الروائي والأديب الكردي السوري عبد الباقي يوسف يكتب: الدولــة الكرديّـــة المَنشودة بين نعيم الثقافة وجحيم السياســة

466

الروائي والأديب الكردي السوري عبد الباقي يوسف يكتب: الدولــة الكرديّـــة المَنشودة بين نعيم الثقافة وجحيم السياســة

عبد الباقي يوسف
روائي سوري

نشرت بعض الأوساط السياسية والثقافية العربية والكردية ما كتبه الروائي الكردي السوري المقيم في أربيل (عبد الباقي يوسف) عن شكل الدولة الكردية المُفتَرَضة وعوامل إقامتها.

نص الحديث
ما هو هام للغاية أن الأكراد استطاعوا أن يتعظوا من كل تجارب الدول المجاورة، وبعض الدول الأخرى ليصلوا إلى حقيقة أن المستقبل في بقاء الدول يقترن بمدى قوتها الثقافية، فمهما علا صوت السياسة فيها، فإنّها ستكون كهشيم تذروه الرياح أمام أول منعطف، دون الاستناد إلى قوائم ثقافية جبّارة، كون الثقافة تتمتّع بجماهيرية أوسع، وهي تستمدّ قوّتها وثباتها من نبض الجماهير الواسعة، وهذا ما تفتَقد إليه السياسة، أي سياسة في العالم، وما ذلك إلاّ لأنها غير قادرة أن تجمع ما بين الجماهير، ولذلك نرى بأن الأحزاب الكبرى التي تقود دوَلها سياسياً في العالم، لاتغفل عن هذه الحقيقة وتُدرك بأن القيادة الحقيقية الكبرى الباقية التي ليس بوسع أحد أن يزحزحها في المجتمع إنما هي القيادة الثقافية، لكن الدول المتخلّفة، أو النامية، فإن أحزابها أول ما تفعله، هو النقيض، أي ترى في الثقافي ندّاً له، فتسعى ما أمكنها إلى إخفاض صوته، أو تحويله إلى بوق له، أو التضييق على الرموز الثقافية الكبرى فتضطرّ لترك أعشاشها، أو الاعتزال عن النشاط الثقافي، مِمّا يجعل صوت السياسي في تلك الدول يعلو صوت الثقافي، فتكون أركان الدولة بذلك قد وضِعَت على قوائم هشّة ركيكة، وتكون عرضة للاهتزازات القويّة، أو الانهيارات الكبرى كما حدث لبعض دول الشرق الأوسط، ليس منذ السنوات الأخيرة، بل منذ استقلالها، فلم تنعم شعوبها بالراحة، الأمر الذي جعل كثيراً من أبناء هذه الشعوب تتمنّى فيما لو بَقيَت في ظل (الاستعمار). فإذن كان عليّ أن أقدّم هذا الشرح لأعني أن الناس باتوا في تلك الدول يحنّون إلى الاستعمار، لأن الأنظمة التي من المفترَض حرّرتهم، باتت تلحق بهم أفدح الأضرار، فأعداد المساجين تكاثرت، وهجرة العقول النيّرة تكاثرت، وبدأت هذه الشعوب تواجه لأول مرة أسلحة كيماوية على أيدي أنظمتها، وكذلك ألوان التنكيل الفظيعة بحق المواطنين، والتدخلات التعسّفية، وأساليب التجويع والترويع حتى الموت والتهجير القسري.
ولذلك فإن الدولة الكردية المنشودة إن كانت على هذا النحو، فهي ستكون نقمة على الأكراد، وليست نعمة، لأنها ستري الأكراد ما رآه غيرهم من أنظمتهم عندما استقوى عودها عليهم، ففتكَت بهم، وزلزلت الأرض تحت أقدامهم، فأصبحوا كالشاة المَطيرة في ليلة شاتية عرضة لكل أذى حتى أن البعض بات يستقوي على الهاربين من الفظائع والمجازر، فيتقصّد غرقهم، أو قتلهم، أو تجميدهم في برّادات سيّارة، كي يستولي على أعضائهم ويتاجر بها. فكان من حق هؤلاء أقل ما يكون من حقّهم أن يتمنّوا عودة ( الاستعمار) لتخليصهم من كل هذا الهَول الذي لحق بهم. ولعلّ هذا هو الدرس البليغ الذي على الأكراد أن يستوعبوه جيداً ويتعظوا به جيداً قبل أي خطوة نحو ( الاستقلال )، لأنهم في غِنى عن دولة جديدة على شاكلة أخواتها، أو جاراتها.
مَناعةُ الثقافــة
لكن إزاء هذه الحساسية، ما الذي يمكن فعله؟
إن كل أشكال وألوان الحديث عن الديمقراطية، والتنوّع، والاعتراف بالمكوّنات، أوالشَراكة، أوالرسائل الخالدة، أو الحرية وما شابه، باتت تثير الاشمئزاز. فاللبِنات الثابتة القويمة لأركان الدولة الكرديّة لابدّ لها أن تكون لَبِنات ثقافية حتى يكون بإمكانها أن تقف على قدَمَيها، وتقاوم كل العواصف التي قد تشتدّ عليها. فتكون الدولة الكردية، دولة ثقافية، لا دولة سياسية، أن تكون المقرّات والمراكز الثقافية فيها أكثر من المقرّات الحزبية والمكاتب السياسية، لأن المنطقة برمّتها، لاتلزمها ولادة أي دولة سياسية، وما هي بأمس الحاجة إليه هو ولادة جديدة لدولة ثقافية تكون حافزاً لتقتدي بها دول المنطقة، إنها الولادة المستنيرة المشرقة التي تحتاجها المنطقة بعد أن فعلت السياسات ما فعلت بأبنائها. فلم يعد بوسع أحدٍ أن يعوّل على السياسة في المنطقة، والمستقبل في ظل بقاء الأمر لهو غامض ومروع لايأمن أحد عواقبه الأكثر من وخيمة بالنسبة لمسألة الحياة في هذه الدول. إن حاجتنا إلى الثقافة لَهي كحاجتنا لنسمة الهواء ورغيف الخبز، وأن تصبح كردستان ملاذاً ليلوذ بها مثقفو العالم العربي، وغيرهم لأن حاجتنا إلى وجود الطاقات الثقافية بيننا، لهي أكثر من حاجتنا إلى أي شيء آخر.
من خلال ذلك يتبيّن لنا بأن القوة السياسية مهما بلغت من قوة، فإنها تبقى واهنة دون أن تساندها قوة ثقافية، ولعلي أذكر هنا أن السادات عندما قام بزيارته التاريخية إلى إسرائيل، قدّم له رئيس وزراء إسرائيل آنذاك كتاب ( دليل الحائرين) لابن طفيل.
النزوع الإنساني في النشيد القومي الكردي
النشيد القومي لأي شعب، يعبّر عن سيكولوجية ذاك الشعب، وعن تطلّعاته، فمن خلال هذا النشيد يمكننا أن نستجلي ونستشرف كينونة ذاك المجتَمَع. وللشعب الكردي نشيده القومي والوطني، وهو يتّسم بالنزعة الإنسانية والحضارية، حيث يستفتح به الكرد صباحاتهم سواء في المدارس، أو في ثكنات الجيش، أو في المصانع، أو في سائر حقول الإنتاج.
يبدأ هذا النشيد بـ : (أيها الرقيب)
إنها إشارة أولى في النداء الأول الذي يوجهه الشعب الكردي إلى الآخر الذي يستخدم شتى ألوان العنف لمحاربة الكرد وإخراجهم من ديارهم، فلا يخاطبه بـ أيها العدو، بل يهذّب خطابه إليه بقوله: (أيها الرقيب)
عقب ذلك، يستأنف خطابه إلى هذا الرقيب قائلاً:
(سيبقى الكرد بلغتهم وأمتهم باقون إلى الأبد)
في إشارة ثانية بأن هذا الرقيب لو استطاع أن يقضي على جيل كردي بأكمله، فسوف يولد جيل جديد بعد حين من الدهر ويدافع عن كردستان:
(لايقهرهم، ولا تمحوهم مدافع الزمان) .
ثم يبيّن سبب عدم قهر الكردي وعدم يأسه من فكرة المقاومة مردفاً:
(نحن أبناء اللون الأحمر .. أبناء الثورة)
فيطلب إليه أن:
(تمعّن بماضينا المخضب بالدماء)
ذلك أن حاضر العنف مهما بلغ من حدّة، فإنه لن يكون أكثر من صفحة تُضاف إلى صفحات الماضي المخضّب بدماء الكرد في سبيل بقاء كردستان حية :
(نحن أبناء الميديين، وكي خسرو)
تذكير للرقيب بالماضي الكردي، وامتداد جذور دولة كردستان في عمق التاريخ، وأن قيام دولة كردستان، هو ليس نشأة جديدة، أو بدعة معاصرة، بل هو عودة إلى الحق المغتصب حيث كانت كردستان عبر عصور الزمن السحيق إمبراطورية قائمة تقف على دعائم شعب، وحضارة، وتاريخ، وملوك، وهي تستعيد حقها ضمن جغرافيتها المشروعة، ولا تسعى إلى إنشاء كيان في أرض غريبة ليست لها :
(ديننا إيماننا هو الوطن)
التفاني هنا يقضي أن يدين المواطن بدين الوطن، وكذلك يؤمن به حتى يُمكّنه ذلك من الجود بالنفس في سبيل الوطن، لأن ذروة ما يمكن للمرء أن يجود به، هو جوده بنفسه، ولايبلغ هذه المرتبة قبل أن يدين بدين ما يجود في سبيله بنفسه، وهذا لايتعارض مع الدين السماوي الذي يشكّل الكرد ركناً فعّالاً عبر تاريخه من خلال رجالاته الكرد.
إنه هنا تعبير عن التفاني في سبيل الوطن، وهذا قريب من قصيدة لمحي الدين بن عربي يقول:
قد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ
وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ ركـائـبهُ فالحبُّ ديـني وإيـمَاني
ثم يشير إلى مكامن قوة الأمة بقوله:
(انتفضَ شباب الكرد مثل السباع كي يسطروا بدمائهم تاج الحياة)
تمتلك الأمة الكردية طاقات شبابية متجدّدة تدين بدين كردستان وتؤمن بها دولة قائمة، تتحوّل إلى سباع، وتبذل ذروة ما تملك في سبيل تاج كردستان، وقد شبّه النشيد هنا الوطن بالحياة، لأن أمة بلا وطن، لاتسري فيها حياة:
(نحن أبناء الثورات، والدم الأحمر)
هنا تذكير آخر للرقيب بأن روح الثورة تجري في عروق الكردي مجرى الدم، بعد ذلك يأخذ النداء صفة الجمع عندما يتحوّل الرقيب إلى رقباء، ويمسي العدو مجموعة أعداء، فيخاطبهم بصيغة الجمع هذه المرة:
(انظروا إلى تاريخنا المليء بالدماء)
كذلك فإن الحاضر ليس أكثر من امتداد للماضي لأن فيه:
(شباب الكرد على أهبة الاستعداد للتضحية بأرواحهم)
عندئذ، يتم مخاطبة الناس جميعاً أصدقاء وأعداء بصيغة الجمع:
(لايقل أحد أن الكرد زائلون، أن الكرد باقون)
ثم ينتهي النشيد بثقة عالية:
( باقون كرايتنا الخفاقة الشامخة إلى الأبد) .
كان الشاعر يونس ملا رؤوف الشهير بـ دلدار قد كتب هذه القصيدة أثناء وجوده في إحدى معتقلات كوردستان في إيران سنة 1938 وكان يتوجه بها إلى حارس السجن في رسالة كي يوصلها هذا الحارس إلى رؤسائه ولذلك كان يخاطبه : أيها الرقيب، والخطاب ليس للحارس لأنه رجل مأمور، بَيدَ أن الشاعر أراد أن يجعل من ذلك رمزاً لكل مَن يقوم باضطهاد الكرد.
الحضور الثقافي الكردي في الوثائق التاريخية
استطاعت الشخصية الثقافية الكردية أن تحقق حضوراً لافتاً في سائر ألوان وأشكال وأجناس الثقافة الإنسانية، فما أن تقرأ كتاباً في التراث، حتى ترى حضور شخصية كردية، سواء أكان الكتاب في الأدب، أو الفن، أو العلوم، أو السياسة، أو الرياضة، أو الفلسفة، أو العمارة، أو الفكر، أو الدين.
وما لفت نظري وأنا أستمتع بقراءة هذه الكتب التراثية، هو هذا الانفتاح الملفت للنظر من قِبل تلك القامات الثقافية تجاه مزايا شخصية الإنسان الكردي، حيث يتم تقديمه بفطرته، كما هو دون أن تشعر بأن المؤلف انطلق من نزعة ما، ولعل هذا ما يفتقد إليه بعض المثقفين والمبدعين المعاصرين الذين تكون أفقهم ضيقة – غير ناجمة عن وعي ثقافي – لأن الأفق الثقافي هو مفتوح على كل ما هو إنساني بصرف النظر عن لون، وقومية، ولغة . وقد انطلق الانسان الكردي من بنية أرضية الإنسانية هذه وهو يقدم خدمات جليلة تحولية وانعطافية كبرى في مسيرة ازدهار تلك الإبداعات والمنجزات الإنسانية على شتى الصعد.
يقول ابن خلدون في كتابه ( العبر) : (هاجرت عشيرتان كرديتان إلى الجزائر تحت اسم بادين، ولاوين ويُعتقد بأن عشيرة بادين هاجرت موطنها في بادينان إلى الجزائر، وأن لاوين هي بقايا قبائل اللولو) .
يقول ابن الأثير: (كانت زوجة “بهرام جوبين” تتسمى بغسم كردي وأسماء أخواتها هي أسماء كردية، وعندما توفي بهرام جوبين تزوج كسرى ملك الفرس هذه المرأة).
يروي المسعودي فيما يرويه من وثائق يوردها بشأن بعض العشائر والقبائل الكردية المنتشرة، حيث يذكر بأن عشيرتَي السرات، والهزبني الكرديتين قطنتا أذربيجان، وأن أصول شاه جان هي كوردية، قطنت همدان، وقد سكن الدبابلة في بلاد الشام.
فيما يقول القلقشندي : (يتألف الأكراد من شعوب عديدة ولكنهم شكلوا شعباً واحداً ومستقلاً في شؤونه وينتشرون بمحاذاة الحدود العربية ولم يتداخلوا أو يختلطوا كثيراً مع العجم، كما انتشرت بعض العشائر الكردية في الشام واليمن وفي مناطق أخرى من العالم، وأكثرها في المنطقة الواقعة بين العرب والعجم حيث استقرت هناك بين تلك الجبال الواقعة بين العراق العربي، والبصرة والكوفة وبلاد خراسان. ويقول بأن: عشيرة” الشوك” الكردية، هي إحدى العشائر البدوية الذائعة الصيت ورجالها محاربون أشداء ، ولكنهم يتميزون أيضاً بالسخاء والكرم والجود ويرحمون فقراءهم ويقدمون لهم مايحتاجون)
وقد حققت الشخصية الكردية حضوراً لافتاً في العمل السردي الأكثر شهرة في العالم،” ألف ليلة وليلة”، حيث كان الكرد أبطال العديد من ليالي هذا العمل السردي العريق، ومحاور شخصياته.
ففي الليلة 358 نكون أمام شخصية” جوان الكردي” ومن تلك الأجواء:( ثم حمل الخرج وحملها على أكتافه وذهب بهما مثل البرق الخاطف فقالت له: العجوز أخبرتني أنك ضعيف بسببي وها أنت أقوى من الفرس. فلم يرد عليها جواباً، فقالت له: أي شيء أنت فقال لها: يا عاقرة أنا جوان الكردي من جماعة أحمد الدنف ونحن أربعون شاطراً وكلهم في هذه الليلة يفسقون في رحمك من العشاء إلى الصباح)
ثم في الليلة التالية:( بلغني أيها الملك السعيد أن جوان الكردي قال لأمه: احتفظي عليها حتى أرجع إليك في بكرة النهار. ثم ذهب فقالت زمرد في نفسها: وما هذه القفلة عن خلاص روحي بالحيلة كيف أصبر إلى أن يجيء هؤلاء الأربعون رجلاً فيتعاقبون علي حتى يجعلوني كالمركب الغريقة في البحر، ثم إنها التفتت إلى العجوز أم جوان وقالت لها: يا خالتي أما تقومين بنا إلى الخارج حتى أفليك في الشمس فقالت: أي والله يا بنتي فإن لي مدة وأنا بعيدة عن الحمام لأن هؤلاء الخنازير لم يزالوا دائرين بي من مكان إلى مكان، فخرجت معها فصارت تفليها وتقتل القمل من رأسها إلى أن استلذت بذلك ورقدت، فقامت زمرد ولبست ثياب الجندي وشدت سيفه في وسطها وتعممت بعمامته حتى صارت كأنها رجل وركبت الفرس وأخذت الخرج الذهب معها وقالت: يا جميل الستر استرني بجاه محمد صلى الله عليه وسلم).
كذلك نكون مع حكاية الكردي وجرابه مع هارون الرشيد في الليلة “835” وما هو هام في هذه الليالي أنها تؤرّخ لجانب من العادات والتقاليد الكردية، فانظر إلى المظاهر الحضارية التي يجنح إليها الكردي 🙁 فتوجهنا إلى القاضي وأنا بحكمه راضي فلما دخلنا عليه وتمثلنا بين يديه قال القاضي: في أي شيء جئتما؟ وما قضية خبركما؟ فقلت: نحن خصمان إليك تداعينا بحكمك تراضينا فقال: أيكما المدعي؟ فتقدم الكردي وقال: أيد الله مولانا القاضي إن هذا الجراب جرابي وكل ما فيه متاعي وقد ضاع مني ووجدته مع هذا الرجل. فقال القاضي: ومتى ضاع منك؟ فقال الكردي: من أمس هذا اليوم وبت لفقده بلا نوم. فقال القاضي: إن كنت تعرفه فصف لي ما فيه؟ فقال الكردي: في جرابي هذا مردوان من لجين، وفيه أكحال للعين، ومنديل لليدين، ووضعتُ فيه شرابتين، وشمعدانين، وهو مشتمل على بيتين وطبقتين وملعقتين ومخدة ونطعين، وابريقين وصينية وطشتين وقسدرة وزلعتين، ومغرفة وسلة ومردوين، وهرة وكلبتين وقصعة وقعيدتين وجبة وفروتين وناقتين، وجاموسة وثورين ولبة، وسبعين ودبة وثعلبين ومرتبة ، وسريرين وقصرا،ً وقاعتين ورواقاً ومقعدين، ومطبخاً ببابين، وجماعة أكراد يشهدون أن الجراب جرابي.
فقال القاضي: ما تقول أنت يا هذا؟ فقلت إليه: يا أمير المؤمنين وقد أبهتني الكردي بكلامه: أعز الله مولانا القاضي أنا في جرابي هذا دويرة خراب، واخرى بلا باب، ومقصورة للكلاب، وفيه الصبيان كتاب وشباب يلعبون الكعاب، وفيه خيام وأطناب ومدينة البصرة وبغداد وقصر شداد بن عاد وكور حداد، وشبكة صياد وأوتاد وبنات وأولاد وألف قواد يشهدون أن الجراب جرابي.
فلما سمع الكردي هذا الكلام بكى وانتحب وقال: يا مولانا القاضي إن جرابي هذا معروف وكل ما فيه موصوف، في جرابي هذا حصون وقلاع وكراكي وسباع، ورجال يلعبون بالشطرنج والرقاع؛ وفي جرابي هذا حجرة ومهران وفحل وحصانان ورمحان طويلان، وهو مشتمل على سبع وارنبين ومدينة وقريتين ، وأعمى وبصيرين واعرج وكسيحين، وقسيس وشماسين؛ وبطريق وراهبين، وقاض وشاهدين، وهم يشهدون أن الجراب جرابي).
يقول عنهم السومريون: كوتي ، جوتي ، جودي .
والآشوريون يقولون : كارداكا ، كاردان ، كاركتان ، كاردو ، كارتي ، كورتي .
والأرمن يقولون : كورتيخ ، كرخي ، كورجيخ ، كورخي .
واليونان يقولون: كاردوسي، كردوكي، كاردخوي.
والرومان يقولون: كاردويكاي، كاردوك، كارد خوي.
والفرس يقولون: سيرتي، كوردراها، كورتيوي.
ويقول العرب : كردي، جودي، كاردوي، كارتاويه، باقاردا، باكردا.

محمود درويش والجواهري يتنبآن بالدولة الكردية
كردستان كقضية تحررية وإنسانية شغلت الكثير من الشعراء العرب، فعبّروا عن صدق مشاعرهم تجاه حرية كردستان التي هي حرية للشعب الكردي، إذا لايمكن لأي كردي أن يشعر بأنه حرّ دون أن تتحرّر الدولة الكردية، ومهما انتاب الكردي شعور بالحرية، فهي حرية ناقصة لأنه دوماً يشعر بأن كردستان – موطنه وموطن أجداده وموطن هويته القومية – ليست حرّة ، وليست حرّة يعني أنه لايحكمها أبناؤها، وبالتالي لا يستطيعون أن يمارسوا مزايا مشاعرهم القومية في أرضهم لأنها بيد الغير. من هنا يولد الكردي، وتولد معه قضيته القومية، وهي قضية تحرير كردستان الكبرى بأجزائها الأربعة، وإن كانت هذه القضية تشغل الكرد، فهي كذلك تشغل أصدقاء الكرد من أدباء، وشعراء، ولعلي هنا أتوقف في هذه العجالة مع اثنين من عمالقة الشعر العربي المعاصر الذين كتبوا عن كردستان في بديع قصيدهم، أمّا الأول فهو شاعر القضية الفلسطينية ( محمود درويش ) الذي يُعدّ من أعمدة الشعر العربي المعاصر، وأمّا الثاني فهو ( محمد مهدي الجواهري) الذي وصفه عميد الأدب العربي ( طه حسين) ذات يوم بأنه آخر نوابغ الشعر الجاهلي.
الأول تناول كردستان كقضية، وبلاده ذاتها تعاني مما تعانيه كردستان، ولذلك اتحدت كوردستان – من حيث القضية – بفلسطين بالنسبة لدرويش، فتحوّل في هذه القصيدة إلى شاعر للقضية الكردية. يقول في قصيدته ( كردستان) :

من أرض كردستان
حيث الرعب يسهر والحرائق
الموت للعمال إن قالوا
(لنا ثمن العذاب
الموت للزرّاع إن قالوا
لنا ثمر التراب
الموت للأطفال إن قالوا
لنا نور الكتاب
الموت للأكراد إن قالوا
لنا حق التنفس والحياة)!!
ونقول بعد الآن .. فلتحيا العروبة
مرّي إذاً في أرض كردستان!
مرّي يا عروبة
هذا حصاد الصيف
هل تبصرين ؟
لن تبصري
ثم يقول درويش:
يا شهرزاد
الليل يفترس الصباح
وحقول كردستان .. موسمها جراح
الحبّ ممنوع .. وهمس الجار
لا شيء مباح
إلا دم الأكراد .. نفط الموقدين
مصباح عارهم .. بموت الآخرين
يا شهرزاد ..
صدأت أساطير البطولة في لياليك الملاح
والذكريات البيض والمهر الذي ركب الرماح
والحبّ والأمجاد والسيف الذي ملَ الكفاح
عار على بغداد
ما فيها مباح
إلا دم الأكراد
في المذياع .. في صحف الصباح
حبر الجرائد في مدينتنا دم
أنا أبدناهم ! وتعتز الذئاب .. وتبسم
أنّا زرعنا أرض كردستان ..
لحداً عارياً من فوق لحد
أنّا زرعناهم جماجم لا تعدّ يا شهرزاد ..
الليل يفترس الصباح
والحبّ ممنوع ..
ومخدعك الوثير
ملقى على أقدام سيّدك الحقير
ودماء كردستان تغرق سافيحها
واللاعب المأفون بالنيران
سوف يموت فيها
يا شهرزاد
ما مات إلا الموقدون

إن درويش يؤمن كل الإيمان بزوال الليل عن كردستان، وشروق شمس الحرية على جبالها، وطبيعتها، وإنسانها، وهو يؤمن بأن الظلم مهما طال، فإنه لن يدوم، وهو يتنبأ للإنسان الكردي بأن بشروق هذه الشمس، وبزوغ نهار الحرية.

محمد مهدي الجواهري

أمّا عمود الشعر العربي المعاصر ( الجواهري) فقد تناول كردستان وهو الأكثر قرباً – من حيث الجغرافيا – من الشعب الكردي، ولذلك ركّز الجواهري على بنية طبيعة الشعب الكردي العظيم، حتى أنك ترى جمالية بهاء المزايا والخصال الكردية في بديع قصيد الجواهري الذي خص به الكرد وكوردستان ، ولذلك هو يسمي كوردستان بـ موطن الأبطال ويناديها في قصيدته :
(كردستان ياموطن الأبطال)
يقول:
قلبي لكردستان يُهدى والفم
ولقد يجود بأصغريه المعُدم

ودمي وإن لم يُبِق في جسمي دما
غرثى جراح من دمائي تطعم

تلكم هدية مستميت مغرم
انا المضحى والضحية مغرم
أنا صورة ُ الألم الذبيح ِ أصوغه
كَلما عن القلب الجريح يترجم

ثم يقول عن طبيعة كردستان :
سلَّم على الجبل الأشم وأهلِه
ولأ نت تعرف عن بنيه من هُم

وتقصَّ كل مدبَّ رجل ٍعنده
هو بالرجولة والشهامة مُفعَم

والثم ثرىً بدم الشهيد مخضبا
عبقاً يضوع كما يضوع البرعم

متفتح أبدَ ألأبيد كأنه
فيما يُخَّلد عبقريُ مُلهم

وأهتف تجبكّ سفوحه وسهوله
طرباً وتبسمُ ثاكل , أو أيَّمُ

يربط الجواهري بين طبيعة كردستان، وبين أبنائها الكرد، فيقول:

يامَوطنَ الأبطال حيثُ تناثرت
قصصُ الكفاح حديثها والأقدمُ

حيث انبرى مجدٌ لمجدٍ والتقى
جيلٌ بآخر زاحفٍ يتسلٌمُ

ياأيها الجبل الأشم ُ تجِلٌة
ومقالة ً هي والتجلٌة توأمُ

شعب دعائمه الجماجم والدمُ
تتحطم الدنيا ولا يتحَطٌم

تُعّد قصيدة الجواهري هذه من القصائد الغنائية الجميلة التي اغتنى بها الشعر العربي، ذلك أن الجواهري قد كتبها بقوة شاعريته المرهفة، وقد شدت المطربة السورية ميادة الحناوي بهذه القصيدة.

عن بعض الوكالات وشبكات الإعلام ومنها: شفق نيوز
http://www.shafaaq.com/ar/Ar_OpinionReader/059848ba-21bd-402d-a439-56236b59bc5f

466 تعليق