و ما راءٍ كمَن سمٍعَ

0

و ما راءٍ كمَن سمٍعَ
حيدر عمر
لعلَّ من طرائف الاغتراب أن تتعرَّف على أناس من بلدك بعيداً عنه. و هذا يحدث كثيراً في بلاد الغربة، حيث تلتقي ناساً من بلدك، ربما لم تكن تسمع بهم، و لكن الأقدار التي رمتك بعيداً، قد تفتح الطريق أمامك لتتعرف على شخصيات كانوا بالقرب منك.
و هذا ما عشته و لمسته في مغتربي، حيث تعرَّفت على شخصيات اجتماعية و ثقافية و سياسية من بلدي، و من أبناء جلدتي. يحيى سلو هو واحد من أولئك الذين لولا اغترابنا، لَما كنا نرى بعضنا، و لا كنا تعارفنا.
يحيى سلو واحد من فنَّاني الكاريكاتير الكرد، يعيش منذ بِضَعِ سنوات في ألمانيا، و له حضوره الفني في أوساط المثقفين و الفنانين الألمان في المدينة التي يقيم فيها، يشارك في المعارض الفنية التي تُقام في تلك المدينة بلوحاته التي تعبِّر عن هموم شعبه المبتلي بأنظمة شمولية ديكتاتورية، و لا تخلو لوحاته من توجيه النقد، و أحياناً النقد القاسي، للقادة و الساسة الكرد، و لا سيما في كردستان سوريا، حيث تتوالد الأحزاب الكردية بكثرة، و هي كثرة تعود بالضرر على هذا الشعب الذي تدعي تلك الأحزاب العمل من أجل خلاصه، و إيصاله إلى حقوقه التي يناضل من أجل بلوغها منذ ما يزيد عن نصف قَرن من الزمن.
كان واحداً من عناصر الكريلا مدة تتجاوز عشرة أعوام، عاش بينهم، تلقى التدريبات العسكرية معهم، و استمع إلى محاضرات سياسية و فكرية كان قادة حزب العمال الكردستاني يحاضرون فيها. عاش إخفاقات الكريلا و انتصاراتها، تعرَّف على جبال كردستان و جاب أنحاءها، التقى القرويين، و لمس عن قرب ما هم فيه من جهل و تخلُّفٍ، حرصت و لا تزال تحرص الدولة التركية على إبقائهم جهلة و متخلفين، رأى بعينيه الدمار الذي ألحقته هذه الدولة بالقرى الكردية في كردستان، و أجبرت سكانها على الرحيل و الهجرة منها، أو الانضمام إلى مجاميع (حُماة القرى)، الذين أغوتهم بالمال و أمدَّتهم بالسلاح ليواجهوا به أبناء جلدتهم. فأصدر لذلك عام (1998) كتابه الموسوم بـ(مسيرة في جبال كردستان / يوميات مقاتل).
بالاضافة إلى ذلك، رأى أخطاء الكريلا، و أخطاء الحزب من وجهة نظره، و كان حريصاً على معالجة تلك الأخطاء، أصدر عام (2013) كتابه الثاني الموسوم بـ(لغة الجبل) وكلا الكتابين يحويان إجاباتٍ وافيةً عن أسئلة قد تتوارد إلى أذهان الآخرين.
هو ذا كتابه الثالث، وهو رواية من وحي مشاهداته. و يمكن أن نقول إنها رواية تؤرِّخ لفترة من نضال الكريلا في قمم جبال كردستان، في مواجهة آلة عسكرية مدجَّجة بكل أنواع الأسلحة المتطوِّرة، لا تتورع عن إحراق القرى و المدن.
يضع الكاتب قارئه في وسط الأحداث من خلال لغة سهلة، لا تعقيد فيها، أقرب ما تكون إلى لغة الناس اليومية، يسير السرد بها سلساً، يأخذ بيد القارئ إلى القرى الكردية البسيطة، ليتعرَّف على ما هم فيه من جهل و تخلُّفٍ من جهة، و مدى تعاونهم مع عناصر الكريلا من جهة أخرى.
قيل: “و ما راءٍ كمن سَمِعَ”، فالنقل، نقل الأحداث و الأخبار مهما كان دقيقاً و شفافاً، لا يرقى في صدقها إلى صدق ما تنقلة العين مشاهدةً، و الكاتب قد شارك في صنع الأحداث، و لعل هذا ما جعل السرد أكثر سلاسة، و جذباً للقارئ نحو متابعة القراءة.
شغل الوصف حيِّزاً كبيراً في الرواية، متناولاً طبيعة كردستان، بسهولها و جبالها بقممها و مرتفعاتها،و وديانها و شِعابها، بليلها و نهارها، و قد برع الكاتب في وصف جبل “هركول”، في مستهلِّ الرواية، بحيث يشعر القارئ من خلال وصفه، و كأنه يجوب مرتفعاته و شِعابه. إنه جبل يختزن في ذاكرته أصداء الانتفاضات و الثورات الكردية في وجه الظلم على مرِّ عشرات السنين، في سبيل الحرية و الانعتاق من ربقة الظلم و الاستعمار، و يظل هذا الجبل يرافق القارئ على امتداد فصول الرواية حتى النهاية.
إن التحام الكاتب في وصفه بهذا الجبل يعيد إلى الذاكرة المقولة المعروفة عن الكرد و جبالهم “لا أصدقاء للكرد سوى الجبال”. و لعلَّ الكاتب قد بدأ سرده في مستهلِّ الرواية بوصف الجبل عن دراية لِما يُشكِّل الجبل في مسيرة الكردي، “ميثولوجياً و دينياً و ذهنياً و اقتصادياً و سياسياً و اجتماعياً و قومياً و نفسياً و جمالياً” من علامة فارقة،بحيث يغدو الجبل “مفتاح الشخصية الكردية” على حدِّ قول الدكتور أحمد خليل. لم يقصِّر الكاتبُ الوصفَ على جبل “هركول” و حده، بل أورد صوراً حية و جميلة عن طبيعة كردستان في ربيعها و صيفها، في خريفها و شتائها، بأمطارها و ثلوجها، بأنهارها و جداولها، بطيورها و حيواناتها.
لم ينتقِ الكاتب شخصياته من الخيال، بل اختارها من الواقع، من القرويين البسطاء، المعروفين بنبل أخلاقهم و قِيَمهم، و مشاعرهم القومية التي أُجبِروا على كتمانها، و من الكَريلا الذين يتحدون برد الشتاء و زمهريره، و الذين يحرصون على بناء علاقات متينة مع القرويين، سعياً وراء انتشالهم من الجهل، و بثِّ روح المقاومة في نفوسهم.
إذا تجاوزنا “حمو”، الشخصية القروية البسيطة التي أُجبِرت على الانخراط في تنظيم “حماة القرى”، و التي تتصارع فيها مشاعر الندم و الخوف، الندم على كونه أحد عناصر ذلك التنظيم المعادي لأماني شعبه، و الخوف من النظام الأتاتوركي و جنوده، لا نجد في الرواية شخصية محورية، تدور حوله الأحداث، بمعنى ليس للرواية بطل ترتبط به الأحداث، بل ثمة مجموع القرويين، و مجموع عناصر الكَريلا، تلعب كلها معاً دور البطل. و من هنا يغدو الحوار منسجماً مع الأحداث.
يصف الكاتب شخصياته عن بُعْدٍ، و لا يتدخَّل في صنعها، بل يدع المجال للحدث، ليخلق الشخصية، فيأتي الحوار بعد ذلك، ليس منسجماً مع الأحداث فقط، بل مع الشخصيات في مستوى معرفتها و ثقافتها، و مستوى شجاعتها أيضاً. كما يعكس الحوار ما يعانيه الجندي التركي من خوف في مواجهة الكريلا، فيبدو انفعالياً.
و كثيراً ما يلجأ الكاتب إلى المونولوج الداخلي، و ذلك حين يعجز السرد و الحوار عن الولوج إلى أعماق الشخصيات، فيدع الكاتب المجال للشخصية أن تتحدث بنفسها مع نفسها. إن المونولوج الداخلي عنصر فعَّال في نقل مشاعر الشخصية الروائية أو القصصية، بحيث تشعر الشخصية بحريتها، و بعدها عن الرقيب، فتدع المجال لمشاعرها و أحاسيسها و لِما يجول في خاطرها من أفكار. و كثيراً ما يلعب الحوار و المونولوج دوراً في بيان المستوى الفكري و السياسي و الاجتماعي للشخصيات.
هذه نظرة سريعة في هذه الرواية، لا تغني عن قراءتها،حرصتُ فيها أن ألمِّح، لا أفصِّل، و أن أفتح أحد مصراعيّ الباب، و أدع المصراع الآخر للقارئ يفتحه بنفسه، فلا أحرمه متعة القراءة، و معرفة أحداث ربما لا يعرفها الكثيرون.
اقتصرت مراجعتي للرواية على الجانب اللغوي، و من هذا الجانب ركَّزت على النحو ، ولم أتدخل لا في الصياغة و لا في التعبير، حيث لم أجد لي حقاً في تغيير العبارات أو إعادة الصياغة، و ذلك
لحرصي على إبقاء لغة الكاتب كما هي، و هذا ما يُيَسَّر له متابعة تطور لغته الروائية في أعمال قادمة.

اضف تعليقاً