هذا الخراب المظلم

0

هذا الخراب المظلم

جوتيار تمر/ كوردستان

كانت الشمس تختبئ شيئاً فشيئاً وراء الافق، والظلام بدأ يتسرب رويداً رويداً الى اوردة الوجود، والاحياء معاً، وكانت الطفلة ايلا ابنة الخامسة من عمرها، تعبث ببعض العاب لها، حين وجدت والدها الميؤس جالس على اريكة تكاد لاتحتمل وجود والدها ويأسه معاً عليها، نظرت اليه ، مضت اليه ، انتبه لها والدها ففتح ذارعيه وضمها وكأنه لم يضم ابنته قبل اليوم، ودون وعي منه سقطت دمعة من عينيه على خدها النضر الشفاف الجميل، فرفعت رأسها قالت بابا أتبكي، افلتت نفسها من بين ذراعيه، وهرعت بسرعة الى امها.. ماما ماما.. بابا يبكي … لم تعرف الام ماذا تفعل.. نهضت من فورها وركضت هي الاخرى الى زوجها، ودون مقدمات مابك زوجي العزيز .. لماذا كنت تبكي… ما الذي…. قبل ان تكمل كلامها نظر اليها الزوج قال لاشيء لاتقلقي.. هي دمعة سقطت في لحظة حنين وخوف وقلق على مصير هذه الطفلة بين هذه الانياب التي تحيط بنا من كل صوب.. فهدأت الزوجة ووضعت رأسها على كتف زوجها وضمت راس ابنتها الى راسها.. قالت سيدبرها من اوجدها.. لاتفكر كثيراً في الامر طالما نعيش ونجد ما نأكله ونتوارى تحته من الظلام والبرد والحر.. لم ينطق الزوج بكلمة.. احتضن الاثنين معاً.. وقبل رأسيهما.. وبعد لحظات عادت الام لعملها.. والطفلة الى العابها.. وهو حمل اريكته المهترئة بالقرب من نافذة صغيرة تطل على الافق.. فنظر بتمعن.. وتمتم أ يوجد في الوجود ما يمكنه ان يوقف مد الخراب .. اني اتساءل كيف للانسان ان يكافح من اجل البقاء وابعاد الخراب عن نفسه وهو نفسه الذي يعطي للخراب معناه الحقيقي.. فالخراب لايتناسل من الفراغ و لا من الهواء او من الطبيعة.. لكنه باختصار مجرد فعل بشري يناقض كينونته التي من المفروض ان يكون عليه..وكذا كل الامور الاخرى التي تثير الدهشة وتبعث اليأس وتسبب في تعاسة الانسان على الخراب الارضي الشقي.. كان الظلام حالكاً جداً ولم يكن بصره يلتقط سوى بعض الانجم التي تخرج من بين الغيوم تارة وتختفي تارة اخرى، فتمتم ان حياتنا اصبحت كوجود تلك النجمات، فالسماء تحضنها.. وتحضن الغيوم.. وكلاهما يناقض الاخر من حيث مهمته في الوجود او في السنن الكونية.. احداها يبعث الضوء والاخر يحجبه.. على الرغم من وجودهما في السماء ذاتها، ومع اختلاف بسيط في التشبيه الارضي الخرابي.. فالانسان منقسم على ذاته.. بعضه يبعث الضوء والاخر يحجب الضوء.. حتى اصبح الجزء الذي يحجب هو الطاغي لان الاول لم يصمد امام رغبة الاخير في التفوق.. واعتقد بان الانسان في بداية تقنينه للخراب والقتل انتهج هذا الطريق.. فالمقتول لم يصمد ولم يكافح بما فيه الكفاية لصد القاتل فغلب القاتل وشرع الظلام.. وها نحن نحصد شرعته.. وقانونه…حتى الارهاب الذي يقال ان لادين له.. اجده الدين الفعلي والتشريع الاساسي للانسان لكونه استستلم منذ البدء لهذه الرغبة، رغبة القتل واقصاء الاخر.. على الرغم من وجود الجانب الاخر، لكنه كان اضعف من ان يتحمل ويصمد فتخاذل مع ذاته، وشرع سنة التخاذل بجانب سنة الاقصاء.. لم يشعر بالوقت.. حتى وجد ابنته تمسك بيده وتقول له بابا ألن تلعب معي.. فانتبه للوقت وادرك بان الظلام لايتوقف عند الابواب انما يتخطاها للداخل… فجلس مع ابنته وبدأ يلعب معها… وسمعا معاً صوت الام وهي تنادي عليهما تعالا لكي تأكلا لقمة.. فامسك بيد ابنته وبخطى ثقيلة ذهب وتناولا العشاء.. خبز وبعض الطماطم المقلية مع البصل.. وكوبين من الماء فقط.. الام والاب يشربا من كوب واحد والطفلة من كوبها..والصورة تتحدث عن نفسها لمعرفة كيف هي الاحوال.
بعد العشاء توجهت الام مع ابنتها الى السرير كي تنام الطفلة.. وبعد نصف ساعة تقريبا كانت ايلا غارقة في نومها العميق.. فاتت الزوجة الى حيث يجلس زوجها وقالت له دع عنك هذا التفكير.. انتبه لنفسك ان تدفن روحك بين هذا الخراب ولاتعلم ذلك.. قال زوجتي العزيزة ميرا.. ان الفوضى حين تعم.. تأخذ الجزء النوراني من الروح ولاتبقي سوى الجزء المعتم حيث لاشيء يجدي وقتها معها سوى السير نحو مصيرها.. دمعت عينا الزوجة.. وما المصير الذي تراه انت.. رد بوجع نهاجر..وقعت الزوجة من هول الصدمة..للبحر تقودنا.. قال وهل يوجد الان على هذا الخرب وبين هولاء الذئاب بكل اصنافهم ارحم من البحر للبشر.. قالت لكن ايلا.. قال اعلم اعلم لكني اخشى ان تقع بين يدي هولاء.. سيقتلوني ويجعلونك سبية.. لكن ماذا بشأنها.. لن يرحموا طفولتها.. فالارهاب حين يتسيد يجعل لكل فعلة سند، وكل سند عندهم مقدس، والمقدس عندهم شرع منزل من السماء.. والسماء نفسها فتحت الثغرات كي يتسلل منها هولاء لتبرير افعالهم الدنيئة والوحشية.. حتى جعلوا البشرية محشورة في الزاوية الخانقة التي تضعها على الحافة بانتظار الكوراث، فالارهاب لايهلك الاخر فحسب انما يهلك ماتبقى من البشرية ومن ضمنها انفسهم باعتبارهم محسوبين على البشر.. ثم الا تعلمين بأن السماء نفسها هي التي تحضن بين اروقتها النجوم والغيوم السوداء.. لم تنطق الزوجة بكلمة.. وقفت على رجليها بعد ان استعادة بعض قواها.. مدت يدها اليه.. فامسك بها، سحبته بقوة لصدرها.. وضمت رأسه.. وقبلته.. وبدا وكأنه استسلم لها نهائياً.. وبدأ يقبل صدرها الحنون.. ويطوق خصرها بيديه.. وكأن السماء لوهلة تغافلت عن بث الرعب في نفسيهما.. والارض لثواني صمتت امام هذا المشهد.. وبعد لحظة اندماج واتحاد..رفع سازان رأسه.. وقبل شفتيها.. ونظر الى الغرفة.. قالت اعلم ايلا لوحدها.. مضت الى طفلتها تبكي بصمت حارق..وما هي ايام قليلة حتى وجدوا انفسهم بين يدي احد صائدي الارواح.. وعلى قارب مطاطي وفي مواجهة البحر.. وهنا تكمن الغرابة التي تفرضها عبثية الواقع، لايمضي يوم دون ان يسمع البشر ان المئات من الجثث انتشلت من البحر..ولكنهم في الوقت نفسه يصرون على مواجهة الامواج، ليس الامر بنظري يأتي من اليأس وحده، انما من القناعة التي باتت مؤكدة لديهم.. ان البحر وامواجه وحتى الاحياء بداخله ارحم من التواجد بين اقرانهم البشر، فهذا الاخير يفترس بشراسة وبدون اية رحمة.. يفجر نفسه فتتلاشى الاشلاء وتتناثر في البقاع، يطلق غازا ساماً فيسقط الالاف في اماكنهم دون حراك، يطلق رصاصة تصيب الجمجمة فيتهاوى ارضاً، وفي كل يوم يبدع في صناعة الات الموت، وينسى عمداً ان الحياة تتطلب صناعة الات اخرى تناقض الموت.. بينما البحر يترك متنفسا على الاقل كي يمسك الاب يد زوجته وهو محتضن لابنته.. قبل ان يضمهم الى اعماقه ويقطع عنهم التنفس.. كان الاب يضم ايلا لصدره وكأنه يريد ان يعصرها او يقحمها بين اضلعه، ولف خصره النحيف فوق الحزام بحبل وطلب من زوجته ان تتمسك به ولاتفلته حتى لو سحب الموج كلهم معاً.. نظرت الزوجة اليه حين سمعه يقول ذلك فابتسمت بصمت ودمعت عيناها، وتمتمت مع روحها، انه يريد للبحر ان يضمنا معاً كي لايفرقنا البشر.، وتمتمت اعلم ما يجوب في فكرك.. ولن اناقشك ليس لانك لاتسمع لرأي.. لكن لكوني مدركة تماما لكل ما قلته وتقوله، واعلم بان ما يحصل لنا اجمالا هو نتاج قيمنا البشرية التي على الرغم من انها منا الا اننا لانطيقها، وهي بالتالي الهوية التي يعرف به وجودنا الادمي.. فضلا عن كل العقليات الموروثة التي التفحت بالظلام المكدس عبر الاجيال وتناقلتها العقول المهترئة المتصدأة في جوفها،. نعم عزيزي لهذا كله ولايماني بانك على حق اسير معك للمجهول الذي ارتضيته انت لنا معاً.. تلاطمت الامواج.. اعتصرا الثلاثة معاً.. تهاوت الام حاول الاب ان يمسكها لكن ايلا قيدته.. ابتعدت الام وهي تنظر اليهم بصمت وحتى لاتصرخ.. تطمرها الموج ويعليها.. نظر الاب الى ايلا.. وكأن ايلا وقتها فتاة ناضجة فهمت رسالة والدها امسكت بيده والتحقا معا بالام.
ادرك الاب بان لاشيء يوقف الارهاب والظلام البشري، لكونه ظلام متأصل فيه ومتجذر في كينونته، فالارهاب لاحدود له، قد يتخلص من مغتصبي النساء وذابحي البشر هنا..لكنه سيقع بين براثين شظايا متفجراتهم في اي مكان اخر على هذا الخراب..لذا وجد بأن البحر وحده سيضمن بقاء اجسادهم بعيدة عن منال هولاء.. فلن يدنسها افكارهم ولا حقدهم ولا حتى ظلامهم.

23/3/2016

Comments are closed.