الرئيسية / الرأي / قراءة في أساليب النضال الكردي في أوروبا

قراءة في أساليب النضال الكردي في أوروبا

قراءة في أساليب النضال الكردي في أوروبا
أحمد وليد يوسف
مع تنامي حركة الهجرة الكردية إلى دول أوربا الغربية منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي ووصول بعض كوادر الحركة الكردية من جنوب وشرق وشمال كردستان إلى أوروبا شهد النضال الكردستاني السلمي على النطاق الشعبي تطوراً ملحوظاً, وتطورت بعض العلاقات مع التيارات اليسارية والمنظمات الغربية التي ساعدت في بعض الأحيان في إيصال مطالب الشعب الكردي في نيل الحقوق والحريّات في الدول المحتلة لكردستان إلى البرلمانات ووسائل الإعلام, كما تمّ تمتين العلاقات مع بعض الشخصيات الاعتبارية لكسب المزيد من الدعم المعنوي (العاطفي) للقضية الكردية. منذ أكثر من ثلاثين سنة لم يهدأ الكرد في شوارع وأزقة وعواصم أوربا. منذ أكثر من ثلاثين سنة والشعوب الأوربيّة تسمع وبلا مبالاة لصرخات الاستنجاد الكردية التي تصدح بالحرية وتطالب بحلٍّ للقضية الكردية حلاً عادلاً يضمن عدم تعرضهم لحرب الإبادة العرقية والثقافية واللغوية من قبل السلطات المهيمنة على أجزاء كردستان الأربعة. هذا النضال الاحتجاجي السلمي لم يكن بلا معنىً, وفي بعض الأحيان أجبرت وسائل الإعلام على تسليط الضوء على معاناة الكرد, وحاولوا نقل الصورة القاتمة للممارسات الشوفينية بحق الشعب الكردي. الكرد في بلدان الشتات, والحركة السياسية الكردية لم توفّر جهداً ووسيلةً للضغط على الحكومات الأوربية من أجل دعم القضية الكردية ولكن يبدو أنّنا نحتاج إلى أن نخطو أشواطاً أبعد من ذلك بكثير في سبيل فهم الذهنية الأوربية وسياستهم الخارجية في التعامل مع قضايا الشعوب خارج حظيرة الاتحاد الأوربي. إن القضية لا تتعلق بالقضية الكردية وحدها, ولا بجهة كردية بعينها دون غيرها, وإنما تنسحب على كل القضايا العالقة في بقية بلدان العالم وخاصة بلدان الشرق الأوسط. القضية تنسحب أيضاً على الفسطينيين وعرب الاهواز والأمازيغ والأفارقة وكل الشعوب التي ذاقت ويلات الإبادة العرقية والثقافية.
إن النضال الاحتجاجي السلمي للشعب الكردي في أوربا لم يكن قليلاً ولم يكن دون هدف بل تمّ بذل جهود جبّارة لجمع عشرات الآلاف من المحتجين في كثير من الأحيان وتنظيم تظاهرات ضخمة دون حوادث أو مشاكل تُذكر, ولكنه بقي نضالاً جامداً ومؤطراً بأساليب تقليدية تتضمن الحصول على الموافقة من الجهات المختصة, ثم تبليغ كل الكرد في المنطقة المحيطة للمشاركة بفعالية في الاحتجاج وإطلاق الشعارات المطالبة بالحقوق أو المندّدة بارتكاب المجازر مع رفع اللافتات والصور والأعلام وفي أفضل الحالات يتم دعوة بعض الشخصيات اليسارية المتضامنة لإلقاء كلمة ومن ثم تقديم مذكرة احتجاج أو بيان إدانة للبرلمان أو لرئيس البلدية, وقد تحضر بعض وسائل الإعلام المحلية لتغطية الحدث حسب تقييمهم لطبيعة ونوع الاحتجاج إن كان سيخدم المشاهد الأوربي أم لا. قد يتم طرح السؤال التالي: وماذا عسانا أن نفعل أكثر من ذلك؟ – في الحقيقة إنّ ما نقوم به لهو أمر ٌ حضاري وعظيم للوقوف مع معاناة شعبنا وإيصال صوتنا وقضيتنا إلى الشعوب, رغم الكثير من النواقص والعيوب وقلة التنظيم. إنه لمن المهم هنا الإشارة إلى أن الشعوب الأوربية والإعلام الأوربي وحتى ربما الحكومات الأوربية لا تبني مواقفها وقراراتها لدعم قضية ما أو رفض دعمها بالاعتماد على ما يتمّ حمله من صور أو ما يتم كتابته على اللافتات أثناء الاحتجاج, ولا على شرعية الحقوق المطالب بها من عدمها, ولنا في هذا المضمار أمثلة لتظاهرات الشعوب الأخرى من غير الكرد. ولكن يتم بناء المواقف واتخاذ القرارات من منظور المكاسب, ومن منطلق الفائدة أو عدمه من اتخاذ قرار ما لصالح الكرد مثلاً. لكي تتوضح الصورة أكثر في الذهن لنذكر المثال التالي: عندما توترت العلاقات التركية مع بعض الدول الأوربية عام 2016 ومنها المانيا وهولندا وبلجيكا, تساهلت هذه الدول مع بعض المتهمين بقضايا تتعلق بحزب العمال الكردستاني في دولها, فقامت محكمة بلجيكية عليا بتبرئة أربعين شخصاً بتهم التعاطف مع حزب العمال وقامت بنفس الوقت إبطال هكذا نوع من التهم باعتبار النزاع بين تركيا والكرد هو نزاع داخلي ولا تنطبق على حزب العمال الكردستاني صفة الإرهاب, وفي ألمانيا أيضاً تمّت تبرئة عدّة ناشطين بذات التهمة. ولكن عندما حرّكت تركيا قنواتها الدبلوماسية, عاد الضغط على النشطاء الكرد وتم اعتقال العديد منهم.
يؤسفني القول بأن العقل الأوربي مازال يسبح في الفضاء البراغماتي ويهيم في العقلانية الديكارتية (برأيي على الأقل) منذ القرن السابع عشر. العقلانية التي تناولها كانط بعد مئة عام تقريباً في نقده للعقل المحض أهملت دور العاطفة الهام في الحكم الأخلاقي, إذ كانت العقلانية هي المؤسِسة للحكم الأخلاقي وليس العواطف أو المشاعر. أعتقد أن كل الفلسفات اللاحقة كانت تدور في فلك الفئات النخبوية ولم تؤثر في الوعي الشعبي الجمعي بشكل كبير , بل كان الاقتصاد والتطور الصناعي والتكنولوجي هو الموجّه الأساسي وربمّا المؤسِس للوعي الأوربي. ما يهمنا في هذا الشأن أن نعلم كيفية مخاطبة الوعي الأوربي, والبحث عن آليات أكثر فاعلية في أساليب النضال السياسي للتأثير في/ وعلى مراكز القرار في هذا العالم الموسوم (بالتمدّن والتحضّر). ما هو مطلوب منّا هو ليس اللحاق بركب الحداثة الأوربية, لأن الأوربيون أنفسهم أخذوا ينفرون من الحداثة التي كانت كل حروب القرن التاسع عشر والقرن العشرين من نتائجها. فالفاشية والنازية والحروب العرقية والدينية وحتى تنظيم القاعدة وداعش هي من نتائج هذه الحداثة التي أثبتت فشلها. وفشلت معها الليبرالية على المستويين السياسي والاقتصادي. الليبرالية التي كانت تعتبر الوجه المشرق للحداثة الأوربية حولت الإنسان الأوربي إلى آلة مبرمجة للبحث عن المال وصرفه في محاولة تحقيق السعادة. ولكن ما هي دواعي فهم الإنسان الأوربي ونحن بصدد الحديث على نضال شعب مازال يبحث عن الحرية؟ إن الدواعي هي لمعرفة كيفية الوصول للوحة تحكم هذه الآلة وبرمجتها من جديد لصالحنا دون تحييده عن هدفه في البحث عن المال والسعادة. وهذا ما فعله اليهود, وفعله الأرمن ويفعله الأتراك إلى حدٍ بعيد.
في هذا العالم المتسم بسطوة التقنية يجلس يوميّاً ملايين الناس أمام الأجهزة الذكية ليشاهدوا شيئاً على موقع اليوتيوب مثلاً, ودون إرادته تظهر له آلاف الإعلانات تروّج لمنتجات موجّة ومختارة بدقّة تناسب توجهات المشاهد بناءاً على خوارزمية جمع البيانات من محرك البحث لجهاز المشاهد نفسه ومعالجتها تلقائياً ومن ثم يتمّ ضخ المادة الإعلانية تبعاً لاهتماماته في كل مرة يكون فيها متصلاً بالشبكة (يمكن للمختصين بهذا الأمر التصحيح أو الإضافة). ربّما يكون هذا الأمر اعتيادياً ومقبولاً في عالم مادّي تقوم فيه الشركات بالترويج لمنتجاتها لأغراضٍ ربحية. لكن ما هو ليس اعتيادياً أن يظهر لك إعلاناً ممولاً من شبكة ت ر ت باللغة الانكليزية بعنوان “حزب العمال الكردستاني في أوربا, البنية التنظيمية, الإرهاب, الجزء الأول”. استوقفني هذا الإعلان كتأكيد آخر من جملة التأكيدات على أن الدولة التركية تعمل على كل الجبهات وفي كل أنحاء العالم للترويج لسياستها الإسلاموية الفاشية التوسعية من ناحية, وحجم التشويه الذي تقوم به لكفاح الشعب الكردي من ناحية أخرى. إنّ ما يقوم به الأتراك بخبثٍ على كافة الأصعدة يؤثر بشكل أو بآخر في مراكز القرار في العالم. يضخون الأموال على الكثير من مراكز الأبحاث الاستراتيجية, المنظمات الدولية, الشبكات الإعلامية, الجمعيات الخيرية وربّما على بعض المسؤولين في مراكز القرار, كل هذا يعكس مدى استماتة تركيا في محاولتها لإبادة الشعب الكردي عرقيّاً وثقافياً كما تفعل اليوم في قرى وبلدات مقاطعة عفرين. أمّا الجمعيات التركية في أوربا هي أدوات إضافية لآلة القمع التركية, هي مراكز لتغذية الأتراك بالفكر الطوراني وشحنهم بالتطرف الديني الإسلامي.
ليس تشاؤماً بقدر ما هو تسليط بعض الضوء على واقع الحركة النضالية الكردية في دول الغرب, فنحن مازلنا نحتاج لقطع أشواطٍ طويلة لتأسيس علاقات قوية مع بعض الجهات الفاعلة في الدول التي نقيم فيها قبل التغلغل فيها من خلال تلك العلاقات. الجمعيات الكثيرة التي تمّ تأسيسها قامت إلى حدّ ما بالحفاظ على الروح الكردية, وهذا بالتأكيد عمل كبير, ولكن ليس لديها استراتيجيات بعيدة, والأنشطة التي تقام تحت سقف هذه الجمعيات لم ترتق إلى مستوى التأثير. لذا فإنه من المهم فتح قنوات التواصل والعلاقات ليس فقط مع الأحزاب والحركات اليسارية وإنّما مع الأحزاب اليمينية أيضاً وأحزاب السلطة بشكل خاص.
وفي ذات الصدد حريٌّ بنا أن نعرّج على مراكز الدراسات والمعاهد الكردية وكذلك الجمعيات القانونية, فبرغم عملها ونشاطها العظيمين وجهودها الجبارة في نقل القضية الكردية إلى مستويات أفضل, فإنها ما تزال في نطاق جهود الأفراد ولا تلق الدعم اللازم من الأحزاب الكردية القوية اقتصادياً ولا من رجال الأعمال, أو أغنياء الكرد إن صح التعبير. سأذكر بالاسم المركز الكردي للدراسات كمثال. هذا المركز يمكن اعتباره اللبنة الأساسية لمشروع بناء جسور التواصل والعلاقات مع الشخصيات والمؤسسات الفاعلة في دول الغرب. ضعف هذا المركز يكمن في أنه ينشر فقط باللغة العربية, ولهذا فتأثيره محدود جداً. المشكلة تكمن في تحديدنا للشريحة المستهدفة, فالمركز بمحتواه الجيد يجب أن يستهدف الأوربيين ويتم رفده بكوادر أكاديمية متخصصة ومدعومة مادياً وينشر بكل اللغات الأوربية حتى لو تطلب الأمر بأن تتم ترجمة المواد البحثية لدى مترجمين مختصين. إن الدعم المادي لهكذا مراكز ضروري جدّاً. وكذلك الأمر ينطبق على منظمة ياسا الحقوقية, ومؤسسة أكراد بلا حدود وجمعية الشعوب المهددة, هذه الجمعيات ستُحدث تغييراً إن تمّ دعمها.
إنّ كيفية التعامل مع البراغماتية الغربية ووضعها في خدمة القضية الكردية بحاجة إلى خطوات كبيرة وآليات عمل جديدة تتجاوز أسلوب النضال التقليدي, الذي هو بلا شك مفيدٌ أيضاً, لكننا بحاجة لمشروع كبير منظّم يستطيع أن يُحدِث بعض التغيير في المواقف تجاه القضية الكردية بشكل عام وقضية الكرد في غربي كردستان وسوريا بشكل خاص. ربما نحن بحاجة أيضاً إلى تجاوز مرحلة استعطاف الغرب بشكله المستكين الضعيف إلى مرحلة تأسيس خطاب جديد من خلال مشروع إعلامي ثقافي فكري سياسي حقوقي اقتصادي متكامل.
25-02-2018

شاهد أيضاً

دبلوماسية الرهائن مؤشّر على يأس أنقرة ….الورقة الوحيدة الباقية في يد أردوغان هي الابتزاز

دبلوماسية الرهائن مؤشّر على يأس أنقرة ….الورقة الوحيدة الباقية في يد أردوغان هي الابتزاز أردوغان …