“النقشبندية المقاتِلة” والطابع الإسلامي للقومية الكردية 2 – 3

1

“النقشبندية المقاتِلة” والطابع الإسلامي للقومية الكردية 2 – 3

حسين جمو

تمهيد
شكّلت حركة الإصلاحات العثمانية (خط كلخانة 1939 – خط همايون 1956) حاجة اقتصادية لاستيعاب متطلبات الاندماج في السوق الرأسمالية الصاعدة في أوروبا. تحولت الدولة العثمانية إلى سوق لتوفير المواد الأولية للمصانع الأوروبية، وعلى وجه التحديد البريطانية.
احتلت تسع سلع، هي التبغ والقطن والحرير والصوف والقمح والشعير والزبيب والتين والأفيون نحو 60% من الصادرات العثمانية بين عامي 1850 – 1870. وتحولت الدولة إلى احتياطي زراعي لاقتصاديات الدول الرأسمالية (1).
وخلال سنوات معدودة (1844 – 1859) ارتفعت قيمة الأرض بنسبة 75%، وازداد ارتفاع أسعار الأرض تسارعاً مع ازدياد الطلب على المنتجات الزراعية. فتحولت الأرض إلى سلعة مرغوبة تهاف الأقوياء للحصول عليها. وانجرف كبار التجار مع التيار الجديد، بمن فيهم المسيحيون من اليونانيين والأرمن الذين عرفوا بتوجههم نحو أعمال التجارة والنشاط الحرفي (2).
في هذه البيئة الاقتصادية الجديدة، تدهورت حركة التجارة الداخلية التي كان يتولاها تجار محليون مع وسطاء زراعيين وعشائريين، وباتت الدولة مهتمة بالحصول على كامل الانتاج بدون وسطاء لتقليل التكاليف من أجل التصدير، وبضرائب باهظة على الفلاحين في الوقت نفسه.
بتحول الدولة العثمانية إلى سوق للمواد الأولية تغيرت القواعد السياسية في علاقاتها بالمجموعات السكانية. فلم تعد تنتظر ضريبة سنوية من الأمراء الكرد في بدليس وبوطان وهكاري، بل باتت تقوم بتحصيل الضريبة عبر أنظمة جديدة وتحصل على الانتاج أيضاً بطريقة تضمن لها تحقيق الربح بشكل مضاعف. تطلبت الرؤية الجديدة إلغاء الإمارات الكردية بالنسبة للوضع في ولايات كردستان وتصاعد التوتر الديني بين المكونات والطوائف. واختفى، عموماً، من الساحة شيئاً فشيئاً السلالات العريقة التي كانت غنية في القرن الثامن عشر. وبدأ معه عهد طبقة جديدة من الأغنياء وملاكي الأراضي الكرد، هي مزيج من بقايا السلالات الأميرية وكبار طبقة شيوخ النقشبندية. لكن هذا المزيج فقد مكانته السياسية رغم الثروة التي يمتلكها أفراده.

صدمة الإصلاحات والتجارة البريطانية

إلى جانب الأمراء الكرد فقدَ مشايخ الطرق الدينية مكانتهم أمام حركة التغييرات الصادمة في بنية الدولة. وبات المسار الديني للسلطنة موضع شك من جانب مشايخ الطرق. والمسار السياسي موضع رفضٍ بالنسبة للطبقات الأميرية المهزومة.
مع ضرب الدولة للنخب الكردية الإقطاعية وتصاعد نفوذ الدول الغربية في اسطنبول بات الكرد للمرة الأولى بلا حماية ولا مرجعيات أميرية. والواقع أن حركة المقاومة النقشبندية ضد الدولة العثمانية إنما كانت في إطار “محاولة تصحيح انحراف هذه الدولة وتحيزها للمسيحيين” وليس بغرض البحث عن بديل للدولة. هذه المعادلة لا تنطبق على فترات استثنائية في علاقة النقشبندية بالدولة، وذروة التنافر كان في عام 1913 خلال ثورة بدليس التي كانت خروجاً فعلياً على السلطنة والخلافة وليس تصحيحاً لمسارها.
في المقابل، أدى ضعف إيران وتخلخلها أمام روسيا بعد معاهدة غولستان عام 1813 إلى طمأنة العثمانيين بزوال خطر التمدد الإيراني في ولاياتها الشرقية الكردية خلال القرن التاسع عشر. هذا الضعف الفارسي أدى إلى تراجع مكانة الكرد لدى السلطنة. فالكابوس الذي هدد العثمانيين طيلة ثلاثة قرون – استيلاء إيران على كردستان- منذ جالديران بات مستبعداً وبضمانات بريطانية. ورداً على ذلك، اتخذت الإمارات الكردية، بوطان وراوندوز وبادينان وهكاري، موقف الحياد في الحرب الروسية العثمانية (1828 – 1829)، وحارب الإيزيديون بقيادة حسن آغا في صفوف الجيوش الروسية (3).
لم يستثمر الروس في التناقض الكردي التركي. وبنوا توسعهم في الأراضي العثمانية بالاعتماد على العنصر الأرمني، الأمر الذي ضيّق من الخيارات الكردية في البحث عن بديل إقليمي، وتعزز بذلك تفويض الأمور للقادة الجدد: شيوخ النقشبندية.
كانت النقشبندية الكردستانية خلال حكم كل من محمود الثاني وعبدالمجيد الأول وعبدالعزيز ومراد الخامس (1808 – 1876)، تعيش فترة صدمة سياسية ساهمت في تعزيز تعصبها الديني. وتحولت تدريجياً إلى حركة عسكرية – جهادية ضد السلطنة وأبعد ما تكون عن مفاهيم الزهد الاستسلامي التي سلكتها طرق أخرى مثل المولوية والرفاعية.
وفيما تُظهر سير كبار النقشبندية في حلب ودمشق واسطنبول وبغداد، بعد وفاة مولانا خالد النقشبندي، تحولهم إلى الدعاء للسلطان وولاة الأمر، وأداة للنظام ضد بقايا البكتاشية، فإن النقشبندية الكردستانية بقيت ردحاً من الزمن قوة معارضة ضد موظفي السلطنة وجيوشها في أنحاء كردستان مع الحرص على إظهار الولاء – ولو اسمياً- للسلطان.
إن النزعة الثورية التي جاءت بها النقشبندية كانت في الحقيقة نزعة محافظة، مقاومة للتغييرات السلبية، التي اجترحتها الدولة العثمانية في بنية الدولة وطالت تأثيراتها الكرد وهددت مكانة النخب الصاعدة.
أسفرت حركة التغيرات الإدارية والاقتصادية العثمانية عن ظهور قواعد جديدة في العلاقات بين المكونات الدينية. فقد ارتفعت وتيرة التعصب الديني في أنحاء كردستان وأرمينيا، من ممر القوقاز شمالاً وحتى سنجار جنوباً. وشهد النصف الأول من القرن التاسع عشر حركة غامضة تعد امتداداً لعقود طويلة سابقة وتمثلت في إزاحة الإيزيديين من أطراف وان وهكاري وبوطان. ويعد التواجد التاريخي للإيزيديين كمكون شكل كثافة سكانية قوية في ولايات كردستانية عديدة صفحة ما زالت مغلقة إلى الآن في التاريخ الكردي. لا توجد روايات تسند تغير الخريطة الدينية في كردستان إلى مشايخ النقشبندية أو غيرهم، إلا أنه من الصعوبة بمكان أن يتم ذلك بشكل انتقائي بدون توفر غطاء ديني وسياسي (4).
يعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر بداية فعلية لافتراق النقشبندية الكردستانية عن نقشبندية المدن العثمانية الكبرى. فلم تعد المرجعية الكبيرة في بلدة نهري تقود خلفاء الطريقة في المدن الأخرى حيث انتهت القيادة المركزية مع وفاة مولانا خالد عام 1827 بدمشق. وهذا ما أدى إلى تبلور النقشبندية الكردستانية بشكل أوضح من السابق. وكان لها تأثير في تعزيز الطابع الإسلامي للقومية الكردية حتى مطلع القرن العشرين.
خلال مرحلة التوتر مع الدولة برز مجدداً التباين بين النقشبندية والقادرية. فالأولى، المحمّلة بالطموح السياسي، دخلت في صِدام مبكّر مع الدولة في مراكزها الكردستانية، فيما حافظت القادرية في السليمانية على الهدوء، وبقيت تمارس مهمتها الرئيسية في صد موجة التشيّع. ولم تقم القادرية السليمانية بعصيان ضد القضاء على إمارة بابان عام 1950، على عكس النقشبندية التي حشدت مريديها للقتال إلى جانب إمارة بوطان عام 1848.
كان سيد طه النهري الممثل الشرعي للطريقة النقشبندية في بلدة نهري بمنطقة شمزينان (شمدينلي بالتركية)، وهو الذي عيّن الشيخ عبدالرحمن البارزاني أخو الشيخ عبدالسلام الأول، خليفةً له في منطقة بارزان، ليقف ضد أطماع آغوات الزيبار. فتتحول بارزان أيضاً من القادرية إلى النقشبندية.
وسيد طه هو ابن أخ الشيخ عبدالله النهري الذي رافق مولانا خالد في رحلته إلى الهند، ووالد الشيخ عبيد الله النهري، المعروف بقيادته أكبر ثورة كردية في القرن التاسع عشر عام 1880. وهو إضافة لمكانته الدينية يعد من كبار وجهاء عشائر الهركية الشهيرة بوقائعها الحربية، رغم أنه إثنياً ينحدر من عائلة تصل نسبها إلى البيت الهاشمي. والجدير بالملاحظة أن كل مراجع الطرق الصوفية الكردية انحدروا من عشائر كبرى. كما ذكر سابقاً فخالد النقشبندي من عشيرة الجاف الكبيرة، ومعروف النودهي من العائلة البرزنجية، وسيد طه من الهركية. الأمر الذي يتيح لمشايخ الصوفية – إذا أتيحت لهم الفرصة مع الرغبة – الجمع بين السلطتين الاقطاعية والروحية.
والواقع أنه لا توجد تفسيرات كافية لانحياز شيخ النقشبندية الكبير في شمال كردستان (تركيا)، سيد طه النهري، إلى “الأمير بدرخان” في المعركة الفاصلة ضد العثمانيين عام 1847 في جزيرة بوطان. إلا أن بعض المعطيات يمكن أن تقود إلى تفسيرات أخرى. فعلى الرغم من مظاهر التسامح التي أبداها الأمير بدرخان مع رعيته من غير المسلمين إلا أنه أظهر قسوة كبيرة خلال إجبار الإيزيديين في مناطق نفوذه بالتحول إلى الإسلام. وفي عام 1843 شن هجوماً عبر 70 ألف مقاتل على منطقة قبائل التياري النسطورية.
إنّ كلاً من سيد طه النهري والأمير بدرخان، يمثلان أكبر قوتين في كردستان في تلك الفترة. ولإدراك العثمانيين ذلك فإن والي دياربكر المدعو محمد خير الدين (النقشبندي) أرسل رسائل إلى عدد من مشايخ الطريقة في كردستان، يدعوهم فيها إلى تقديم النصح للأمير بدرخان، ويرغّبهم في مد يد العون للسلطان وأركان دولته العلية، وذلك بدعوة مريدي سيد طه إلى التخلي عن الأمير الكردي وترك صفوفه (5). ولقيت دعوته استجابة من بعض الشيوخ، إلا أن النواة الرئيسية للطريقة بقيت مناهضة للعثمانيين في المعركة.
ويظهر من طبيعة الصياغة التي أرسلها الوالي “النقشبندي” إلى السلطان العثماني عبدالمجيد الأول، أنه كان مندوباً أمنياً في النقشبندية بغرض الاختراق. وهذا الأسلوب سيصبح لاحقاً من تقاليد الأمن العثماني وانتقل بعد ذلك إلى الجمهورية التركية عبر استيلاء فتح الله غولن على الطريقة النورسية القادرية بعد وفاة الشيخ سعيد النورسي عام 1960.
في معركة إمارة بوطان، ذكرت أربعة أسماء من مشايخ الطريقة النقشبندية، أبرزهم “صالح أفندي” الذي كان مسموع الكلمة لدى بدرخان، فيما غاب ظهور سيد طه، المرجع الأكبر في تلك الأنحاء، الذي نجا بعد الهزيمة عبر احتمائه بالقائد الاقطاعي موسى بك الشمزيناني. والمرجّح أن غياب سيد طه عن المشهد كان بداعي السلامة.
رغم محاولات السلطنة استمالة النقشبندية إلا أن النواة الرئيسية فيها بقيت مخلصة للأمير الكردي الأخير، بدرخان بك، ضد الجيش العثماني. أما سرّ هذا التلاقي بين الأمير والشيخ فيبدو أن بدرخان قد حقق رغبات سيد طه بالهجوم على المسيحيين لاستمالة جانبه وتوافقهما على مواجهة الخطر المشترك: أرمن اسطنبول الذين مدوا نفوذهم إلى الريف الأرمني.
من النادر أن نجد وثيقة تربط بين وقائع بدرخان مع النساطرة الآشوريين والإيزيديين – رغم شهرته بالتسامح – وبين خطط النقشبندية المقاتلة. لكن هناك رسالة بعثها القنصل البريطاني في الموصل إلى سفارة دولته في بغداد بتاريخ 19 أيلول 1846، قبل المعركة الفاصلة بعام واحد:
“في هذه المرة تحالف كل الأمراء في المنطقة.. ومع أن الأمراء الأكراد وعلى رأسهم بدرخان بك ونور الله بك وعبدالصمد بك يخاصمون بعضهم البعض ولا يتفاهمون فيما بينهم فقد طلب رجلان يعدان بينهم من الأولياء وهما الشيخ محمد الموصلي والشيخ يوسف الزاخوي ترك المنافسة فيما بينهم والاتحاد مع بدرخان بك لتدمير النصارى، وأن لهم الخيار في العودة إلى خلافاتهم بعد الانتهاء من هذه المهمة” (6).
جلب قضاء الدولة العثمانية على الإمارات الكردية، انهياراً في العلاقات الكردية الأرمنية التي كان النظام السياسي لهذه الإمارات الوراثية الضامن الوحيد لتوازن العلاقات.
سقطت إمارة بوطان، واختبأ سيد طه في الجبال. لكن لم يسلّم الكرد عموماً بالهزيمة، واعتبروها جولة في إطار مؤامرة يقودها أرمن اسطنبول الحلفاء الجدد للدولة. وحتى العقد الأول من القرن العشرين كان الأرمن ما زالوا يرددون الأغاني التي توارثوها احتفالاً بسقوط إمارة بوطان (7).
إلا أن هذا السقوط دشّن لمرحلة بائسة في التاريخ الكردي. فقد شكل نمو إمارة بوطان وتوسعها في كردستان مصدراً لتعزيز نزعة الاستقرار الطوعي لكثير من القبائل البدوية. وقدم الباحث الروسي ديتيل الذي زار كردستان وإيران بين 1842 – 1845 ملاحظة في هذا السياق:
“في وطن بدرخان يسافر الطفل وفي يديه الذهب”. ويضيف في موضع آخر: “بهذا الشكل فإن الرحّل من الجبل يأتون إلى أرض بدرخان بك ويصبحون رعيته ومحاربيه وذلك كله لأن أرض هذا الخان يسودها الأمن والهدوء والنظام” (8).
ساهمت العوامل الاقتصادية المتردية في صعود النقشبندية كملجأ للضعفاء، وكسند للأقوياء المهزومين. وينبغي التركيز عند هذه النقطة على الدور البريطاني الضاغط، ومعها روسيا، لدفع كل من الدولتين العثمانية والإيرانية التوقيع على معاهدة أرضروم عام 1847. بموجب هذه المعاهدة تم تقسيم منطقة زوهاب الحدودية بين البلدين بحيث بات القسم الأكبر ضمن حدود العثمانيين. وتعهدت إيران بعدم التدخل في شؤون منطقة السليمانية، وتنازلت عن كل حقوقها فيها. وأعطت تركيا تعهداً مماثلاً بالنسبة للمحمرة والشاطئ الأيسر لشط العرب. كما تضمنت المعاهدة وقف حركة القبائل الكردية على الحدود بين البلدين (9). وبالتالي، انقطعت مشاتي هذه القبائل عن مراعيها الصيفية بسبب الحدود.
تسلط رسالة وجهها القنصل الروسي في أرضروم، أوبرميلر، إلى سفير بلاده في اسطنبول، أغناتييف، بتاريخ 28 شباط 1873، الضوء على خروج المسألة الكردية من أيدي العثمانيين لصالح بريطانيا:
“إن الدور الأول في المسألة الكردية لا يلعبه الأتراك وإنما الانكليز”، وإن القنصل الانكليزي المحلي “لديه أدق التعليمات حول مهمة القضاء التام وإلى الأبد على المقاومة الكردية”، ولأجل هذا الغرض فإن السفير الانكليزي في اسطنبول، المدعو إيليوت، “يملك قائمة بأسماء الأكراد المتنفذين، وهو بسبيل استصدار أوامر نفيهم من كردستان” (10).
إن اضطراب منطقة كردستان وخرابها تزامن مع توغل بريطانيا في عمق الأناضول. ويتوضح ذلك في مذكرة خاصة أعدها السياسي وعالم الآثار البريطاني، ليارد، واعتمدها السفير البريطاني في اسطنبول، اللورد ستافورد كانينغ. فقد جاء فيها مشروعٍ قَلَبَ عالي كردستان سافلها وأسست لبذرة المركزية التركية. ومن بينها إمكانيات فتح طريق جديد إلى وسط إيران من خلال (أرضروم – تبريز – بغداد- كرمانشاه) وكتب ليارد أن “الخط المستقيم من البحر المتوسط إلى أصفهان يمر من اسكندرون وحلب والموصل وراوندوز، وأن الطريق من اسكندرون إلى الموصل معروفة. والقسم الباقي إلى أصفهان يظل مغلقاً. ذلك لأنه يمر عبر أقاليم تسكنها القبائل المشاغبة، ولأن السير عليها تعرقله الأطماع القسرية للسلطات المحلية، أكراداً وأتراكاً”. وشددت المذكرة على أن “الطريق الأقصر إلى فارس هي الخطوة الأولى المهمة لتوسيع تجارتنا” (11).
هكذا وجدت النقشبندية التي ورثت قيادة الكرد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر نفسها وجهاً لوجه مع بريطانيا وروسيا معاً، فيما كانت الدولة العثمانية تؤدي وظيفة اقتصادية للسوق البريطانية. أسفر هذا الوضع عن خراب عام، واختفى الثراء في كردستان، وانتشر الإقطاع المرتبط بالدولة، وتفشت المظالم بحق الفلاحين بعد فترة ازدهار قصيرة في ظل إمارة بدرخان بك. وعادت القبائل إلى توسيع غاراتها، فشهدت كردستان حرباً أهلية فوضوية أدت إلى توسع البداوة مجدداً وانهيار الحياة المدنية والزراعية.
إن شيوع التعصب الديني مع حركة الإصلاحات العثمانية تجلى أكثر في شمال كردستان، على عكس الجنوب (كردستان العراق حالياً) حيث تميزت مشيخة بارزان بالتسامح مع المسيحيين واليهود، وكانت محط إعجاب مبعوثي الدول الغربية. وهذا يظهر مرة أخرى اختلاف الأنساق في مسيرة النقشبندية بين منطقة وأخرى.
لا يمكن تحميل مسؤولية التعصب الديني في كردستان إلى النقشبندية بمعزل عن العوامل الطارئة المتمثلة في تطلع بريطانيا تحويل كردستان إلى مرر آمن للبضائع بين تبريز واسطنبول، والقوانين العثمانية الحريصة على تحسين وضع الأرمن وتهميش الكرد.
ضمن هذه الصورة الكاملة للعوامل، تبلورت ما يمكن تسميتها بـ”النقشبندية القومية”.

تتقاطع عدة عوامل في التحول الديني الكردي من التصوف الفردي إلى النقشبندية المقاتلة. وإضافة إلى الأسباب الاقتصادية والدور البريطاني، هناك أيضاً الفوضى التي سببتها البعثات التبشيرية المسيحية (الأميركية والبريطانية) منذ مطلع القرن التاسع عشر التي كانت واحدة من الجذور المؤسسة لمذابح الأرمن في الحرب العالمية الأولى. كذلك لعب تمدد روسيا إلى حدود كردستان وتوغلها المستمر في مناطق كردية بدءاً من مطلع القرن التاسع عشر دوراً بارزاً في خلخلة “التقاليد” السياسية عبر مساعي تمكين القرويين الأرمن وانخراط قسم من هؤلاء في الحملات الروسية. والعامل الهام الذي لا يحظى بمتابعات بحثية جادة هو هجرة عدد كبير من الشركس والألبان إلى كردستان إثر حرب القرم منتصف القرن التاسع عشر.
أضيف إلى التحدي الأرمني وصول أفواج هائلة من الشركس والألبان وتوطينهم على خط جغرافي فاصل بين الكرد والترك يمتد من سينوب على البحر الأسود حتى منطقة ريحانلي في لواء اسكندرون قرب البحر الأبيض المتوسط (12)، واستوطن اللاظ في طرابزون على البحر الأسود وأزاحوا بشكل سريع السكان الأرمن.
توافقت شهادات عديدة لقناصل ودبلوماسيين روس وأوروبيين في تلك الفترة عن أن “أوضاع الأرمن قد ساءت أكثر بكثير بعد توطين الشركس في شمال كردستان”.
وما زاد في التوتر هو صدور قانون الأراضي عام 1858 الذي أشعل النزاع بين الكرد الرحّل والقرويين الأرمن (13).
أدى استيطان الشركس والأبان واللاظ على الحدود بين كردستان والأناضول إلى تهميش أكبر للكرد وذعر للأرمن. فالهجرة الواسعة للشعوب المسلمة من روسيا والبلقان إلى مشارف ديار الكرد أدى إلى اعتماد الأتراك عليهم. “وقد جند العديد منهم في الجيوش التركية، حيث زرع الأتراك في كل مقاطعة من شمال كردستان تقريباً ثكنة عسكرية، كانت تضم غالباً وحدة ألبانية وشركسية منظمة” (14).
من بديهيات أوضاع مشابهة في وفود شعوب جديدة إلى مناطق مسكونة أن يتحالف السكان الأصليون. لكن هذا لم يحدث في الحالة الكردية الأرمنية. وشكل التوتر الديني فرصة للنقشبندية في قيادة الجانب الكردي من الصراع. وهي بذلك نتيجة موضوعية في ظل غياب بدائل أخرى.
ضمن هذه الأوضاع المتوترة بين الكرد والترك والأرمن، وانهيار العلاقات القديمة برّمتها، لو أن إيران كانت في وضع امبراطوري صحي، ومتحررة من الإملاءات البريطانية والروسية، فإن حدود الدولة العثمانية كانت على الأرجح ستنحسر من الشرق وصولاً إلى نهر الفرات. إن هذا الاحتمال كان يقلق البريطانيين، لذلك كانت خريصة للغاية في مفاوضات الحدود عام 1847 على ضمان عدم وصول الفُرس إلى نهر الفرات.
حمل القادة الدينيون الكرد قضية شعبهم ضمن إمكانياتهم وقدراتهم واجتهاداتهم خلال هذه المرحلة. ورغم صدق نوايا وإخلاص شيوخ النقشبندية فإن طبيعة قيادتهم لم تكن تؤهلهم للنجاة بالكرد من الخيارات الضيّقة التي تبنّوها، فضلاً عن تورط مشيخة نهري في تملك الأراضي وممارستها مظالم كبيرة على الفلاحين.
إن مراجعة تفصيلية للأحداث التي شهدتها المناطق الكردية الأرمنية المتداخلة خلال القرن التاسع عشر توضح بشكل جلي أن النقشبندية الكردستانية هي التي أفشلت الإصلاحات العثمانية التي كانت – وفق مقدماتها- ستفضي في نهاية المطاف إلى تأسيس دولة أرمنية يكون الكرد فيها رعايا. لكن في الوقت نفسه ألحقت الإصلاحات العثمانية تدميراً هائلاً بالبنية الاجتماعية والمدنية في كردستان. تقلصت المدن وسادت الفوضى في الريف وتدهورت الزراعة وتصاعدت البداوة المتمردة على مشروع توطين العشائر الذي قاده في دياربكر الوالي اسماعيل حقي، وهو كردي من بايزيد.

عبدالحميد الثاني: الإصلاح المرتبك

حاول السلطان عبدالحميد الثاني الانقلاب على إرث السلاطين الأربعة الذين سبقوه بتعطيل الإصلاحات وإيقاف العمل بالدستور وسحب المزايا الممنوحة للأرمن. إلا أن الخراب الذي ورثه الكرد خلال السنوات السابقة كان أكبر من عقد تحالف بلا حساب مع السلطان الناقم على الأرمن. مع ذلك، في الحرب الروسية العثمانية سنة 1877 – 1878، شارك الكرد بفعالية فيها ضد روسيا. وأرسل دعاة القادرية في السليمانية، والنقشبندية في نهري، آلاف الرجال للقتال ضد الروس ومحاولة إعادة مكانة الكرد التي ضاعت في الإصلاحات وسوء حسابات روسيا القيصرية معهم (15).
لحقت هزيمة كبيرة بالعثمانيين في هذه الحرب. وفرضت شروط مذلة على السلطان. وازداد صعود الأرمن برعاية القنصليات الغربية. فكانت ثورة الشيخ عبيد الله النهري النقشبندي عام 1880 بمثابة رد على هذه الهزيمة التي هددت الوجود الكردي أمام الأرمن وتراخي الدولة العثمانية في القيام بوظائفها. غير أن ولداه اللذان قادا هذه الثورة، سيد عبدالقادر ومحمد صدّيق، انساقا وراء مشاعر دينية وتم تكفير الشيعة خلال هجوم أتباعه على القوات الإيرانية في سنه ومهاباد وظهرت دعوات الجهاد في المساجد ضد “الروافض” في مياندواب حيث وقعت مجزرة بحق السكان. فانحرفت ثورته في وقت مبكر. كما ان من أسباب هجومه على إيران مطالبته بمستحقات مالية للشيخ امتنعت إيران عن دفعها. لكنه في النهاية استطاع صياغة رؤية جمعت بين فكرة كردستان واستعادة مكاسب رعيّته.
الواقع أن ثورة الشيخ عبيدالله أسهمت إلى حد كبير في بلورة صيغة بدائية للقومية الكردية شكلت أساساً في الثورات اللاحقة. وفي تقرير للقنصل البريطاني ف تبريز، وليم آبوت، خلال مجريات الثورة، كتب في برقية: “قد يكون الشيخ بسبيل بسط سلطته على رقعة أوسع من مجرد إمارة كما يؤهله له نفوذه الروحي، لكن ليس من المحتمل أن ترحب به القبائل التي تميل إلى القادرية” (16).
جاءت ردة فعل الفرس عنيفة وأحرق الجيش الإيراني نحو 200 قرية كردية وأعدم الآلاف. وبلغ عدد الكرد الذين فروا إلى الحماية العثمانية من أورميه بعد فشل الثورة نحو 70 ألفاً (17).انعكست نتائج ثورة الشيخ عبيدالله سلباً على الكثافة السكانية الكردية في إيران وأدى إلى هجرة واسعة للكرد. لكن الالتباس التاريخي في هذه الحركة يكمن في أنها لم تكن موجهة ضد العثمانيين، وهو ما يثير شكوكاً قوية تؤيدها بعض برقيات القنصليات الأجنبية في ذلك الحين، أن تحرك الشيخ جاء بموافقة وربما إيعاز من السلطان عبدالحميد الثاني الذي كان يبجّل النهري. والهدف على الأرجح خوف السلطان استغلال الإيرانيين الهزيمة العثمانية أمام روسيا والزحف باتجاه الفرات.
وحين حاول عبيدالله النهري التقرب من الأرمن، بعد هزيمته، وجد نفسه ملاحقاً من جنود السلطان، فاختار المنفى في الموصل ثم مكة، حيث توفي عام 1883 وخلّفه ابناه، عبدالقادر ومحمد صدّيق، في قيادة الطريقة النقشبندية في كردستان.

النقشبندية في عهد الاتحاد والترقي
بعد الانقلاب الدستوري على عبدالحميد الثاني عام 1908 دخلت الطرق الصوفية وفي مقدمتها القادرية والنقشبندية تحت دائرة العقاب. وحيث أن النقشبندية في أنحاء بارزان كانت، تاريخياً، على علاقة سيئة بالباب العالي، فإن الحملة ضدها زادت في عهد فاضل باشا (1909) وبات أتباع هذه المشيخة يوصفون في عهد عبدالسلام البارزاني الثاني بـ”أشقياء بارزان” (18). وتم لأول مرة اتخاذ موقع عسكري ثابت للجيش العثماني في بارزان ووُضِع طابوران من الجنود فيها (19).
استطاع عبدالرزاق بدرخان قبيل الحرب العالمية الأولى استمالة مجموعة من شيوخ النقشبندية بزعامة ملا سليم البدليسي، لقبول العمل ضد السياسة البريطانية المتحكمة بالقرار العثماني وقبول الانحياز لروسيا في أي حرب كبيرة. وهو تحول كبير لا يعرف مدى شموله رجال النقشبندية باتخاذ موقف راديكالي للمرة الأولى تجاه السلطنة التي بات يُنظر إليها على نحو واسع منذ الانقلاب على السلطان عبدالحميد عام 1908 بأنها منسلخة عن الإسلام.
كان احتمال تحالف نقشبندية بارزان بزعامة عبدالسلام البارزاني ومشيخة نهري وحلفائها، معدوماً في نظر الأتراك. لكن هذا ما حدث. فقد دفن الطرفان خلافاتهما واتحدا مع عبد الرزاق بدرخان، وضمنياً مع الروس. وجاء تحرك مشيخة بارزان في توقيت ثورة ملا سليم البدليسي. فرّ الشيخ عبدالسلام إلى أورمية وإلى تفليس لفترة وجيزة. وفي طريقه لمقابلة سمكو قرب برادوست نصب له رجال قبيلة شكاك كميناً حيث سُلّم للعثمانيين وأعدم في نهاية العام 1914 (20).
شكّل عبدالرزاق بدرخان لجنة الإرشاد بعد مؤتمر سرّي عقده القادة الكرد في أرضروم بتاريخ أيار /مايو 1913. وكان الأعضاء منقسمون في الولاء بين بريطانيا وروسيا. ويورد هوكر طاهر توفيق في كتابه “الكرد والمسألة الأرمنية” تصنيفاً يكون فيه كل من عبدالرزاق بدرخان (العلماني) وملا سليم البديليسي وسيد علي والشيخ شهاب الدين (من النقشبندية) (21) وحسين باشا الحيدران (الآغا القبلي) من الساعين إلى الدعم الروسي.
ولم يوضح موقف السليل البارز في المشيخة النهرية النقشبندية، عبدالقادر النهري وابنه عبدالله. فيما بقي حسين بدرخان وحيداً موالياً للخط البريطاني، ورغم ذلك انتخب رئيساً للحركة التي رفعت شعار استقلال كردستان. وسرعان ما اغتيل في حزيران/ يونيو 1913 في ظروف غامضة اتهم فيها الأتراك.
غير أن هذه الحادثة أخلت الطريق أمام الساعين إلى عقد صفقة مع الروس والذين طرحوا برنامجاً سخياً للغاية تجاه الأرمن لكسب الروس، على عكس حسين بدرخان الذي ركز تحركه على إزاحة الأرمن الموالين للاتحاد والترقي (22).
استلم ملا سليم البدليسي الذي كان أشهر الشخصيات الدينية، قيادة الحركة العسكرية، واقتحم بدليس فانقلب عليه الأرمن في المدينة بعد اتفاق سابق على التزامهم الحياد.
ومثلها مثل الحركات النقشبندية السابقة ضد الدولة، فإن أحد قادتها طلب من والي بدليس أثناء الهجوم على المدينة بـ”عودة الشريعة وسحب كافة الموظفين الكفّار” (23).
بذلك انتهت المحاولة الأخيرة التي منحتها النقشبندية للوفاق الكردي الأرمني في نيسان/ أبريل 1914. ولجأ ملا سليم إلى القنصلية الروسية في المدينة وتم إعدامه مع الشيوخ الآخرين، لتنتهي بذلك حركة دينية فريدة اتخذت موقفاً غير مسبوق ضد الدولة العثمانية أملاً في دعم روسيا التي لم تحرك ساكناً وانحازت إلى التيار الأساسي في سياستها الخارجية. أي تمكين الأرمن دون الشراكة مع الكرد.
من العوامل الداخلية لفشل ثورة بدليس التنافر بين الأسرتين النقشبنديتين: الأرواسية والكفروية. وهو الصراع الذي يمتد تأثيره إلى اليوم.
فور موت الشيخ طه النهري، وقع الخلاف بين العائلتين حول “الخلافة”، ثم اشتدّ الصراع بينهما بسبب المنافسة في استغلال شهرة سيد طه، حتّى بلغ ذلك إلى أبشع أشكال التباغض والشحناء. فبدأ كلّ من الطرفين يقابل الآخر بالسخرية والتهكُّم والسبّ والتكفير. ذلك أنّ الشيخ صبغةَ الله الأرواسيّ والشيخ محمدًا الكُفْرَويّ، كلاً منهما كان قد حصل على الخلافة من الشيخ طه النهريّ. وما إنْ مات طه، حتّى ادّعى كلّ من الخليفتين أنّه الوصيُّ القائم مقام شيخه وانتصر له أتباعه بحماس. فزاد في هذه الحملة أتباعُ الكُفْرَويّ: “أن الشيخ صبغةَ الله الأرواسيَّ زنديقٌ دجّالٌ مطرودٌ من الطريقة وأنّه لن يجد عُرْف الجنّة!”، زعمًا على لسان عبيد الله النهريّ. فتطوّر الأمر إلى حدّ لم يأل أيُّ طرفٍ منهما جهدًا في التشنيع على الآخر، إلى أنْ قام أبناء صبغة الله الأرواسيّ بثورة على النظام عام 1913. فلمّا زحفوا على مدينة بدليس، استغلّ أتباع الشيخ الكُفْرَويّ هذه الفرصة، فانحازوا إلى القوات العثمانيّة ضدّ الثوّار. وساعدهم رجل اسمه الشيخ محمّد الغريب من أتباع الشيخ محمّد الحزين الفرسافي الهاشمي. فاستولى على مخزن العَتَادِ والذخيرة للجنود الّذين كانوا قد هربوا من وجه الثوار. فوزّع الأسلحةَ على سكان المدينة؛ فاشتدّتْ المقاومة ضدّ الأرواسيّين حتّى عاجلتهم الهزيمة. فأُلْقِيَ القبض على قادتهم: الشيخ شهاب الدين، والسيد علي، والشيخ محمّد شيرين، كبارِ الأسرة الأرواسيّة؛ ونُفِذَ فيهم حكمُ الإعدام بسرعةٍ في مدينة بدليس. فزاد الطين بلّةً بين الأسرتين بعد هذا الحدث، واستمرّت العداوة بينهما إلى يومنا هذا (24).
كانت هذه الحركة هي الأخيرة حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. لقد أدى التدهور المديد في الوضع الاقتصادي نتيجة الإصلاحات العثمانية والسياسة التجارية البريطانية إلى توسيع الفقر بشكل غير مسبوق. ومع نهاية الحرب العالمية عام 1918 حصدت المجاعة معظم السكان. وكان قد دخلت كردستان ثلاثة جيوش كبرى: روسيا القيصرية وبريطانيا وتركيا. خلّف الروس خلال فترة توغلهم القصير في راوندوز وخانقين بكردستان الجنوبية خراباً هائلاً جعل من السكان بكافة شرائحهم يحلمون مجدداً بالسيطرة التركية.
في تشرين الثاني 1918 أظهر إحصاء سكاني انخفاض عدد سكان السليمانية من 20 ألف نسمة قبل الحرب إلى 2500 نسمة بعد الحرب. كانت الجثث تجمع في السوق كل صباح، وفي بعض الحالات كان الناس يأكلون جثث صغارهم الموتى. لقد بقيت في نهري، بلدة شيوخ النقشبندية، بقي عشرة منازل فقط من أصل 250. وفي راوندوز 60 منزلاً من أصل 2000. وبقيت ثلاث قرى من أصل 100 قرية من قرى قبيلة “بالك” لم تسوّ بالأرض. ومن أصل ألف عائلة تقريبا من قبيلة برادوست عند بداية الحرب، بقيت 157 عائلة فقط على قيد الحياة (25).

نهري وبارزان والسليمانية

شكلت هزيمة المرجع النقشبندي الأبرز في عام 1880 فرصة لصعود نجم مشيخة جديدة ستكون المركز الأبرز للنقشبندية القومية خلال القرن العشرين، وهي مشيخة بارزان.
اختلفت رؤية الإصلاح الاجتماعي بين قطبي النقشبندية: نهري وبارزان.
زاوجت مشيخة نهري بين السلطتين الدينية والمادية وأنتجت أرستقراطية دينية قوية. وكان المشايخ من كبار ملاكي الأرض وأبقوا على نظام الفروق الطبقية ولم يكن في مصلحتهم تعديل النظام الطبقي بشكل ثوري.
وتشير فقرات هامة من مذكرات وفائي، الشاعر الذي عاصر الشيخ عبيدالله النهري، إلى سكوت الشيخ محمد صالح، الذي حكم المشيخة بعد وفاة سيد طه (الأول) سنة 1853، عن انتهاكات جرت في عهده ضد الفلاحين من جانب الإقطاعيين. وعلى الرغم من أن مشيخة نهري في عهد عبيد الله، آخر أعظم شيوخها وأشهرهم، التزمت بدعم الفقراء أكثر من السابق، فإن ذلك لم يصل حد تعديل العلاقة بين الفلاحين ومالكي الأرض. بالتالي، عمقت هذه المشيخة الفروق الطبقية (26).
تعود بدايات الصراع بين مشيختي شمال كردستان وجنوبها إلى منتصف القرن التاسع حين اتخذ الشيخ عبدالسلام البارزاني (الأول) لقب “غوث” لنفسه، وهو أعظم ألقاب النقشبندية. فشنّت مشيخة نهري حملة قاسية اضطر على إثرها عبدالسلام إلى الاختباء.
قُبيل إعلان عبيد الله النهري ثورته عام 1880 أعلنت مشيخة بارزان بزعامة محمد بن عبدالسلام البارزاني خضوعها له. إلا أنه بعد فشل النهري في ثورته التي لم يشترك فيها البارزانيون، حصلت مشيخة بارزان على فرصة ذهبية للتحرر من مرجعية نهري.
في العام 1895 واجهت مشيخة بارزان أكبر تحالف ضدها وخطراً وجودياً تألف من قبائل الزيبار ومشيخة نهري بقيادة محمد صديق ابن عبيدالله ومشيخة وقبيلة سورجي ومشيخة لولان البرادوستية. وتم احتلال بارزان نفسها.
التحول الأكبر في مسار النقشبندية تم في عام 1902 حين أعلنت بارزان برنامجها الاقتصادي في عهد عبدالسلام الثاني: إلغاء الملكية الخاصة وإعلان الحرب على اقطاعية الزيبار (27).
شهدت منطقة بهدينان بوادر تحول طبقي وانقلاباً في موازين القوى في مفارقة اجتماعية تمثلت بتمكن الفلاحين من ارتكاب فظائع بحق الإقطاعيين المهزومين من قبائل زيبار ومزوري. وهذا الحراك الفلاحي المنظم هو الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الاجتماعية الكردية، وما كان له أن يتم لولا وقوف مشيخة بارزان إلى جانبهم.
لم تتورط مشيخة بارزان خلال توسعها التدريجي الأفقي في صراع مع الفلاحين على الأرض، وهي نقطة مفصلية ميّزتها عن شقيقتها في نهري. وأتاح اتساع شريحة الفلاحين وإيغال آغوات الزيبار وسورجي في الاعتداء على حقوقهم إلى التفاف جمهور واسع من الفقراء وراء مشيخة بارزان التي كانت في انطلاقتها الأولى أقرب إلى اشتراكية دينية. ورصد باحثون مطلع القرن العشرين تراجع البداوة في جنوب كردستان لصالح الزراعة. والواقع أن هذا التحول لم يكن سوى تحول العشائر الرحالة العاجزة عن التنقل بين الحدود إلى العمل لدى إقطاعيات عشائرية. وفي تقسيمات الدرجات الاجتماعية فإن الانتقال من البداوة إلى الزراعة انحدار اجتماعي.
والواقع أن العديد من الرحالة مطلع القرن العشرين قاموا بتوثيق محادثات مع زعماء في السليمانية تبين خلالها أن هؤلاء الزعماء لا يعتبرون الفلاحين كرداً. وظهر ذلك خلال لجنة تحديد مصير الموصل. من هنا اكتسب انتصار مشيخة بارزان على الإقطاع في بهدينان – أو على الأقل حمايتها لنفسها وأتباعها منهم – تسريعاً لبلورة القومية الكردية غير الطبقية وتوسيع مفهوم الهوية الكردية في جنوب كردستان بحيث باتت تشمل كافة الطبقات.
وفيما كانت بارزان تحمل لواء التمرد على العثمانيين، كان شيوخ القادرية في السليمانية يحظون بمعاملة استثنائية من السلطان عبدالحميد الثاني. وهؤلاء من سلالة الشيخ معروف النودهي الذي قاد حملة إبعاد مولانا خالد عن كردستان عام 1920.
في برقية مرسلة من رئاسة دائرة الكتابة إلى قصر يلدز الهمايوني بتاريخ 1894 يذكر رئيس الدائرة أن “الزاوية الشريفة التي يشرف عليها الشيخ سعيد أفندي حفيد أحمد أفندي الكاكا السليماني ورد من محلها محضر يطلب استثناءها من ضرائب الأملاك والأراضي والأغنام والرسوم”. وتذكر البرقية فضائل المرحوم كاكه أحمد الذي “بذل المساعي لمنع توسع مذهب الشيعة في تلك الجهات”. ثم تأتي الوثيقة على ذكر فضائل الشيخ سعيد الذي “يسلك مسلك جده، وهو في معرض التعهد بمضاعفة الجهود لنشر العلوم وتعليم الأحكام الجليلة للدين المبين ومنع توسع مذهب الشيعة في تلك الجهات” (28).
وفي برقية مشتركة للجيش السادس العثماني ممهورة باسم متصرف السليمانية في عام 1903 تظهر الرسالة الطويلة الموجهة إلى السلطان عبدالحميد الثاني المعضلة البلاغية في كيفية القول للسلطان إن الأسرة البرزنجية تعيث فساداً، وهي العائلة التي ترتبط بالسلطان بشكل وثيق. عرضت البرقية المظالم التي يرتكبها الشيخ سعيد الحفيد الذي “يعرض لواء السليمانية للفقر والحاجة” و”يحمي القتلة ويجعل الحكومة مكتوفة اليدين بتقديمه آلاف الشهود”. والشيخ سعيد اشترى بعض الأراضي التي باعتها الحكومة دون طابو خلال نفي الهموند. ولما عاد الهموند من منفاهم إلى أراضيهم وبدؤوا بزراعتها فإنه بسبب الأضرار التي لحقت به صار يفكر في لصق بعض الافتراءات بهم” (29).
في السليمانية، أحدث الشيخ محمود الحفيد نقلة كبيرة في البوصلة السياسية للقادرية منذ الاحتلال البريطاني عام 1918، وانقلاباً على إرثها السابق. فكانت قيادة الحركة القومية الكردية في جنوب كردستان تقودها النقشبندية في بارزان والقادرية في السليمانية. وعلى عكس المطالب ذات الطابع الديني التي تقدم بها الشيخ عبدالسلام البارزاني أواخر الدولة العثمانية فإن الشيخ محمود الحفيد المنحدر من سلالة معروف النودهي، أظهر رؤية قومية منفصلة عن التأثير الديني. إلا أن هناك من سبقه إلى تهذيب القادرية وتوفيقها مع القومية قبله، من خلال إسهامات الشيخ رضا طالباني.

نشقبندية القرن الـ20 .. أداة تمزيق للمجتمع

بعد تأسيس دولة العراق وإعلان الجمهورية التركية بدأ فصل جديد من التنافس، مختلف عما سبق حدوثه بين نهري وبارزان. هذه المرة الخصومات أشد وأكثر دموية. والأسوأ أنها لم تعد الصراعات بقرار محلي بل تتدخل فيها حكومات الإقليم.
كان رشيد لولان من كبار شيوخ النقشبندية (30)، ومركزه الرئيس قرية لولان في منطقة برادوست. تُعرف حركة رشيد لولان عام 1959 بـ”التمرد الرجعي”. ولم يتم القضاء عليه إلا بتدخل ملا مصطفى بارزاني.
وابتليت كردستان العراق بنزاع العشائر بين بارزان والزيبار والهركي وبرادوست. ويقول زعيم الهركية جوهر الهركي: “إن الهركية والبرادوست كانوا على خلاف دائم مع البارزانيين، وإن الخلاف ديني في الأصل لأن البارزانيين منحرفون دينيا” (31). وجوهر هذا هو أحد زعماء أفواج الدفاع الوطني لدى الحكومات العراقية والتي تعرف كردياً بـ”الجاش”.
وقد تفجر الخلاف على خلفية نقشبندية أول الأمر سنة 1931 حين هجر قسم من أتباع أحمد البارزاني شيخهم متوجهين إلى لولان. فعزم على استعادتهم عنوةً، ما أدى إلى هجوم شنه ملا مصطفى على لولان وأحرق سبعة قرى.
مع عودة ملا مصطفى بارزاني من الاتحاد السوفييتي إلى كردستان بعد انقلاب عبدالكريم قاسم عام 1958 عمل على توحيد العشائر تحت قيادته. وتسبب رفض بعض العشائر لهذا النهج في اندلاع صراعات دامية، حيث استند بارزاني إلى تحالفه مع عبدالكريم قاسم عام 1959 ونال دعماً بالطائرات والجيش ضد عشائر رشيد لولان وحلفائه السورجية والزيباريين. فيما لجأ هؤلاء إلى طلب الدعم من إيران وتركيا.
إلا أن لولان سرعان ما بات أداة لكافة الحكومات التي تريد تصفية الحساب من ملا بارزاني. وهكذا استعادته حكومة قاسم في صيف 1959 بعد أحداث كركوك وساعدته على تحدي البارزانيين.
يروي رئيس منظمة أنصار السلم في عهديْ قاسم وعبدالسلام عارف، شريف عزيز، في مذكراته عن رشيد لولان: “ادعى هذا الحليف العميل أن الشيخ أحمد البارزاني أخذ يبشر بالإلحاد والإباحية” (32).
وكان مصدر تهمة الإباحية التي لاحقت النقشبندية البارزانية فيما يلي: “كانت العادة لدى كثرة القبائل ان على من يخطف بنتاً (او بتعبير آخر من يهرب مع بنت) أن يدفع إلى أهل البنت بندقية أو يقدم لهم إمرأة يتزوجها احد ابنائهم. فيعقد في الوقت ذاته عقد زواجه من البنت التي هربت معه. أما القانون الذي أشاعه البارزانيون، فهو إذا كانت البنت حرة غير مرتبطة بزواج من أحد فيعقد لمن هربت معه الزواج منها دون دفع فدية (بندقية أو إمرأة). أما إذا كانت مرتبطة بزواج من شخص آخر فلا محل للفدية، وإنما يحكم عليها بالقتل (33).
والخلاف بين مشيخات النقشبندية له جذور اقتصادية. فالبارزانيون لم يكونوا من كبار ملاكي الأراضي، وبنوا دعايتهم على تأليب الفلاحين ضد الاقطاعيات المجاورة. فيما المشيخات النقشبندية المجاورة كان يقودها ملاكون كبار أمثال رشيد لولان، المتضرر من قانون الإصلاح الزراعي لثورة 1958.
منذ فشل ثورة شيخ سعيد بيران لم يعد مبرراً قيادة رجال الدين أي حركة سياسية، سوى مانع واحد: تبجيل العامة لهم. وأدى قلة الوعي القومي لدى العديد من شيوخها إلى إصدارهم فتاوى خطيرة غير محسوبة العواقب. مثل سلسلة الفتاوى التي دعت إلى الجهاد ضد بريطانيا خلال انقلاب الضباط الأربعة في بغداد عام 1941 التي تعرف بحركة رشيد عالي الكيلاني. وهم مجموعة ضباط بينهم ناقمون على الكرد وذوي توجهات دينية متطرفة تحت تأثير مفتي فلسطين أمين الحسيني. ومن مشايخ الكرد الذين أفتوا بالجهاد حينها: الشيخ زين الدين والملا أحمد النقشبندي في السليمانية وعلاء الدين النقشبندي في بيارة. وتبنى الانقلابيون فتوى علاء الدين النقشبندي للجهاد ونشروه بين عامة الناس (34). بينما عارض هذه الحركة كل من الشيخ محمود الحفيد الذي استغل فرصة الاضطرابات وعاد إلى السليمانية، وكذلك عارضها كل من أحمد وملا مصطفى البارزاني ومحمد جلي زاده.
تحولت النقشبندية – موضوعياً- إلى مصيدة سياسية للكرد. فمن جهة لا تصلح لقيادة حركة قومية صاعدة في محيط من الأعداء الأقوياء، ومن جهة أخرى يؤدي إحجام شيوخها عن قيادة الحركة إلى سهولة استخدامهم من قبل الدول المحتلة لكردستان. فعدم تدخلهم في السياسة يعني فقط عدم قيادة الكرد ضد الحكومة، وهذا يؤدي إلى مساندتهم للحكومة كما حدث مع مشايخ انقلاب الضباط الأربعة في بغداد.
على المقلب الآخر لم يكن الشيوخ القوميون أصحاب مشاريع سياسية ترتقي لطرح برنامج سياسي عدا ما برز لدى ملا مصطفى بارزاني، بنزعته المركزية الشديدة في القيادة. ولم يكن ملا مصطفى من شيوخ النقشبندية إنما محسوب عليها تربية وثقافة.
الواقع أن انقسام – وربما تقسيم- السلطتين الروحية والزمنية بين أحمد وشقيقه ملا مصطفى بارزاني أنهى المرجعية النقشبندية في قيادة الحركة القومية. فتحركات ملا مصطفى أتت ضمن إطار “الحزب الديمقراطي الكردستاني”، وباتت النقشبندية في الخلف، ولم تعد أداة تعبئة للتجنيد. فاتسع نطاق الحركة القومية بهذا الانفصال السلس. لا توجد تفسيرات مركّزة حول هذا التحول الكبير. ومن الاحتمالات الأقرب للتفسير أن النقشبندية كمرجعية روحية كانت مقيِّدة لملا مصطفى في تحركاته العسكرية والسياسية. وبذلك، تخلص من الحرج في التحالف مع الشيوعيين إذا اقتضى الأمر، وهي خطوة، رغم طابعها السياسي، بقيت تُسْتخدم ضد مشيخة بارزان من قبل خصومه الزيباريين ولولان والهركية.
رغم ذلك بقي مزيج من التقاليد الدينية والعشائرية تحكم العائلة البارزانية. وأبرزها ما رواه أحد أصدقاء ملا مصطفى، عزيز شريف، حول واقعة خرق أحد أبنائه ويدعى “عبيدالله” لتقاليد العائلة عبر زواجه من فتاة فيلية (كردية شيعية) وما رافق ذلك من “فضيحة” كانت من عواقبها ما قيل عن قتل عبيدالله لزوجته السرية. ويقول عزيز شريف: “وكان البارزاني قد أخبرني أنه أراد قتل عبيدالله واستأذن من الشيخ أحمد فلم يأذن له” (35).
هناك من يرى سلبيات لهذا الانفصال بين البارزانية السياسية والمرجعية النقشبندية. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى القول إنه بعد الانفصال: “بدأت التيارات الإسلامية تظهر بعد ذلك مباشرة بسنوات قليلة في بداية الثمانينات من القرن الماضي؛ لتفقد الحركة الوطنية المتمثلة بالبارزانيين أهم رافد لها وهي الشريحة المتدينة على الأقل حزبياً” (36). رغم ذلك، لا يمكن إغفال أن النقشبندية، عموماً، ليست حركة مشجعة على التسامح والتنوع داخل مكونات القومية الواحدة. ويتجلى ذلك في نفور المكونات الدينية غير السنية من الأحزاب الواقعة تحت تأثير النقشبندية. وبينما لعبت مشيخة بارزان مطلع القرن العشرين دوراً إيجابياً في توسيع قاعدة القومية الكردية، فإن البقايا النزعة النقشبندية “غير المتّسقة روحياً” في الوقت الحاضر، خصوصاً في جنوب كردستان، تندفع باتجاه تقليص التنوع البشري للقومية الكردية لصالح طغيان الطابع السنّي.
الخلاصة أن انقسام النقشبندية في القرن العشرين قد تعزز على أسس قبلية ومناطقية. فالنقشبندية النهرية مركزها القبلي هي هكاري، والنقشبندية البارزانية من عشائر منطقة بارزان الأربعة، والسورجية تتبع عشائرها وكذلك في لولان وكرميان. وباتت هذه الطريقة، مع شقيقتها القادرية، أداة تمزيق للمجتمع ولم تعد وسيلة توحيدية. وظهرت معضلة “توازن القوى” بين المتنافسين، حيث بات من الصعب على طرف أن يقضي على طرف آخر.
أدى هذا الوضع إلى سهولة اختراقها من قبل الدول الحاكمة. ولم يعد الأمر يحتاج إلى وضع خطط لإثارة الانقسام. وقد تراجع دور النقشبندية في النصف الثاني من القرن العشرين أمام الأحزاب السياسية. وبينما لعب الحزب الديمقراطي الكردستاني دوراً بارزاً في عزل النقشبندية عن السياسة في عهد ملا مصطفى بارزاني، من دون إحداث تحول اجتماعي، فإن حزب العمال الكردستاني قد جرف تأثيراتها في مناطق نفوذه بشمال كردستان، ولم تعد النقشبندية هناك تلعب أي دور غير تلك التي تحددها لها الأذرع الأمنية للدولة التركية.
من زاوية العمران والمجتمع: لم تنتج النقشبندية طبقة مثقفة ولا أسست مدناً. فخاصية الطرق الصوفية تتعارض مع هذين المسلكين، عدا استثناءات فردية. والنسخة الأخيرة الحالية من القومية الكردية “العلمانية” هي نتاج فصل النقشبندية، وكذلك القادرية، عن السياسة.
ملحق (1)
النقشبندية في كردستان والقفقاس
يرد اسم الشيخ شامل الداغستاني (ولد في 1797 وتوفي في 1871) ضمن قائمة أسماء العلماء الذين أخذوا الإجازة في الطريقة النقشبندية الخالدية ضمن كتاب “إجازات مولانا خالد” لمؤلفه حسين حسن كريم.
لا يذكر أي مصدر أن الإمام شامل كان برتبة “خليفة” في النقشبندية. ويورد محمد حمي باقي في كتابه إحصائية تقول إنه حين توفي مولانا خالد في دمشق كان قد عيّن ستة خلفاء له وكلهم من الكرد. فيما بلغ مجموع عدد المرشدين والخلفاء 76 ، هم 34 كردياً و33 من باقي الأمم بحسب تصنيف كتاب “إجازات مولانا خالد”.
قاد الشيخ شامل ثورة مسلحة ضد الحكم الروس استمرت بين 1837- 1859. بدءاً من عام 1950 يبدأ الإمام شامل نسج علاقة سياسية – وليس فقط صوفية – مع سيد طه وزعماء مقربين منه في كردستان. هذه الخطوة أثارت قلقاً لدى الضباط الروس في القطعات العسكرية القريبة من ولايات كردستان الشمالية، مثل قارس وبايزيد ووان.
يسارع خانيكوف، القنصل الروسي في تبريز، إلى مراسلة قيادته: “منذ عام 1948 يواصل شامل اتصالاته مع سيد طه والكرد السنيين على مذهب الإمام الشافعي، والذين هم على مذهب واحد مع الداغستانيين”. ويذكر أن سيد طه يجمع حوله عشرات الآلاف من المريدين. وكان أتباع شامل يطلق عليهم “المريدين” في داغستان وأنحاء القفقاس. ورصدت المراسلات الروسية مبعوثين وهدايا من القائد الداغستاني إلى سيد طه والاقطاعي الكردي كريم خان الراوندوزي بحسب ما ورد في كتاب “الصراع على كردستان” للدكتور خالفين.
هذا الاتصال بين ممثلي النقشبندية في داغستان وكردستان كان سبباً في تأسيس ما يسمى “السياسة الروسية في كردستان”، خصوصاً أن هذه المرحلة تزامنت مع حرب القرم الطاحنة من 1853 إلى 1856.
اتصالات شامل مع سيد طه كانت محاولة لتعويض جزء من خيبته الكبيرة في عدم مساندة العثمانيين له. وكان الأتراك قد فقدوا نفوذهم في القوقاز تماماً منذ عام 1828 إثر سقوط ميناء أنابا العسكري وتوقيع معاهدة أدرنة.
ويرجح ان شامل قد بدأ اتصالاته مع سيد طه في عام 1847 بعد فشل هجومه العسكري الكبير على “قبارطاي” وهي مقاطعة شركسية كانت تحت حكم الروس.
رغم قلة توثيق العلاقة بين نقشبندية القوقاز مع نقشبندية كردستان غير أن الضابط السياسي البريطاني خلال الانتداب على العراق، سي جي أدموندز، كان في رحلة استطلاعية إلى كردستان ووصل حلبجة فكان أول زواره اثنان من شيوخ النقشبندية هما حسام الدين طويلة وعلاء الدين بياره. ودوّن الملاحظة التالية: “ولفت نظري بين جماعة حسام الدين أحد أتباع “أمير مقتدر”، الخان الأكبر في تالش وهي المنطقة القريبة من الحدود الروسية في الزاوية الجنوبية من بحر قزوين. وهو زعيم كانت تربطني به علاقات طيبة جداً أثناء وجودي في قزوين”. ثم يضيف أدموندز: “وقد دلّني حضوره إلى حلبجة على اتساع نفوذ هؤلاء الأحبار الريفيين الكبار في الطريقة النقشبندية وليس ثمة غرابة في قطع مسافة 400 ميل ليحظى بعدها بتقبيل يد دليله وشيخه” (38).

الهوامش:
1 – نادية ياسين عبد – الاتحاديون، دراسة تاريخية في جذروهم الاجتماعية وطروحاتهم الفكرية- دار عدنان للنشر، بغداد – الطبعة الأولى، 2014 – ص25
2 – المرجع السابق – ص 35
3 – للاطلاع على رؤية تفصيلية للوضع الاجتماعي والسياسي الكردي في القنر التاسع عشر، يُنظر: أ.ن. خالفين – الصراع على كردستان – ترجمة: أحمد عثمان أبوبكر – مطبعة الشعب، بغداد، 1969
4 – يروي خورشيد باشا خلال بعثة لحل المشكلات الحدودية مع إيران في عهد عبدالمجيد الأول منتصف القرن التاسع عشر أن منطقة آبغاى الملحقة بإيالة وان: وكانت صحراء آبغاي من توابع قضاء محمودي المضاف إلى هكاري، وكانت مأوى لطوائف اليزيدين. وقامت تلك الطوائف ببناء القرى في كل أرجاء هذا المكان وجعلته عامراً للغاية، كما قاموا بإنشاء القلاع الكافية لحمايتهم من رجال الأعداء من العشائر الأخرى. وكانوا يعملون بالزراعة والحرث حتى وفد إليهم بعض الطوائف الأخرى للرعي وذلك قبل 50 أو 60 عاماً (بحدود 1800) .. ولزيادة ظلمهم وتعديهم لم تتحمل طوائف اليزديين هذا الحال وبدأت تتفرق على العشائر الأخرى. وتبك الصحراء عدد من مزارات بعض أمراء طائفة اليزديين تم بناء قباب عليها، وقد حرر على إحدى حوائط القبة تاريخ وفاة أحد هؤلاء الأمراء واسمه ونسبه وذلك عام 1114 هجرية (1702 ميلادية).
للمزيد يُنظر: رحلة الحدود بين الدولة العثمانية وإيران – ترجمة: مصطفى زهران – المركز القومي للترجمة، القاهرة – الطبعة الأولى،/ 2009 – ص374، 376
كذلك يرد في رحلة أوليا جلبي وقائع المعركة بين أمير بدليس، عبدال خان، ومبعوث السلطنة أحمد باشا حيث يروي أن قلعة بدليس كانت تحت حماية الإيزيديين بالكامل.
يُنظر: بوار نورالدين – إمارة بدليس والأمير عبدال خان في “سياحتنامة” – ترجمة: علي شمدين – دار جمال عرفان، السليمانية، 2011
5- نسخة الرسالة محفوظة في الأرشيف العثماني، وأشار إلى نصها الكاتب تحسين إبراهيم الدوسكي في دراسته “الأمير بدرخان وشيوخ النقشبندية” – موقع مدارات كرد – 22 شباط 2014
6- لمراجعة وثائق متعلقة بحركة بدرخان بك يُنظر: عثمان علي – الكرد في الوثائق العثمانية – مؤسسة موكرياني للبحوث والنشر، دهوك – الطبعة الأولى 2010
7- ساهم الأرمن أيضاً في معركة بوطان على إلقاء القبض على بدرخان بك وعدد من مساعديه. لكن تفاصيل الوقائع تشير إلى انقسام أرمني بين سكان المدن الموالين للجيوش العثمانية، وسكان الأرياف الذين ساندوا إمارة بوطان، خصوصاً أرمن الريف الممتد بين بوطان وبدليس.

للمزيد، يُنظر: هوكر طاهر توفيق – الكرد والمسألة الأرمنية

8- يُنظر: خالفين – مرجع سابق – ضمن كتاب “الآثار الكاملة” للدكتور أحمد عثمان أبو بكر – الجزء الأول- مؤسسة جين، السليمانية، 2008 – ص 60، 61
9- المرجع السابق – ص 63 – 64
10- المرجع السابق – ص 90
11- المرجع السابق – ص 65
طلب ليارد في مذكرته للسفير البريطاني ضرورة التعرف على المصادر الطبيعية لكردستان، وكذلك نوع المواد التي يستخدمها الأكراد للألوان، وكذلك الجوز الذي تعترض سبيل تصديره السلطات المحلية والرؤساء الأكراد.
12- هوكر طاهر توفيق- الكرد والمسألة الأرمنية – ص 74
13- المرجع السابق – ص76- 77
14- المرجع السابق – ص 75
15- أعلن الشيخ عبيدالله النهري في هكاري، وشيوخ القادرية في السليمانية فتوى الجهاد ضد روسيا في حرب 1877. وكان من ضمنهم أبناء الشيخ عبيدالله، وحفيد كاكه أحمد: محمود الحفيد. إلا أن مذكرة للجيش التركي خلال الحرب تظهر استياءً من الشيخ عبيدالله الذي جنّد فقط 1443 شخصاً.
16- جرجيس فتح الله – مبحثان على هامش ثورة الشيخ عبيدالله النهري – دار آراس للطباعة والنشر، أربيل – الطبعة الأولى، 2012 – ص171
17- المرجع السابق ص 141
18- المرجع السابق – ص 33
19- المرجع السابق – ص51
20- للمزيد حول تحركات عبدالسلام البارزاني، يُنظر: ديفيد مكدول – تاريخ الأكراد الحديث – ترجمة راج آل محمد – دار الفارابي، بيروت – الطبعة الأولى، 2004 – ص 174
21- كل من سيد علي وشهاب الدين، من أحفاد الشيخ النقشبندي جلال الدين من بلدة خيزان.
22- يُنظر: هوكر طاهر توفيق – مرجع سابق – ص 492، 527
23-ديفيد مكدول – مرجع سابق – ص 174
24- فريد الدين آيدن – الطريقة النقشبندية بين ماضيها وحاضرها – دار العبر، اسطنبول، 2008 – ص 278
25- لتفاصيل كوارث الحرب على الكرد، يُنظر : ديفيد مكدول – مرجع سابق – ص 186، 187
26- للمزيد: فريد أسسرد – العقائد البارزانية – ص 127، 128، 129
27- للمزيد، يُنظر المرجع السابق – ص62، 65
28- للاطلاع على مكانة شيوخ القادرية في السليمانية، ينظر: عثمان علي – الكرد في الوثائق العثمانية – ص 17، 30
29- المرجع السابق – ص17، 30
30- رئيس عشيرة برادوست. تقطن هذه العشيرة في منطقة برادوست التابعة إلى محافظة أربيل وتوفي في الموصل في سنة 1384هـ / 1964م ودفن بالقرب من النبي يونس وضريحه قائم عند مدخل المسجد.
31- من مقابلة أجراها الكاتب عمار علي السمر مع جوهر الهركي عام 2008 وأشار إليها في كتابه: شمال العراق 1958، 1975 – المركز العربي للدراسات للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت – 2012 – ص 235
32- مذكرات عزيز شريف- ط1، 2010 – ص 165
33- المرجع السابق – ص 165
34- عمر محمد كريم – القضية الكردية في سياسة الحكومات العراقية 1932، 1945 – جامعة سانت كلمنتس- 2009- ص 119
35- مذكرات عزيز شريف – مرجع سابق – ص 335
36- نوبار محمد – علاقة الكرد بالتصوف من خلال الطريقة النقشبندية – موقع مدارات كرد – 5 كانون الثاني 2015
37- جي أدموندز – كورد وترك وعرب – ترجمة: جرجيس فتح الله – منشورات الجمل- الطبعة الأولى، 2012 – ص 241

المركز الكردي للدراسات ـ ألمانيا

تعليق واحد

  1. شو هاد؟! مافهمت شي من الخربشات. ياعمي اكتبو شي يفيد البشر، مو تخبط كم هائل من المعلومات الغير مترابطة ببعضها وكم هائل من الأغلاط بالتواريخ والأحداث 😑😑😑

اضف تعليقاً