمع متعثر بالأزمات ومكبل بالقيود الموروثة التي تفرق بين أبناء الوطن الواحد وتحرمهم من فرص بناء مستقبلهم كما يشاؤون.
“-وهل يجوز أن يتخذ الدين موقفًا قاسيًا تجاه الحب؟” من قصة (منوعات ممنوعة)
وقع العنف السياسي والحروب خطير على الفرد والمجتمع عمومًا وحاولت القاصة كشف الأوجاع وتحفيز القارئ على عدم قبول القرارات التعسفية والظالمة التي تتسرع في اتخاذها الأنظمة السياسية.
“هل رأيت كل هؤلاء اليتامى؟ كيف يحلمون بآبائهم ممن صرعتهم الحروب؟ لقد كانت أمامهم حياة جميلة ضاعت وسط الحروب.” من قصة (مع العذراء)
“هنا سقط جزء من الذكريات بين عينيها كلوحة صخرية عصية، ترفض إضفاء التغيير عليها.” من قصة (على خط النار)
ومن القصة نفسها “أنت لا تعرفين ماذا يحدث بين أروقة الأمن والاستخبارات، لقد استبدلونا بأناس متعودين على اللون الواحد، يرفضون الآخر ولا يفهمون بالفسيفساء العراقي. لقد فعلوا هذا لنتأذى جميعًا.”
الدفق الإنساني مستمر في القصص التي ترافق الإنسان في رحلته المؤلمة داخل وطنه وكذلك حين يضطر إلى التعرض للأخطار وهو يحاول الهروب والبحث عن ملاذ آمن.
“-هذه غرفة أبي وأمي اللذان قتلتهما الحروب الطائفية…وهذه غرفة أخي الذي أعدم من قبل الحاكم الديكتاتوري، وهذه غرفة حبيبي الذي قتلته العنصرية. لم يبق منهم إلاّ صورهم، وضعتها على الحيطان، وهذه أنا الهاربة بجلدي والميتة بقلبي.” من قصة (المتمردة)
وتعرض بعض القصص مدى الأحزان التي من الممكن أن يسببها البشر لبعضهم ومدى القسوة التي تنخر القلوب.
“فهم لا يكتفون بغرس سهام الخيانة في ضحاياهم ولكنهم يعودون بعد فترة ليتحسسوا الضحية ومكان السهام.” من قصة (الخيانة)
هذه المجموعة القصصية تعرض مراحل مهمة في تاريخ المجتمع العراقي وتعكس معاناة الإنسان المكبل بالضغوط داخل الوطن وهمومه الاجتماعية حتى بعد عثوره على منفى . وأجد أنها تستحق الترجمة إلى اللغات الأخرى كي يتعرف الآخرون وخاصة أبناء العوائل العراقية المغتربين على طبيعة الظروف القاسية التي عاصرها العراقيون قبل مجازفتهم بالرحيل خارج العراق وكذلك على المشاكل الاجتماعية عمومًا. ومن الممكن أن تقدم بعض القصص كأعمال درامية وحتى تحويرها لتعكس تجارب إنسانية عامة وغير مقتصرة على المصاعب في المجتمع العراقي أو الشرقي المكبوت. على الرغم من العتمة المصاحبة لأغلب الوقائع لكن القاصة لم تغفل عن عرض ملامح الخير والجمال والطيبة للتأكيد أن الحياة لا تحمل لونًا واحدًا وأن البشر قادرون دومًا على مساندة بعضهم ومواجهة أقسى الظروف ما داموا متفاهمين ومتضامنين.
هذه القصص دافقة بالثورية وبالمبادئ الإنسانية وفيها دروس اجتماعية من الممكن أن يستفيد منها القارئ إن انتبه إليها وتأمل أبعادها النقية بحرص.

شاهد أيضاً

( يا ابن الكورد ) قصيدة بقلم الشاعر رمزي عقراوي

( يا ابن الكورد ) قصيدة بقلم الشاعر رمزي عقراوي يا ابن الكوردِ ! خُلِقتَ …