أف 16

0

أف 16

حسين عمر

زئير الطائرة بدأ يقترب من مكان تمركزنا، وقف هوزان وركز حواسه نحو اتجاه الصوت وقال: هفالنو إنها أف 16 وهي خطيرة جدا علينا أن نحتاط، واستمر: تعلمون بانها تحمل صواريخ موجه وهي خطيرة جدا لهذا علينا التفرق والابتعاد على الأقل مسافة مقبولة بين كل رفيق وآخر،
وقبل أن ينهي قائد المجموعة حديثه مرت المقاتلة كالبرق فوق رؤوسنا وهزت أركان المكان حتى أننا اعتقدنا إنها أطلقت برميلا متفجرا من شدة قوة الصوت، ارتبكنا قليلا ولكننا تلافينا الصدمة بثواني وحمل كل واحد منا سلاحه وركض إلى مكان يحتمي به. لم يكن سهلا في تلك البقعة أن يجد أكثر من أربعون مقاتلا أماكن للاحتماء من الضربات الجوية والاختباء عن المناظير الدقيقة الموجودة في تلك اللعينة المسماة ب أف 16 والتي تحتوي على معدات الكرتونية وكشفية متطورة جدا قدمتها حكومة إسرائيل اللعينة لفاشيي تركيا، لا بل يقال بان الخبراء الإسرائيليين أنفسهم متواجدون مع طاقم الطائرة من الأتراك كي يقوموا باستخدام تلك التقنيات التي لا يكشفون عن سرها للأتراك.
-واذا حدثتكم عن مكان تواجدنا لا بد أنكم ستعتبروننا مقاتلين هواة , نعم لا يمكث في مثل تلك الإمكان في الحروب الثورية بين قوات متنقلة وعدو حاكم يملك الألاف من المدافع والدبابات والمئات من الطائرات والمئات الألاف من العساكر , الا من لا يهمه حياته وحتى في هذه الفرضية يمكن القول بان المقاتلين من اجل الحركة لا يهمهم حياتهم بقدر اهتمامهم بما ستحقق تلك الحياة من إنجازات على الصعيد الوطني وحتى الشخصي , بكل الأحوال لم نتمركز بذلك المكان الخطر والتي لا يتواجد فيه وحوله الا بعض الأشجار الغابية المتفرقة , وبعض الصخور الموزعة هناك وهناك ونهير صغير يسير بخجل نحو مصبه الا بسبب الأمان نفسه الذي نتحدث عنه . وصلنا إلى هناك في وقت لم يعد بإمكاننا التحرك منه بسبب الأرض السهلية ووجود مراقبة جوية وأرضية مكثفة للعدو. قررنا التمركز كي لا ننكشف ويفرض علينا معركة اقل ما يقال عنها بان ستكون بخسائر غير متوقعة.
كانت وجهتنا ونقطة وصولنا المفترضة هو جبل جراف هناك حيث مقر قيادة منطقة كارسا (Garsa)، وفي الطريق تعرضنا لكمين اضطررنا أن نتراجع مسافة للخلف ونحاول الالتفاف عليه، لم يكن ذلك سهلا فقد افترق بعض الرفاق عن المجموعة الذين كانوا في المقدمة فهم لم يستطيعوا التراجع للخلف مثلنا ولكنهم حاولوا تخطي الكمين، وهكذا تشتتنا، بعد أن نفذنا الالتفاف حول الكمين وعرفنا بوجود أربعة رفاق غير موجودين مع المجموعة.
ذكر الرفيق شاهين الذي كان خلفهم تماما بأنهم تابعوا السير ولم يتوقفوا أو يتراجعوا كما فعلنا نحن. وتوقع بأنهم أحياء ولهذا كان لا بد لنا من إيجادهم قبل الوصول إلى مقر قيادة كارسا. كنا نتوقع بأنهم سيجدوننا لأنهم أدلاء ويعرفون المنطقة بكل تلالها ووديانها وصخورها، لكن ونحن نتحدث عنهم وإذا بعشرات لابل مئات من الطلقات تشق عنان المنطقة، فقد وقع الرفاق الأربعة في كمين آخر. ركض شاهين إلى اعلى التلة القريبة ليراقب اتجاه سير الطلقات ويحدد بالتالي مكان الكمين ويتوقع اتجاه الرفاق الذي سيحاولون التخلص من الكمين والابتعاد عنها للوصول إلى منطقة أمنة قبل بزوغ الضوء. عاد شاهين بسرعة.
– يلا هفالنو، علينا الإسراع يجب أن نصل إلى دولا شهيد سرهد هناك يمكننا التمركز حتى المسا والا فأننا سنكون وجه لوجه مع معركة خاسرة. أسرع الجميع الخطى وخفت أصوات الرصاص شيئا فشيئا حتى اختفت نهائيا.
قطعنا المرحلة المهمة من مسيرتنا، ابتعدنا عن الأماكن المحتملة لكمائن العدو ولكن ما ظل يشغل بالنا، الرفاق الأربعة، الذين تعرضوا لكمينين متتالين.
بدأ شاهين ينادي عن طريق اللاسلكي: ناف خوش ناف خوش. وكرر لعدة مرات.
-هفال زاغروس قبل قليل التقطنا إشارة منه ولكنه انقطع فجأة.
-باشه هفال حاول أنت أيضا أن تتصل به وكن على اتصال معنا أيضا.
– ناف خوش ناف خوش جاوب ….
اقترب الدليل من شاهين وقال له: هفال لا يمكننا السير أكثر من ذلك وراء تلك التلة منطقة مكشوفة على العدو لا يمكننا التمركز هناك وكما ترى بدأ النهار ينشر خيوطه.
بدأت المجموعة تتوزع في الوادي على مسافات معينة وصعد سيبان وأمد إلى التلة القريبة التي سيمكنهم من فوقها مراقبة المنطقة، واخد بقية أعضاء المجموعة أماكنهم واستلقوا ليأخذوا قسطا من الراحة ويخلدوا للنوم حين شروق الشمس،
بقي شاهين متوترا، في داخله، حاول أن يسترخي قليلا، اخرج كيس التبغ من جيب سرواله وبدأ يلف السيكارة تلو الأخرى في محاولة للإلهاء، لم يكن جهاز اللاسلكي الذي اسنده على الصخرة الصغيرة المرتخية بجانبه يصمت لحظة واحدة. لقد كانت هناك حركة غير طبيعية في الجوار هكذا عرف من أحاديث العدو من خلال اتصالاتهم اللاسلكية، كما أن زوزان كانت تمده بالمعلومات الأولية حول الوضع في المنطقة بشكل عام.
أكدت له بان الوضع في حدود رؤيتهم طبيعة وليست هناك أية تحركات مشبوهة للعدو وهو لم يتحرك اليوم صباحا من مواقعه الا الحرس الذي يتم تبديله.
– ناف خوش، ناف خوش ياهو برسف بده (جاوب). لم ينقطع في محاولة أنشاء اتصال مع رفاقه الأربعة الذين انفصلوا عنهم حين الوقوع في الكمين.
– أيعقل أن يكونوا قد استشهدوا؟!!! واستدرك: لا لا، يبدو انهم في موقع لا يمكنهم التقاط إشارتنا اللاسلكية.
اقترب منه سيدو: هل أضع أبريق الشاي على النار، بكل الأحوال لا يمكننا التحرك من هنا حتى المساء، اعتقد علينا أن نفطر،
كانت الساعة تقارب الحادية عشرة، الساعات تمر بتثاقل فظيع هذا اليوم، ينتظر شاهين بفارغ الصبر أن تصبح الساعة الثانية بعد الظهر، ليرتاح ويطمأن لان العدو بعد تلك الساعة ينسحب من النقاط التي انتشر فيها صباحا ويعود إلى مراكزه، وبكل الأحوال بعد الثانية لا خوف حتى إذا جرت معركة بينهم وبين العدو فالساعة تهرب نحو المغيب وعند المغيب تصبح قوات العدو المنتشرة في المعركة هدفا سهلا لشاهين ورفاقه،
أصبحت الساعة الحادية عشرة والنصف وأذ بصوت آمد: زاغروس، زاغروس.
-زاغروس كوهداره (يستمع).
-هفال الجو مغيم، هناك احتمال سقوط الأمطار.
-تمام هفال حذو تدابيركم.
وصرخ في رفاقه: ابتعدوا عن بعضكم حاولوا الاختباء وراء الصخور أو الأشجار حتى. لا أحد يترك شيئا في العراء المكشوف.
ولم ينتهي من كلامه حتى مرت الأف 16 كالبرق من فوقهم وأصدرت صوت اعتقد البعض منهم أنها أطلقت برميلا متفجرا”. وبعد ثواني مرت مقاتلة ثانية ومن ثم ثالثة، وفي الجهة المقابلة لهم كانت طائرة هيلوكوبتر كشفية تطير بمحاذاة جبل هركول.
يعتقد شاهين بان طابور الشهيد هوكر متمركز هناك، لكنه لم يستطع ربط توجه الطائرات المقاتلة نحو Kêla memê ذلك الجبل الحصين وبين كشف أطراف هركول وفي غضون ذلك ظهرت كشفية أخرى في الجهة الشمالية منهم فوق نقاط تمركز قوات منطقة بستا.
أدرك شاهين بان أرصاد العدو قد لاحظ شيئا في المنطقة وهو يحاول أن يجد الهدف من خلال الطائرات الكشفية ووجود الطائرات المقاتلة في الأجواء القريبة كي تعود جاهزة وبالسرعة على الأهداف التي سترسلها لهم الهكيلوبترات الكشفية.
أصبحت الساعة الثانية عشرة وعدة دقائق. عادت الأف 16 وبدأت تحوم حول منطقة تواجدهم. وبدأت المقاتلات الثلاثة تشكل طوق للمنطقة كلها. يبدو أنها تحاول التقاط الهدف لتبدأ بالقصف.
لكن ما كان يطمأن بال شاهين هو عدم وجود قوات معادية قريبة منهم ولهذا فان الطائرات لن تستطيع أحداث خسائر لقوته، الا إذا قصفت النقطة التي يتواجدون فيها بدقة. أصبحت الساعة الواحدة والنصف ومازالت الطائرات تحوم فوق المنطقة، يبدو أن الحالة غير طبيعية لا بل لم يرى شاهين قبل الآن بقاء الطائرات المقاتلة في الأجواء نفسها هذه الفترة الطويلة. في العادة كانت تأتي وتقصف ولا تزيد فترة بقاءها النصف ساعة وتعود أدراجها بعد أن تفرغ حمولتها،
وحينما كان شاهين مشغولا باللاسلكي ناداه جمشيد: هفال هفال، هناك طائرة تتجه نحونا ورفع شاهين رأسه قليلا وإذا بالمجرمة تتجه نحوهم وهي تخفض من ارتفاعها وتقلل من سرعتها.
– هفالنو انتبهوا ستقصفنا الطائرة هي تأخذ وضعية القصف …
– كانت العيون كلها مشدودة للأعلى، كل في مكان تمركزه ينتظر لحظة إطلاق البرميل المتفجر أو الصاروخ الموجه. وصلت فوقهم تماما وأطلقت صاروخا نحو نقطة تمركز قوات منطقة بستا، التحقت الطائرة الثانية وأطلقت هي أيضا صاروخا نحو نفس المكان والثالثة وعادت الأولى بعد أن أكملت دورتها وقصفت. ارتاح شاهين بعد أن اتضح بأنهم ليسوا الهدف المحتمل للقصف كمان أن النقطة التي يتم قصفها محصنة وفيها عدة كهوف لا تستطيع الصواريخ أو القنابل المتفجرة التأثير عليها فهي في أسفل الوادي تقريبا وارتفاع سماكة اسطحها تقدر بأكثر من ثلاثة مئة متر. ابتعدت الطائرات الكشفية ومن ثم غابت أصوات الأف 16 وبعد دقائق من التأكيد كانت الساعة قد ناهزة الثالثة عصرا
طلب شاهين من المجموعة التحضير للتحرك نحو كارسا، بالرغم من أن بعض الرفاق أرادوا شرب الشاي قبل المسير.
ضحك سيدو وقال: هفال أكلنا أرغفة الخبز الموجودة معنا على أصوات القفص، خلينا نشرب الشاي بهدوء. لكن حجة شاهين كانت اقوى فهو يريد الوصول بسرعة إلى كارسا وهناك سيشربون الشاي. قال: المسافة كما تعلمون ليست بعيدة لهذا بدل أن ننتظر حتى تجهز الشاي ونشرب، سنكون قد وصلنا إلى هناك.
يلا هفالنو سنبدأ بالمسير.
15/11/2017

Comments are closed.