كَشْف حساب

0

كَشْف حساب

محمد النجاري
ذهبتُ مع خطيبتي، في شهر نيسان سنة1975، إلى قصر الزواج في موسكو طالبين تحديد يوم لعقد زواجنا، فأجابت الموظفة المسؤولة:”لا توجد في الأيام بل الأشهر القريبة القادمة أي فراغ. سوى يوم الثالث عشر من شهر مايو- آيار المقبل، لأن الناس لا يرغبون في الرقم13 ولا في شهر مايو، فالفعل الروسي” مايتسا”، يعني”الشنططة” طوال العمر، فهل ترضون بالرقم والشهر المذكورين؟”
رضينا. ثم تزوجنا في الثالث عشر من شهر أيار سنة 1975.
عشتُ في قرية”خربيه كوجكيه”- مسقط رأسي- عشر سنوات، وفي عامودا سنتين وفي الحسكة عشر سنوات وفي موسكو عشر سنوات وفي دمشق اثنتي عشرة سنة وفي ليبيا أربع سنوات وفي كندا ثلاث وعشرين سنة حتى تاريخه.
إذا سألتني إلى أي مكان أنتمي، أقول إلى كل مكان أقمتُ فيه، ولكن يبدو أنني تركتُ قسماً كبيراً من روحي في قريتي، لأنها لا تكف عن زيارتي في الأحلام حتى اليوم!
درستُ سبع وعشرين سنة. رسبت في الصف السادس الإبتدائي بسبب”ذات الرئة”، وفي الصف الحادي عشر بسبب الغش في الإمتحانات، وفي الصفوف: التاسع والعاشر والثاني عشر بسبب السياسة: كان والدي يردّد لي في غضون سنوات الرسوب:”أتمنى أن أرى كتاباً مدرسياً واحداً في يدك ذات يوم، يا ولدي!” ويوقف صلاته أحياناً ويلتفت إليّ وإلى أخوتي فجأة ويهتف:”يعيش خالد بكداش، يعيش، يعيش!”
كانت أول رسالة بعثتها لأهلي من موسكو بعد وصولي إليها في صيف1971مرفقة بصورة شخصية لي أحمل فيها القاموس الروسي- العربي السميك،مهداة إلى أبي!
عملتُ في التدريس خمس سنوات:معلماً للرياضة، بعد البكَلوريا، سنة واحدة، ومدرّساً للأدب الروسي في جامعة طرابلس، أربع سنوات.
بعد الإنتقال من القرية ودارنا الكبيرة، التي كان”الجمل يضيع فيها”،كما يقول المثل الكردي، أقمت في بيتين في عامودا وأربعة بيوت في الحسكة، وفي غرف كثيرة في سكن الطلاب في موسكو، موزّعة على الطوابق:الخامس والرابع والتاسع والثامن عشر والثاني والعشرين ثم الخامس والثلاثين في مبنى جامعة موسكو الرئيسي، وفي أربع شِقق في دمشق وأربع شِقق في مونريال، وثلاث شقق في طرابلس.
سبحتُ في البحار:الأبيض والأسود وقزوين، وفي الخليج الفنلندي. وفي بحيرات:”بالاتون” في المجر، الشهيرة بمياهها البيضاء مثل الحليب، و”ميجورينسكيا موريه” في أذربيجان المشهورة بمائها العذب، وبحيرتين صغيرتين في ضواحي موسكو. وزرت بحيرة الخاتونية في الهول، ولم أسبح فيها لأنها كانت قد انحسرت إنحساراً مأسوياً. كما سبحتُ في الأنهار:الخابور والجغجغ وفولغا و”ماسكفا ريكا” و”سان- لوران”. ولكن قبلها كلها في نهير”خربيه كوجكيه” الذي كان يفيض في الربيع ويغمر بيادر القرية بالمياه! وفي برك عيون كثيرة في ريف ديريك. وفي بركة عين الشيخ عيس الكبريتية القريبة من جسر الشغور! وفي برك الماء في قريتنا مع البط والإوز، وفي مسبح شرمولا في عامودا، ومسابح الحسكة ورميلان والشام وموسكو وبودابيست ومونريال الصيفية والشتوية.
زرت عشرين عاصمة في العالم، وعشرات المدن وثلاث جزر: أرواد وقبرص وقرقنة. أقيم حالياً في جزيرة مونريال.
سافرت على متن طائرات إحدى عشرة دولة. وفي قطارات عشرة دول.
كانت أطول رحلاتي على سكك الحديد:من موسكو إلى سوتشي ومن موسكو إلى بودابيست ومن بودابيست إلى برلين. وأقصرها من دمشق إلى درعا، ومن دمشق إلى الزبداني، ومن الحسكة إلى حلب ومن حلب إلى اللاذقية. و في البرّ، كان أطولها:من طرابلس إلى القاهرة ومن القاهرة إلى بنغازي ومن الحسكة إلى دمشق، وأقصرها من القرية إلى عامودا ومن الحسكة إلى خربيه كوجكيه. وفي الجو، كان أطولها من مونريال إلى إستنبول. وأقصرها من دمشق إلى اللاذقية ومن دير الزور إلى دمشق ومن يريفان إلى تيبليسي ومن تونس إلى جربا.
سافرت ذات يوم مع أثنين من أشقائي الكبار من الحسكة إلى القرية- مسافة أقل من ساعة- في”البيكاب”. وكانا يردّدان طوال الطريق:”مكانك غير مريح، سامحنا!” ولم يهدآ إلا عندما أكّدتُ لهما بأن هذه أقصر رحلة أقوم بها في حياتي، وبأنها ليست متعبة أبداً!
وماذا بعد…

Comments are closed.