الحرب الخاصة ضد ثورة روج آفا (الدعاية)

0

الحرب الخاصة ضد ثورة روج آفا (الدعاية)
فرهاد شامي
المقدمة:
الحرب بواسطة الدعاية لا تتوقف ضد ثورة روج آفا – شمال سوريا كما هي الحرب العسكرية “الساخنة”، هي حرب تمهد للحرب الساخنة ومهدت لها خلال السنوات الخمس الماضية، فهجمات المرتزقة “جبهة النصرة، بقايا الجيش الحر، داعش” التي لم تكن تتوقف دون مقاومة كلها نتيجة للاتجاهات المقصودة والهادفة التي حاولت الحرب الدعائية وأساليبها تشكيلها في ذهن المهاجمين وطرق تفكيرهم، وكذلك صياغة مسار النصر الأعظم الذي يكمن في هزيمة “الكفرة، الملحدين، الانفصاليين” وإلى ما هنالك من الأبعاد العقائدية والفكرية التي حاولت خلق عدو وهمي تبعد البوصلة عن مراكز الاستبداد الحقيقية في سورية، وتغطي على جرائم التدخل الاقليمي في الملف السوري.
حرب الدعاية كمصلطح:
تعددت التعاريف المتعلقة بحرب الدعاية ولكن، كلها تصب في إطار تعريفها بأنها محاولة هادفة للتغيير في معتقدات الخصم، وتندرج في إطار العمليات الأساسية للحرب النفسية، وأول ما تستهدفه هو العقل، سواء بواسطة أساليب تجميد العقل أو تذويبه وإعادة تركيبه من جديد. بالمجمل، وبحسب إحدى التعاريف، فأن حرب الدعاية هي عملية مستمرة، يتبع فيها أساليب علمية إقناعية أو احتيالية أو قهرية، للتأثير على المكونات النفسية للجهة المستقبلة لا شعورياً أو شعورياً فتضعها تحت رقابتها، وتسيطر وتضغط عليها أو تجبرها اتباع سلوك المستهدِف.
ومن خلال التعريف السابق يتضح أن حرب الدعاية لا تتوقف وتستخدم كافة الأساليب المرنة والخشنة، وتكمن خطورتها في محاولتها لتغييب العقل والسيطرة على العاطفة والتحكم في انفعالات الشخص أو الفئة المستهدفة، وكذلك استفزازها وإثارة الشكوك لديها حول قضيتها العادلة والأشخاص الذين يضحون من أجلها وكذلك الأساليب المتبعة لتحقيقها، والنتائج التي يمكن تحقيقها، وهي تخلق الظروف الملائمة للنجاح بغض النظر عن امكانات الخصم في المقاومة والثبات.
حرب الدعاية ضد ثورة روج آفا – شمال سوريا
حاولت القوى التي تتحكم بالمصير السوري وخاصة الاقليمية منها كتركيا تفتيت الشعب السوري واستنزاف قوته، عن طريق العمل على إحداث الفتن الطائفية وكذلك العرقية، وإجهاده بسلسلة من الأزمات بالتوازي مع الأزمة العسكرية التي افتعلها النظام البعثي، باحثة عن نتائج صاعدة التأثير، وغير محددة من حيث النتائج زمنياً ومكانياً. وعلى الرغم من وضوحها من حيث الهدف والوسيلة فأن أساليب افتعال الأزمات وكذلك التحريض والتشويه وإحداث التفرقة وفرض التبعية كثيراً ما كانت تخفي مصادرها وخاصة في حالات الهجوم، فعلى سبيل المثال، كلنا نعلم أن إحدى أهم أسباب ودوافع ربط استبداد النظام بالطائفة العلوية وكذلك ربط الأعمال الإجرامية لداعش بالسنة هو إحداث الحرب الأهلية وتعميم تفاعلاتها في المنطقة، إلا أن جميع القوى والأطراف التي عملت على إحداث ونجاح هذه القضية تبرأوا منها وادعوا محاولاتهم خلق عكس ذلك، بل وطالبوا بوحدة الشعب السوري التي كثيراً ما كانت المطية الأساسية للتهرب من حقوق المكونات المختلفة.
في روج آفا – شمال سوريا الغنية بمكوناتها العرقية والدينية ومذاهبها السياسية والحزبية، لم تكن حرب الدعاية تنتهي مع هزيمة الأطراف المهاجِمة والتي أشرنا إليها أعلاه. بل أعادت انتاج نفسها بشكل أكبر مع عجز تلك القوى على تصفية قوات المقاومة في وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة وقوات سوريا الديمقراطية، وكذلك عملت على صياغة موضوعات جديدة كأسلوب لعزل قوات المقاومة والتشكيك فيها وزرع بذور التفرقة العرقية بين مكوناتها، أو تقديم رسالة إعلامية مخادعة لاستمالة بعض أطرافها، إضافة إلى التشكيك في صدق القضية التي تناضل من أجلها وتقدم الغالي والرخيص.
حرب الدعاية التي تندرج ضمن إطار الحرب الخاصة، بل تعتبر أداة أساسية لها، لم تستهدف فقط القوات العسكرية في روج آفا، بل سوّقت رسائلها التحريضية وحملات التشويه ضد شعوب المنطقة أيضاً، وهي كانت متعددة الأطراف. فمن جهة النظام البعثي الذي لم يجد مصلحته في النظام القائم في روج آفا حيث خرجت الأمور من سيطرته ولم ينخدع الكرد وكذلك العرب وباقي المكونات برسائل الترغيب والأمل التي كان يبعثها تحت شعار أن “الوطن السوري هو للكل، وسقف جامع لكل المكونات”، وكذلك بعض أطراف الجيش الحر وجبهة النصرة وأعوانهم في الداخل كالجماعات المرتبطة برئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني – العراق مسعود البرزاني التي أخطأت في حساباتها ولم يعد بإمكانها التراجع عن مواقفها الدعائية التحريضية بعد دخولها في اتفاقيات مصيرية مع النظام التركي وبعض القوى الشوفينية في سوريا كالائتلاف وقبله ما يسمى بمجلس اسطنبول “المجلس الوطني السوري”، فيما كان داعش الأقوى من حيث الدعاية بحيث استطاع الاستفادة من جميع الرسائل الدعائية ضد ثورة روج آفا – شمال سوريا للجماعات السابقة بحيث استغل حتى ممات الكردي وأصدقاءه استناداً إلى الرسائل الدعائية التي حاولت التقليل من أهمية التضحيات في روج آفا ضد الارهاب الداعشي، أو تلك التي هولت منها لغاية خلق حالة التراجع والاستسلام والهزيمة في صفوف المقاتلين على اعتبار أن “لا فائدة من المقاومة ضد قوة هزمت جيوش المنطقة كداعش”. النظام التركي الذي وجد في ثورة روج آفا سبباً لفشل خططه في سوريا وضربة
لأمجاد امبراطورية العثمانيين، فلجأت إلى مختلف الوسائل بغية تجريد هذه الثورة من شركائها وتأليب الرأي العام ضدها بعد حصارها بالتعاون مع سلطة البرزاني، فجندت أكثر من 100 فضائية تركية والعديد من الفضائيات العربية وكذلك التركية الناطقة بالكردية كـ TRT 6 وروداو للتأثير على الرأي العام في روج آفا وخلق حالة التردد لديه في الانخراط في الثورة، وخلق الصراعات الجانبية التي تضر بالهدف الأساسي، والتضليل الأمني بغية الوصول إلى التخبط التي من الممكن أن تفتح المجال للتدخل اعتماداً على مبدأ “خلق الخطر الأعظمي” التي تمهد للتدخل العسكري بحجة حماية المدنيين.
وسنعرض فيما يلي عدد من تطبيقات حرب الدعاية التي استهدفت مجتمع روج آفا – شمال سوريا من قبل الأطراف المعروفة والتي أشرنا إليها سابقاً.
أساليب حرب الدعاية ضد روج آفا – شمال سوريا:
1- دعاية بث اليأس والشكوك ومحاولة تشكيل الرأي العام حول نظرية “المكتسبات المؤقتة” التي سرعان ما تتبخر مع هجوم عسكري واحد، بغية عدم التأسيس لاستراتيجية واضحة والاعتماد على التكتيك قصير الأمد الذي لا يمكن ضمان استمرارية الثورة وتثبيت مكتسباتها. وبغية إثبات صحة هذه النظرية شنت تلك القوى بالاعتماد على قوى الارهاب كداعش العديد من الهجمات العسكرية أملاً في إبعاد التركيز على مشاريع البناء والتنمية وتحقيق الثورة في كافة جوانبها.
2- دعاية التفتيت: الادعاء بأن الحرب لا تستهدف كل الشعب الكردي أو شعوب المنطقة بل تستهدف فقط الأطراف المؤيدة للإدارة الذاتية الديمقراطية، في الوقت الذي قامت نفس تلك القوى بتهجير مئات الآلاف من المدنيين من مناطق كانت خارج سيطرة الإدارة الذاتية، وأعدمت المئات منهم وقطعت رؤوس المئات كذلك.
3- دعاية العدو الخارجي “الربط الكاذب”: ربطت القوى المهاجِمة جميع حروبها بحجج وجود حزب العمال الكردستاني في سورية، ووجوب ملاحقته، وهو الأمر الذي نفاه الحزب في الوقت الذي فتحت فيه تلك القوى والدول مطاراتها وحدودها لمرور عشرات الآلاف من المرتزقة للانضمام إلى داعش من جميع دول العالم بشهادة جميع المراقبين. واستهدف هذا الأسلوب توفير الغطاء الشرعي للتدخل في الوقت الذي زّج في الوضع السوري العشرات من القوى والتنظيمات الاقليمية والدولية ابتداء من تركيا وإيران وصولاً إلى أفغانستان وقرغيزيا والشيشان والسعودية وقطر.. إلخ.
4- محاولة خلق الفتنة بين الكرد والعرب تارة، وبين الكرد والكرد تارة أخرى، عن طريق دعاية “تسليم روج آفا للعرب” لمخاطبة الجمهور الكردي، وتأليبه ضد الإدارة الذاتية والتبرأ منها وكذلك تجريدها من الدعم الشعبي، ومن طرف آخر مخاطبة الجمهور العربي بأن “القوات الكردية تدخل المناطق العربية”. وتحاول تلك القوى عن طريق هكذا شكل من الدعاية خلق التوتر والانقسام في المجتمع وتوسيع الهوة بين أبناءه، وإحداث نقاط التوغل فيه، وإيجاد مبرراته تستند إلى العرقية والمذهبية.
5- تهيئة الأرضية للتحرك الاستخباراتي والأمني واتهام الادارة الذاتية بإعتقال السياسيين عند ملاحقتها للمجموعات المتواطئة مع الأطراف التي تهاجم روج آفا، والعمل على استفزاز القيم المجتمعية والوطنية. وكذلك قلب الحقائق وإظهار صورة معاكسة لما يجري بحيث تبدو الضحية مجرماً والمجرم ضحية، وخاصة بعد كشف خططها “دعاية الاستضعاف”.
6- دعاية التهديد المستمر، والحرب مضمونة النتائج: بغية ثني المقاومة ضد مشاريعها، تقوم القوى المهاجِمة بنشر هذا الأسلوب من الدعاية التي تفترض نجاح حربها المزعوم وعدم جدوى المقاومة، وكذلك تلجأ دوماً إلى الاستعراض العسكري ونقل قواتها العسكرية أمام كاميرات وسائل الإعلام غير آبهة بالتهديدات، بهدف خلق الرعب وسلب الإرادة وكذلك تغيير اتجاهات أفراد المجتمع ودفعهم إلى التفكير في “الخلاص الفردي” والهجرة، وخاصة فئة الشباب.
7- تضخيم الأحداث والأزمات التي عانت منها روج آفا جراء الحرب والحصار “دعاية الأزمة”، وتسويقها إعلامياً على أنها بسبب سوء الإدارة والتدبير، والاستفادة من أخطاء بعض العاملين الفاسدين.
8- زيادة حدة الانقسامات والصراعات وتبرير العمل تحت راية العدو للتخلص من المحاسبة الأخلاقية والاجتماعية، وتبرير الهجمات.
9- إبراز خسائر الحرب وتضخيمها، والعمل على تخويف الناس من الانخراط في المقاومة، وإحداث حالة من التردد والتقاعس، ومن جهة أخرى، التقليل من أهمية إنجازات المقاومة بعد نجاحها، ووصفها بأنها بسيطة وغير جوهرية.
10- دعاية “قوة السلاح واحتكاره” التي لا ترى في المكتسبات سوى نتائج للسلاح، في الوقت الذي لا تهدأ فوهات المدافع في قصفها لمناطق روج آفا، فأن التشهير بالمكتسبات المتحققة من هذه الزاوية تهدف إلى إيجاد حواجز بين الوضع القائم على تلك المكتسبات والوضع المراد الوصول إليه، وتحديد عمر محدد للثورة ينتهي بانتهاء التهديد العسكري، دون السماح باستكمال الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للثورة.
11- تشويه صورة قوات المقاومة والتشكيك بقدرتها العسكرية والتنظيمية، ونشر كل ما يحط من أهمية تضحياتها، واستغلال بعض الكرد لنشر دعايات التشويه ضدها، والعمل على استمالة بعض أطراف تلك القوات بغية تشتيتها وزرع الفرقة بينها.
12- دعاية الدفاع عن النفس: تدعي القوى المهاجِمة دوماً بأنها تدافع عن نفسها، وأن حربها جزء من التزام قطعته تجاه شعوبها، لذا تروّج دائماً للحرب العسكرية وتحاول كسب تأييد شعوبها ومؤسساتها العسكرية والأمنية، تماماً كما تقوم بها الدولة التركية التي تتوغل في سورية متى ما تشاء بحجة إبعاد الخطر عن حدودها، بينما تبني مخيمات عسكرية للمجموعات المسلحة على اختلاف تسمياتها وعقائدها وتوفر لهم الدعم العسكري واللوجستي.
تلك الأساليب وغيرها، تهدف إلى تضليل الرأي العام سواء في الداخل والخارج وإخضاعه لإرادته وسياساته، وتحطيم المكتسبات وإلحاق الضرر بها، إضافة إلى إحداث التخريب في المقاربات الوطنية وجعلها مادة للندم بالنسبة لشعوب روج آفا، والسيطرة على طرق التفكير للشعوب “كي الوعي” بغية خلق التردد والتراجع عن المبادئ والقيم، وإغراقه في الأزمات المفتعلة.
إلى جانب استخدام حرب الدعاية، لجأت تلك القوى إلى العديد من أساليب الحرب الخاصة، وكان أهمها فرض الحصار والتجويع اعتماداً على نظرية “جفف البحر، ستخرج الأسماك لوحدها إلى الخارج”، حيث قامت تلك القوى بفرض شروط قاسية للحصار بالتوازي مع التشويق للهجرة وخاصة فئة الشباب، فأعدت المخيمات في اقليم جنوب كردستان وكذلك في المناطق الحدودية وأزالت الأسلاك الشائكة بعد النفخ في العدو “جبهة النصرة – داعش” وخلق حالة ترغيبية عن طريق وسائل الإعلام لجذب الأنظار إلى تلك المخيمات، واللجوء إليها ومن ثم استخدامها كدعاية سياسية ضد قوات روج آفا.
كذلك، جندت تلك القوى العشرات من الكتاب والصحفيين الكرد والعرب بهدف تشويه سمعة قوات الـ YPG و YPJوقوات سوريا الديمقراطية وكتابة التقارير الوهمية حول عملياتها العسكرية في المناطق المحتلة من قبل داعش. وبناء نشرات إخبارية خاصة لملف روج آفا وبث تقارير مفبركة حول الأحداث والتطورات الحاصلة “التجييش الإعلامي”.
خاتمة:
الحرب الخاصة التي تستهدف روج آفا تندرج ضمن إطار الحرب القذرة لما تستخدمه من أساليب غير أخلاقية وغير إنسانية، مستندة إلى الكذب والكذب المطلق في تشويه سمعة المكتسبات والتضحيات، وهي، إن وقفت عاجزة في تحقيق أهدافها لحد الآن فأن ذلك يعود إلى البناء النفسي المتماسك لشعوب روج آفا وكذلك التعبئة السياسية والأمنية والعقائدة للنظام القائم في روج آفا – شمال سوريا، التي ساعدت في التفريق بين العدو الحقيقي وأساليبه الدعائية ومدى خطورته، فيما كانت حماقات الجهات المهاجِمة بارزة في التشكيك بادعائاته الانسانية في التقرب من الشعوب التي شاهدت بعينيه التخريبات والمجازر التي حصلت جراء تدخل تلك الجهات في الوضع السوري، فيما تبقى للأجهزة الدفاعية للشعوب من قيم اجتماعية وأخلاقية ومبادئ إنسانية ووطنية الدور الأساسي في إفشال تلك الهجمات.

Share.

Comments are closed.