سربست نبي : الاستقلال ونهضة الأمة( مقاربة قومية) في ملتقى الديموقراطية وحق تقرير المصير

0

سربست نبي : الاستقلال ونهضة الأمة( مقاربة قومية) في ملتقى الديموقراطية وحق تقرير المصير

السليمانية ٢٠١٧-١٦/١٧/٩
======
يعد) اللاشخص) في رواية جورج أورويل( (1984 كائناً نافلاً لا قيمة له، أو يعدّ مجرد وجوده بالنسبة للسلطة تهديداً محتملاً، وبهذا الحسبان تميل إلى إعدامه ونفي وجوده. هذه الصفة أو المكانة أسبغتها الدول الغربية بعد الحرب الكونية الأولى على الكورد بوصفهم( لا شعب). أو أمة لاتاريخية بحسب التعبير الهيغلي الأثير. وهذا يعني أنه يمكن الاستغناء عن وجود هذه الجماعة البشرية، النافلة وغير الضرورية، وعن دورها من على مسرح التاريخ البشري، نظير الهنود الحمر، لدى إعادة تقسيم النفوذ والأدوار في العالم. وإعادة إنتاج كيانات سياسية أخرى على حساب طمر هويتها وتبديد وجودها، طالما وأن هذا الوجود يشكل تهديداً محتملاً لها مستقبلاً. وهذا ما تحقق بالفعل بالنسبة لمصير الكورد في الشرق الأوسط طوال قرن من الزمان. ولم يكن هذا الأمر عرضاً، إذ شاءت الإرادات الكولونيالية أن تتجاهل وجودهم ومحنتهم وتضحياتهم طوال هذه الحقبة الطويلة.
ما يعانيه المشروع القومي اليوم ليس مجرد مأزق تاريخي مؤقت وعابر، إنها أزمة المشروع نفسه، التي نشأت مع ولادة القضية الكوردية، بشكلها الراهن، في بدايات القرن العشرين وضمن شروط جيوسياسية جديدة، تتعلق بتقسيم جغرافية كوردستان ضمن أوقيانوس، عربي، تركي فارسي.
لقد فرض تشظّي الجغرافيا القومية تشظيّاً مماثلاً على مستوى القرار السياسي القومي وخطابه وعلى سيرورة الهوية الكوردية، وألقى بظلاله على مصير المشروع القومي نفسه، فبات محكوماً بهذا الواقع السياسي القاسي، إذ قيّدت إرادة الكوردي بسلاسل صدئة من العبودية والقهر إلى جباله، مثلما قيّد برومثيوس إلى جبال أولمب، وتسلطت عليه دول الجوار الأربع التي راحت تنهب ماضيه وتلتهم أحشاء حاضره وتستبد بمصيره ومستقبله. فالقوى الكولونيالية التي حصدت نتائج انتصاراتها في الحرب الكونية الأولى، أوجدت حدوداً، لم تخلو من العسف، وفرضت كيانات ونظم سياسية أطلقت عليها اعتباطاً اسم دول، استحوذت على حقوق الدولة، دون أن تكون دولاً بالفعل، أسبغت القداسة على حدودها السياسية، التي كانت في الواقع حدود نظم متسلطة.
ونتيجة هذا التقسيم الكولونيالي العسفي لجغرافية كوردستان، فرضت عزلة خانقة على كلّ جزء، حال دون تواصله القومي وتطوره في تناغم مع الجزء الآخر. مثلما حالت دون تشكّل وعي قومي مشترك، أو نشوء مسار تطور طبيعي كأي مجتمع قومي آخر.
بات الوضع الكوردي يتعارض في كلّ مكان مع قناعة ج ج روسو التي كانت تقول: عندما أطيع الدولة وأخضع لها، إنما أطيع أفضل جزء من نفسي. إنها تفيد في أن الكورد في كلّ زمان ومكان، كلّما أطاعوا أو اخضعوا مكرهين لدول مابعد سايكس بيكو، إنما صنعوا أغلالهم بأنفسهم وقيدوها أكثر. لقد كرّست عبوديتهم عبر هذه الوصاية الدائمة، وتلك هي الحقيقة التاريخية الكبرى للمأساة الكوردية طوال مئة عام الأخيرة. العزلة، الاغتراب البيني، تمييع الهويّة، كلّ أنواع وصنوف القهر، التهجير، القتل الجماعي، كانت النتيجة العملية والمنطقية لمثل هذا الوضع.
سنتخذ نقطة انطلاق أساسية في بحثنا من الانفصال والتعارض بين بين مساواة شكلية ومجردة معلنة تتخذ منها الدول، التي تتقاسم كوردستان، كإطار حلّ نهائي للمسألة القومية، وبين النزوع التاريخي نحو التحرر السياسي الشامل للأمة على أساس تكامل هويتها ونموها بانسجام. من هذا التناقض يتضح إن أمة ما موجودة في حالة إمكان( أو وجود بالقوة) يصادر على مصيرها وعلى احتمالات تطورها أربع كيانات سياسية لايمكن أن تحقق كمالها السياسي والإنساني، وتبلغ مرحلة النضج والتقدم في الهوية من دون الاستقلال. التعارض المأساوي يكمن هنا إذن، في واقع التقسيم القومي بين دول قومية وعرقية لا تكترث بأي اختلاف أو تعترف به، وبين نزوع هذا المجتمع وتطلعه الدائم إلى الوحدة والاتحاد مع نفسه، الذي هو شرط لتأكيد هويته الإنسانية وانعتاقه. وبموازاة ذلك فرض هذا الواقع ضرورة زائفة على وعي الكوردي وخطابه القومي قوامها أن عليه أن يحدد مصيره وخلاصه ويحقق حريته عبر الخضوع لدولة الآخر ولوصاية سلطته، لا أن يفكر بالبحث عن خياراته بنفسه والاتحاد مع نفسه. إن غياب فكرة الاستقلال وتشكيل الدولة القومية في الخطاب السياسي الكوردي، وبالمقابل حلول أطروحة الحل في نطاق الوطن المشترك، قد أصاب الخطاب القومي بالإنحراف والتشوّه والترهل. ناهيكم بالتشوّه الذي لحق بتطور المجتمع القومي نفسه، الذي بات هامشاً تاريخياً تابعاً وملحقاً بأطراف المجتمعات المركزية ذي الأغلبية القومية المختلفة. حتى بات الارتياب ينال من المشروع القومي نفسه، هل هنالك بالفعل أمة كوردية ومشروع قومي مشترك وجامع؟ أم أن هنالك قومية كوردية سورية، وعراقية وتركية وإيرانية، ومشاريع قومية متباينة؟ وحقيقة الأمر أنه لايمكن لأيّ شعب أو قوم أن يكون حرّاً ويتمتع بالمساواة وهو جاث على ركبيته خاضع لوصاية جماعة أخرى تطغى بأغلبيتها العددية. ثم أنه لايمكن بأيّ حال استنباط حقوق أمة أو تحقيقها في ظلّ تقسيم أو وصاية تحدّ من وحدتها الاجتماعية.
من هنا نسارع إلى طرح القناعة التالية: إن حريّة الكورد، إنعتاقهم ومساواتهم كأمة، لابدّ وأن تقاس الآن ليس بإنعدام القيود والعقبات التي تحدّ من مساواتهم مع القوميات الأخرى المتعايشة معاً فحسب. وإنما أيضاً، وبصورة أشدّ إلحاحاً، تتعلق بقدرتهم على التواصل الإنساني والثقافي، الحرّ والمفتوح، مع أبناء جلدتهم في الأجزاء الأخرى، وبإزالة الحدود السياسية التعسفية التي فرضت على نمو هويتهم وتطورها. فالتحرر القومي وحريّة الأمة، تعنيان، في هذا السياق، انعدام القيود أمام سعي الأمة لتحقيق ذاتها، وتحديد مصيرها بنفسها وفق مصالحها التاريخية، وإزالة جميع العوائق التي تحول دون تطور هويتها وشخصيتها القومية ونموها، سواء أكان هذا العائق سياسياً، أم جغرافياً، أم دستورياً وقانونياً. وبناء عليه تبرز أهمية اكتشاف الصلة الداخلية بين استقلال جنوب كوردستان وآفاق تطور الهوية الكوردية ونهضتها كأمة.
قادت وقائع القهر في القرن العشرين عملية استعباد الكورد إلى نهاية مطافها. ولحظة وعي ضرورة الاستفتاء والاستقلال تومئ إلى تحول ضروري لامفرّ منه، تكثّف في نفسها كل النزوع الواع نحو الانعتاق، وهي لحظة غير قابلة للمساومة أو التردد.
إن أزمة الدولة العراقية الراهنة هي أزمة جميع الدول التي تقاسمت سماء الكورد وهوائهم. وهي تتجلى قبل كلّ شيء في الأساس الحقيقي والفعلي لوحدة الدولة وبقائها. ونعني بذلك بقاء العقد الذي يوحّد الجميع بخضوعهم له، متساويين وأحرار. إذ لايمكن اعتبار أيّ حشد بشري متّحد، كرهاً وقسراً، دولة مالم يكن هذا الاتحاد قائماً على الاتحاد الطوعي الحرّ والإرادة المشتركة. والدولة الحديثة في الشرق الأوسط والشمال الإفريقي، جعلت من المستحيل تحقيق المثل الأعلى في المساواة بين القوميات المتعددة داخل نطاقها، سواء في الدور أم في المكانة، أم في الشروط القانونية أو السياسية التي تضمن المساواة أو تكرّسها. إذ تمركزت السلطة العامة غالباً في أقلية أو أغلبية عرقية أو مذهبية، اختزلت في نفسها وهم العمومية، ومن هذا الموقع راحت تقرر مصير الأغلبية، وتفرض عليها مثلها السياسي والأيديولوجي، وتطبع الدولة بطابعها الخاص.
بدا واضحاً أن الدولة الوطنية، كانت أقلّ الأشكال كمالاً في التعبير عن التطور الحر للهوية الكوردية، لم تعد الطريقة المثلى للتعبير عن حقيقتها الآن، فهذه الدولة في الغالب كانت عقبة كأداة أمام نهوضها، وفي أحسن حالاتها تقدماً، كالحالة العراقية، كفّت عن تلبية الحاجات العملية لتطور الهوية والخروج من مأزق الإنقسام. ثم أن العديد من دعاة التعايش المشترك ضمن الأطر الوطنية والمدافعين عن نظم الحكم الذاتي، كانوا يؤمنون بالمساواة، إلا أن هذا الإيمان بالمساواة لديهم كان قوامه الخضوع لهوية دولة الأغلبية القومية وأيديولوجيتها وقوانينها التي تكرّس تفوق عنصر قومي معين.
وبالمقابل تنشد حركة الاستقلال تحقيق دولة سياسية- حديثة دون اللجوء إلى الذرائع أو المسوغات التي فرضت حلولاً ناقصة للمسألة القومية في جنوب كوردستان، التي غالباً ما كانت تقود إلى بروز مفارقات مع الانتماء القومي الأشمل للأمة الكوردية. فالدولة القومية المحتملة في الجنوب ستحرر المسألة القومية الكوردية من قيود وعقابيل سايكس بيكو، وتحرر الخطاب القومي من العلائق السياسية والحلول المجانية الناقصة والمشوهة. ستؤسس لمفهوم جديد عن الحرية والتحرر القومي والمساواة. وبهذا تتسامى المسألة القومية على الحلول المترهلة والفاشلة تاريخياً في نطاق الدول التي ألحقت بها كوردستان وأخضعت لوصايتها، حيث لم تعد تلائم تطور الهوية الكوردية.
حركة الاستقلال، لن تكون مجرد حركة انفصال سياسية لإعلان كيان سياسي منظم بمواجهة كيان سابق، فهذا التعريف سيبدو قاصراً. إنها تعني بساطة، أن شعب ما يرغب في أن يكون حرّاً كي يكون نفسه بأفضل الشروط التي تنسجم مع تطور هويته، وكي يكون مع الآخر وفق تطلعاته وخياراته، لا كما يُراد له أن يكون مكرهاً. وقد بدا جليّاً أنه كلما قيدت حرية شعب أو أقلية ما وتحددت بموجب مطالب دولة وصية، تغدو الاستجابة لمطالب التواصل القومي مع الذات أضعف، وبخاصة في الحالة الكوردية. الاستفتاء ومن ثم الاستقلال هو الفعل التاريخي الذي به سيفصح الكورد بأنفسهم عن إرادتهم، وبه ستنتج حريتهم وتتسع. هذا الفعل لم يكن متاحاً من قبل، لأن المساواة المحدودة والمقيدة كانت تفرض عليهم التبعية المطلقة. أبعد من ذلك سيمثّل بدايات تغيير ثوري في الهوية والتاريخ ينبثق عنه وعي جديد وحقائق جديدة ستفرض نفسها على العالم.
حركة الاستقلال في إقليم كوردستان هي في جوهرها تعبير عن كثير من النزعات النهضوية لأمة مجزأة ومفككة، فرض عليها القهر والوصاية، وفي مقدمة تلك النزعات النزوع نحو التأسيس لتكامل الهوية القومية كأمة وتطورها. وهي وإن جاءت متأخرة نسبياً، بسبب من التحدّيات التي كانت تعترض طريقها وماتزال، فإنها تمثل أول خروج على الطوق الصدئ الذي فرض على الهوية القومية وفتتها إلى حدّ كبير. إنها تمثّل هذا الحل الانتقالي، الجزئي، الذي لابدّ منه، والمنعطف الحاسم في تطور القومية الكوردية كأمة.
إنها اللحظة البدئية لوعي إرادة الأمة لمصيرها خارج الخيارات المفروضة عليها. لحظة لم تعد مجرد شعور سالب يراود الخيال أو الأحلام القومية الرومانسية، أو شعور فاقد للإرادة، بل هو وعي فاعل غير مستلب لخيارات أو حدود أيديولوجية أو سياسية. وهذه الإرادة الحرّة هي التي تشكّل جوهر الحق في تقرير المصير. فالحق لايختزل في الدولة بوصفها غاية مطلقة، إنما بصفتها وسيلة لغاية أسمى، وهي أن تكون نطاقاً للحرية ولاستقلال الإرادة، وقد تحققت بالفعل أو تجسدت في الدولة. الحقّ الذي كان يقرّ للكورد سابقاً، في نطاق الدول المعنية، كان حقّاً مجرّداً وصوريّاً، فاقداً للإرادة، لايضمن له مساواة حقيقية وفعلية. وبخلافه فقد آن الأوان للحق العيني، بصفته نطاقاً للحرية والإرادة أن يتحقق بالفعل في شكل كيان سياسي مستقل، أما الخيارات السابقة لتمثيل الحق وتجسيده فقد بدت قلقة، عاجزة عن استيعاب الحرية والمساواة العملية. من هذا المنطلق يبدو رفض خيار الكورد في الاستفتاء والاستقلال أو تجاهله، تحت أيّة ذريعة، سياسية أو أيديولوجية، يعدّ بمثابة إزدراء بكرامته الإنسانية واستخفاف بإرادته. إن استبعاد أمة أو المصادرة على حقها في تقرير مصيرها بنفسها، يمسّ بكرامة النوع الإنساني. ذلك أن غياب هذا الحق أو سلبه يعني انعدام المشاركة في صناعة التاريخ العام للإنسانية، وهو حكم بتجريد الأمة، نفيها وحرمانها من من كينونتها الإنسانية الفاعلة. إن هذا الحق بات الآن أول الحاجات الحديثة والشرط الرئيس الذي يمكن من خلاله أن تمارس جماعة إنسانية ما حريتها وبه تؤكد مساواتها وجدارتها الإنسانية.
مئة عام من العزلة، مئة عام من القهر والاستعباد، أثبتت أن الكورد لايمكنهم النهوض، كهوية مستقلة، ويضمنوا لأنفسهم التطور الحرّ والمتكامل كأمة، مالم يخرجوا على طوق التبعية والوصاية لهذه الدولة أو تلك، وبخلاف ذلك فإن مسار تطورهم ينبئ بتشظي هويتهم كأمة واضمحلالها. لقد فرضت دول الأوقيانوس القيود على الهوية الكوردية، داخل نطاق حدودها الخاص، ولم تكتف بتمييعها أو تشويهها، كلّ دولة بحسب منهجها السياسي، سواء عبر التعريب أو التتريك أو الفرسنة، إنما استطاعت كذلك أن تقدّ هويّات كوردية على مقاسها الأيديولوجي الخاص. وبالمثل أوجدت إنساناً كوردياً وفق نموذجها الخاص، مخلوقاً على صورتها ومثالها، مواطناً مسخاً، فرضت عليه هوية وثقافة وقوانين، لاتعكس إرادته ووعيه بالذات. كانت الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الدولة، غريبة على شعوره الذاتي بالهوية. وبموازاة ذلك مثّلت حياته القومية، في امتداده الآخر، انقطاعاً وانفصالاً، وبذا تعمّق اغترابه الذاتي الداخلي، بدت غريبة عنه، خارج نفسه. إن وجود الذات خارج ذاتها، في الآخر، مثّل جوهر اغتراب الهوية القومية المتشظية.
التغلب على استمرار هذا الضياع والتمزق في الهوية والاغتراب، لاينبغي أن يكون شكلياً أو ظاهرياً فقط، إنه يفترض قراراً تاريخياً حاسماً، يفضي إلى تقويض وحذف التناقض القائم في الوضع الكوردي، الذي قاد إلى ضياع هويتهم طوال مئة عام، وصادر على احتمالات تطورها. ومن الواضح أن الكورد لايفكرون بالاستقلال كمجرد انفصال عن الدولة العراقية القائمة، إنما لأن مثل هذه الخطوة الضرورية من شأنها أن تمثل خروجاً على الطوق الصدئ الذي قيّد تطور الهوية الكوردية، كأمة تستحق أن تكون موحدة، وذي إرادة على مسرح التاريخ. الاستقلال هو الذي سيفكك أغلال سايكس بيكو، وسيمنح الكورد، لأول مرة، فرصة التعرّف على ذواتهم، على بعضهم بعضاً، ويمكنهم من استعادة تراث هويتهم المهدور والمبدد بين أسوار الحدود.
هنا تكمن الضرورة التاريخية والوجودية لإعلان استقلال كوردستان، علاوة على الضرورة السياسية. حيث يتعذر على أيّة جماعة أن تحقق كمالها الإنساني في عصرنا من دون وجود دولة تعكس هويتها وخصوصيتها، تاريخها وراهنها، وتكون حمالة لمستقبلها. وهذه باتت بداهة ضمن مبادئ الفلسفة السياسية والحق. لكن هذا الأمر يزداد تعقيداً حينما يتعلق الأمر بوضع تاريخي شاذ وفريد مثل القضية القومية للكورد. ويصبح السؤال أكثر تخصيصاً على النحو التالي: هل يمكن ضمان إنسانية جماعة قومية وضمان تطورها الحرّ، بخاصة إذا كانت هذه الجماعة مجزأة ومقسمة بين عدة دول تصادر على ماضيها وحاضرها ومستقبلها، من دون أن تقرر مصيرها في كيان سياسي، شامل أو جزئي، مستقل؟ هل يمكن لأمة مجزأة أن تتطور وتنمو بصورة منسجمة، من دون أن تتعرض للتشظي في الهوية، في ظلّ خضوعها لوصاية أمم أخرى عديدة ولخياراتها التي فرضت عليها؟ ثم هل من الممكن أن يحافظ الكورد على هويتهم القومية موحدة، من دون أن يغامروا بفقدانها، ويحققوا كمالهم الإنساني وحريتهم، كلّ على حدة، بمعزل عن الآخر، في نطاق الدول التي يتبعونها؟ هل هذا الخيار هو الوحيد والأجدى تاريخياً؟ ما الآفاق المحتملة أما تطور الهوية الكوردية حالئذ؟
هذه الأسئلة وغيرها تضعنا في مواجهة قناعة تقول، بأنه لاينبغي أن نفهم مساواة الكورد وحريتهم انطلاقاً مما هو موجود، أو كما هو موجود وممكن، إنما انطلاقاً مما يجب أن يكون.
بات واضحاً أن السبب الرئيس لهذا القهر وهذه العبودية المستدامة، لهذا الفوات التاريخي للهوية، هو واقع التجزئة وتقاسم الوصاية على المصير. من هنا تبرز شرعية الاستقلال وضرورته، بصفته الرافعة التاريخية، التي بوساطتها سيشرع الكورد في أولى خطواتهم نحو حذف ضياع هويتهم. إنه المحالة التي بوساطتها تنتقل الجماعة القومية من حالة شظايا هويات لا تاريخية، إلى كينونة تاريخية فاعلة. الاستقلال يعني أن الجماعة قد بلغت عتبة الحرية وتخطت عبوديتها الجزئية، لكن نفي هذه العبودية الجزئية هو شرط لإثبات حريتها الشاملة. إنه بهذا يمهد لتحقيق حرية كل جزء وانعتاقه، بكسر طوق الوصاية الصدئ. لقد اتجه كل جزء في الماضي إلى انجاز حريته بمفرده وفي نطاق وصاية الدول المعنية، لكن التجارب التاريخية برهنت حتى الآن، أن هذا الخيار كان قاصراً وفاشلاً، وأنه من المحال أن يتساوى الكورد مع غيرهم في ظلّ هذا الاحتمال، ويكونوا أحراراً بصورة كاملة.

من صفحة الدكتور سربست نبي

اضف تعليقاً