رسالة إلى طفل جزائري

0

رسالة إلى طفل جزائري

عزيزي الجزائري الصغير.
تحية وبعد…
هل سبق أن روى لك أهلك هذه الحكاية:
“كان يا ما كان، في قديم الزمان، كان في مدينة كردية صغيرة في سوريا اسمها عامودا، يحب أطفالها اللعب، ويعشقون طيور الحمام والقطا، ويصبغون أيديهم بالحناء في العيدين”الفطر السعيد”و”الأضحى المبارك”،ويلوّنون البيض في”الفصح المجيد”،ويتناولون”الكريم غلاسيه” عند الذهاب إلى السينما.
لقد اشترى خمسمائة من هؤلاء الأطفال، وكنتُ واحداً منهم، في الثالث عشر من شهر تشرين الثاني(نوفمبر) في سنة 1960، تذاكر سينما وحضروا فيلماً، قالوا لهم إن ريعه يرصد لصالح الثورة الجزائرية. وشبّ في ذاك المساء الأسود، حريق جهنمي في دار السينما. استشهد على اثره ثلاثمائة طفلاً كردياً من أجل إستقلال الجزائر وثورتها العظيمة!”
أعرف أنك لم تسمع بهذه الفاجعة ياعزيزي، لأن أحداً لم يحكِ لك عنها في البيت ولا في المدرسة. لا بأس عليك، فلم يسمع بها أحد من الأطفال العرب، لا في سوريا ولا في أية دولة عربية أخرى، لأن أحداً لم يرو لهم أيضاً شيئاً عنها، لا في البيت ولا في المدرسة!
تعرف أن بلدك الجزائر تُسمّى”بلد المليون شهيداً”،ولكن هل تسمح لي أن أطلب، تكريماً لأرواح زملائي الشهداء الصغار الثلاثمائة، تعديل العبارة لتصيرالجزائر”بلد المليون والثلاثمائة شهيداً.”؟
أقول لك هذا يا عزيزي بمناسبة الحملة المسعورة، التي تشنّها بعض الحكومات والعناصر الشوفينية العربية والتركية والفارسية الحاقدة، ضد رغبة الكرد في إقليم كردستان العراق في إجراء إستفتاء ديمقراطي شفّاف من أجل الإستقلال وتقرير المصير. وتحكم على الكرد أحكاماً بغيضة، وتطلق عليهم صفات مليئة بالضغينة.
هل قالوا لك في المدرسة يا عزيزي إن القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي، هو مَن حرّر مع جنده الكرد، القدس من الصليبيين فعلاً. ولم يتاجر كما تاجر الآخرون بها زيفاً عقوداً من الزمن، ثم غزوا سوريا بعدئذ ضمن ميليشيات طائفية، ودمروا مدنها على رؤوس سكانها، متذرعين بصفاقة بأن طريق القدس تمر عبر القُصير وحلب ودمشق ودير الزور والقامشلي وغيرها.
هل تعلم يا صديقي أن الكرد يعدّون من الشعوب القديمة في المنطقة، يقيمون في بلادهم كردستان منذ آلاف السنين، وأنهم لم يغزوا بلداً ولا اعتدوا على أحد أبداً، إنما دافعوا دائماً عن أرضهم وكرامتهم وطالبوا بحقوقهم فحسب. إنهم لم يأتوا كما جاء الأتراك من صحارى آسيا الوسطى مثلاً، واحتلوا تركيا واضطهدوا سكانها الأصليين، ونشروا الظلام طوال قرون، ويقومون اليوم بإحتلال أرض سورية، ويجمعون الإرهابيين من كل العالم لإرسالهم إلى سوريا لتدمير وقتل ما لم يدمره ويقتله فيها حزب الميليشيات الطائفية اللبناني، تنفيذاً لأوامر أولياء أمره”فقهاء الظلام” في طهران.
تعرف يا صديقي أن اسرائيل اغتصبت فلسطين وقتلت ولاتزال تقتل شعبها، وأن حكومات عربية عقدت معها صلحاً وإتفاقيات سلام على الرغم من كل أفعالها العدوانية السافرة المستمرة حتى اليوم بحقّ الشعب الفلسطيني، وأن علمها يرفرف في سماء أكثر من دولة عربية.
وتعرف أن الحكومات العربية لم تحاول إسترجاع عربستان التي احتلته إيران الفارسية، بل يعقد قسم كبير من العرب تحالفات مع إيران ويتطوعون لخدمتها في تدمير الدول العربية، ويبتهجون لخُطب ملاليها الذين يتباهون فيها تباهياً شريراً بأنهم يحتلون أربع عواصم عربية!
كما أنك تعرف ربما ياعزيزي أن تركيا أحتلت اسكندرون السورية، وان الحكومات السورية تنازلت لها رسمياً عنها. بل وراح قسم كبير آخر من العرب يتعاون مع تركيا المحتلة، راعية “داعش” و”النصرة”، لإحتلال أراض سورية أخرى، والهجوم على الشعب الكردي في محاولة فاشية لمنعه من التمتع بحقوقه المشروعة!
هل ترى في هذا عدلاً، يا صديقي الجزائري الصغير؟ هل ترى أنه من الإنصاف أن يتحالف كثير من العرب مع مَن يحتل أرضهم ويقتل شعبهم، ضد مَن دافع عن أرضه وأرضهم وحرّر قدسهم؟
لقد أنقذتني يدً إلهية من تلك النار الجهنمية، كي أسرد لك هذه الحكاية يا أخي الصغير، وأرجوك أن تقوم بدورك إلى نقلها إلى أترابك الجزائريين وإلى أهلك، و أن تطلب من الشوفينيين العرب والترك والفرس، أن يتّقوا الله ويكفوا شرّهم عن شعب يطالب بحقه في الإستفتاء أو حتى في الإستقلال.
إليك تحياتي يا عزيزي الطفل الجزائري، وتحيات أطفال عامودا، الذين يحارب أباؤهم وأخوتهم الإستعمار والإرهاب حتى اليوم، ببسالة نادرة!
مع أطيب التمنيات.
أخوك السوري محمد نجاري

اضف تعليقاً