مانيفستو الحياة قراءة في تجربة الشاعر زنكَابادي آخر متصوفة العالم

0

مانيفستو الحياة
قراءة في تجربة الشاعر زنكَابادي آخر متصوفة العالم

شاكر مجيد سيفو

لايمكن لشاعر مثل جلال زنكَابادي ذي تجربة ثريّة ناضجة أنْ تمتد وتتسّع وتستطيل وتتربع على عرش الشعريّة العالية ؛ ما لم يكن إنساناً ذا ثقافة كونية راقية شاملة وعميقة ، إنساناً عاش تأريخاً بشرياً حافلاً بالأحداث والوقائع الإنسانية ، ونام واستيقظ وتوقف قلبه ، ثمّ عاد ينبض بفضل عبقرية الدكتور يوسف القسوس ، بل أحيته الكتابة ؛ من أجل نشر الكلمة الحرة الصادقة الخلاقة ، ومن أجل حياة الشعر ونداءاته الباطنية الصارخة في وجه الظلم والطغيان ، و من أجل الإنسان دون أدلجة فكره وعقله وأفكاره وتأريخه الشخصي والجمعي .
لقد عاش الشاعر الإنسان جلال كل مآسي وخيبات وانكسارات العراق ، لاسيّما التراجيديا الكردية ، و عانى الإستلاب والإغتراب وانكسار صور الطبيعة واندثار الزمن وفجائعية الزمن العراقي …
يقع محور اشتغالات الشاعر زنكَابادي في الأفق الكارثي والمحيط التراجيكوميدي.. فتجربته الخصبة ثريّة رحبة و مفتوحة، وتتسع لعوالم وآفاق متعدّدة متشعبة جداً ، فهو دائب الإشتغال على شحن المفردة بالشعريّة ، التي تصدم القاريء وتثيره بالتوالدات الصورية المتلاحقة والمتعاقبة في أنساق سرود طافحة بالأحاسيس والأفكار المتأجّجة ؛ حيث تتمسرد قصائده بتشكيلاتها البصريّة المشحونة الواخزة المثيرة ، ويتخذ السرد مسار منطق شعري ، وليس المنطق العقلي في سبائك نصوصه سياقاً ملحمياً بمرجعياته المعرفية ورؤاه العرفانية الواسعة النابعة من محمولات الزمكان وتناقضات وانسجامات الذاتي والموضوعي ، حيث تمتح شعريّته الملحميّة من الموروث الشعبي العراقي والتراث الكردي بشكل خاص والتراث البشري ، عبر تثقيفه الذاتي الحرّ بقراءات متنوّعة ومعمّقة جدّاً لتراث الإبداع البشري.
لايقف الشاعر جلال زنكَابادي عند حدود ثيمة جزئية يستلها من حياته استيطيقيا؛ لكي يبئرها دلالياً في مركز النص ؛ مادامت رؤيته الشعرية تستحيل رؤيا للوجود والعدم بكل الأبعاد الفيزيقيّة والميتافيزيقية ؛ فهي تستند إلى تجربة ذات نزعة فلسفية تنطوي عليها ذات الشاعر الوارث لكل هذا الزخم التراثي والإبداع الحديث والمعاصر ، فلْـنسمعْ مايقول في القصيدة (3) من مجموعته (قصائد تأبى أيَّ عنوان) علماً بأن هوامش وحواشي قصائده مكمّلة لمتونها بأسلوب تغريبي استفزازي غير مسبوق في الشعر الكردي والعربي و ربّما العالمي:
” أَجلْ
يا مستقبلي المغدور
فقد أضربتْ
عقارب ساعتي عن الدوران
واستحالت
زُبانى زبانيةٍ أوباش
تطاردُ حتى كوابيسي
في الليل البهيم لعظامي العجوز في الرّمس
إنّما
قسماً بثرى (إيل بكَـ )
لست أمزح كاللحظة المتبخترة بهذياني :
– يا لفزع لحدي الجموح
من ظلال مستقبلٍ مغتصَبٍ لايني
يُسائلني :
– هل قلبي الشهيد المستميتُ أمْ
(نقرة السلمان) أمْ
(قصر النهاية) أمْ
(أنفالستان)
بازدهارها العارم في
كلّ بيتٍ أمْ
أيَّ زئبقٍ كنتُ يقينَك ، بلْ
أ
يّ
غ
ب
ا
ر
؟
! ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
{ * إيل بكَ الجاف : شاعركردي غنوصي من طائفة (أهل الحق) وهو متنبّيء ومجايل لنوستر أداموس/
** نقرة السلمان ، قصر النهاية و أنفالستان: من المصايف والمشاتي العراقيّة البهيجة !}

وهنا يتبادر في ذهننا سؤال : كيف يكتب هذا الشاعر قصيدته ؟

يتراءى لنا عبر قراءة قصائد زنكَابادي إنّه ينفعل انفعالاً بركانيّاً مطلقاً صرخاته المدويّة من بؤرة النص والذي هو الجسد المنطوي على خطاب (مكبوت / مقموع) طافح بعذابات وآلام وأحلام لامحدودة ؛ وحالما يهيج هيجاناً ؛ تتخارج الإنزياحات اللغويّة مولّدة صوراً مجسّدة لمعان مغايرة لامألوفة في إهاب ألفاظ كثيفة ومتشابكة كأحراش الجسد والروح في غابة الشعر، وليس في خارجها. وعندها ترتفع في قصيدة زنكَابادي سماء صاخبة تنهال على المتلقي بزخات التمرد والإحتجاج والتهكم المرير، وتتخلّـلها رعود وبروق المفارقات الصادمة المتفجّرة من قوى الشاعر المعرفية السوسيوثقافية و رؤاه الغنوصيّة الإشراقيّة الضاجة بالأفعال لغويّاً ، مع الغوص في أغوار (المسكوت عنه) حيث تتجسّد فضاءات شاسعة يجول ويصول فيها التمرد والهجو المعرّي للإستبداد والفساد والبشاعة في شتى مناحي الحياة بما فيها السياسة والثقافة والمجتمع ؛ فلاعجب إذا ما طغت في قصائد زنكَابادي مجالدة ومكابدة النفس الإنسانية الثائرة ، فضلاً عن الذات الشاعرة العارفة والكاشفة لأسرار كثيرة ومستشرفة لآفاق مستقبليّة متوقعة ؛ كلّما بلغ الشاعر ذروة التوحّد الصوفي ومقام الشطح كما في قصيدته (8) من المجموعة نفسها (قصائد تأبى…) :
” ليس لي
في هذا المنْسى
بين الإنسِ والجنِّ والنسانيسِ
سواكِ يؤانسُ هواجسي و وساوسي في هذي الدياميسٍ
فالْفظي
رممَ قواميس الشّيَعِ الضارية
و عيثي بفؤولكِ العاتية
مادامت الآفاقُ اللامرئيّةُ
تبوحُ لكِ:
-” كمْ قارّة بين (نعم) و(لا)!”
فصبراً على الوجعِ العراقيّ
وجالدي
حيثما تشهدين ستالين
يجلد مييرهولد، يغتال ناظم حكمت ويشنق بيكاسو
إيّاكِ أن تتطفّلي على أكاليل العار
ولْتَحُمْ حولك الشبهاتُ التي
لابدّ أن تحومي حولها
ولْتراوغي رهن أشواك الشكوك
ولْتعصفْ بكِ رياحُ الأهوال
إنّما كفاكِ التواضع الجمّ ؛ فتشدّقي
وثرثري كعظام أسلافي وأحفادي
لكنّما حذارِ
أنْ تخترعي أيَّ ماضٍ ذهبيٍّ ؛
مهما ظللت مغموزة
أما كفتكِ أمجادُ سليليِّ “الوقبتين القذرتين”
في أيّما عصرٍ ذئبيّ
إذْ تشقى حتى السماء
وتغرورق بالنحيب
يا قصيدتي الأبيّة؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ستالين، مييرهولد، ناظم حكمت و بيكاسو:من الأفضل أن تسألوا عنهم من الساسة والمثقفين(النجوم المشاهير!) وتدعوني وشأني(أنا الفيليّ) حماراً للعتالة وصبّاغاً لأحذية الآلهة والأنبياء والأولياء، في اليوتوبيهات الشرقأوسطية.
** مغموزة: المرأة المتهّمة بهتاناً بسوء شرفها.
**”الوقبتين القذرتين”: بتحريف عن عبارة”……الفتحتين…” للإمام علي(ع)

ويتراءى أيضاً للشاعر زنكَابادي الطوفان في موجات البث الشعري مقابل طوفان الآخر داخل وطواف الآخر المرموز في لؤلؤته مثلما في قصيدته (11) من المجموعة نفسها (قصائد تأبى…):
” لَكَمْ
أتذكّرُ ما لمْ
يحدثْ! إذْ سيحدثُ حتماً؛ أوّاه!
فكيف أنساه؟
ولْيأتِ الطوفان
مادمتِ من أجل حقيقةِ القصيدة يا
قصيدتي الحرون
فحروفكِ الألغامُ ملاذي الآمنُ
كلمّا أبُحْ لكِ في
حضرةِ أسلافي : لاوتسي، النّفّري ، جلال الدين ،
دانتي ، الجزيري ، بيدل ولوتريامون
بسفسطتي المحنّكة:
– هيّا حمّمي عيونكِ في عينِ روحي
ليكتز جسدُكِ بشقاءِ حكمتي
لعلّ شِراكَ متاهتك
تقتنصُ زئيرَ “أنا الحقّ”
أنّى تدثّرني الريحُ
في بحبوحةِ صلبي
فتجذمين الشعارير ربابتة الفهاررة
عسى أن يدرك ماضيّ المهجورُ مايحدث لي
إذْ تعيدين إليّ مستقبلي
بلغة وامضة جهوى ؛ فنتذكّر هانئين ماسيحدث
ولن ننساه الآن حتّى !
ـــــــــــــــــــــــ
*لاوتسي،النّفّري،جلال الدين،دانتي، الجزيري، بيدل ولوتريامون…إلخ:
وهم في الحقيقة أربعون، لكنهم ليسوا( ساسة حرامية بلاحدود)؛
ويمكنكم أن تستفسروا من(علي بابا)!
** ربابتة: جمع (روبوت) على ذمّتي!
**جهوى: مكشوفة.

ربما أكون دقيقاً لو قلت أن قاموس الشاعر جلال زنكَا بادي وتصريف لغته في منحنيات القول الشعري وتأسيساته النصية وجسامة الأحداث وضخامة الأسلوب وكثافة المعاني الكونية تقع في زاوية من زوايا المقاربة الشعرية ، أو تقترب من اشتغالات الشاعر العراقي الكبير الراحل عبد الوهاب البياتي ، وفي تنصيص قراءتي أو رؤيتي أو مقارنتي لتجربة للشاعر زنكابادي هذه لاأريد إطلاقاً الخوض في مستوى ما من مستويات التناص (مثلاً) ولاأقصد ذلك إطلاقاً، إنما القصد هو أنّ هناك شعراء في العالم يشتغلون في محيط كوني شعري زاخر و ضاجّ بالملحمية والمضامين المفتوحة على استثمار التأمل العميق والواسع للهموم الإنسانية، ومما دعاني إلى تدوين هذه اللمحة في مقاربتي هو اطلاعي على رأي الدكتور فؤاد قادر الأستاذ في جامعة صلاح الدين الذي يقول عن عالم زنكَابادي الشعري :
“… فالدخول إلى مملكة شاعرنا هذا يحتاج إلى أكثر من وقفة تأمل إزاء معمارية الملحمة المضادة، بل إزاء كل ثيمة على حدة ؛ لفك طلاسمها وأحجيتها والرموز المبثوثة فيها؛ وهذا بدوره يتطلب الألمام الكافي بالمناهج النقدية كافة، فضلاً عن تراث فن الشعر،منذ مرحلة الطفولة البشرية-على حد تصنيف ماركس- مروراً بمعرفة الفنون جميعها لدى شعوب الأرض، حتى مواكبة المستجدات الحداثوية في الآداب والفنون والعلوم والمعارف، التي أفرزتها الحضارة الحديثة، بما فيها المبتكرات التي تحاول مسخ وعي الأنسان، وتحويله إلى ترس في آلات الحروب المتناسلةعلى كوكبنا …”
ويؤكد الدكتور فؤاد أيضاً في تقييمه لـ ( هكذا شطح الكائن مستقبلئذٍ) لجلال زنكَابادي :
” تعد هذه الملحمة المضادة نقلة نوعية في مسار كتابة القصيدة الحداثوية،على صعيد الشعر الكردي أوّلاً؛ لأنه وظّف رموزاً كردية فيها،والشعر العراقي ثانياً؛حيث وظّف فيها الموروث العراقي من مسميات جغرافية وشخصية، وكذلك في المشهدين الشعريين العربي والعالمي ثالثاً؛ إذ أفلح الشاعر أن يمزج الهمّين القومي والإنساني مزجاً رائعاً؛ بحيث حقق (المعادل الذاتي- الموضوعي) بضربة فنان ماهر في عمله الأبداعي هذا…”

يزاوج الشاعر زنكَابادي في ملاحمه الشعرية بين كلّ الأزمنة ؛ بحيث يتراءى للقاريء أنه أقدم من نوستراداموس في تنبؤاته ! حاملاً على راحتيه كل فناجين الخط الكوني وقراءات الكفّ والتنجيم والسحر ، بلْ يمكن تشبيهه بكبار شعراء الأغريق والرومان : هوميروس وفرجيل في استدرار الموشور الملحمي وتدوينه شعرياً ، وفي كتابة الترقيم النصي الشخصي والتاريخي البشري ؛ أسلفنا بأنه نظير للبياتي في مساحة اشتغاله الشعري على الهم الانساني الكوني ، ناهيكم عن مواجيده الصوفية وشطحاته المتمرّدة في كل نصّ من نصوصه الحرّة ، مثل (سوى الحلم ، لا شمس ماوراء الشمس) الذي يستحضر ويجسّد فيه أهوال السجن وأصناف التعذيب:
” ليس لي
إلاّ أن أهتف منذ البدء:
– بولي ياقصيدتي المغدورة سلفاً
على كل إيديولوجيا مقفّـاة بزبانية (هاديس) مادامت براثن السياسة تتلطّخ بدمائي التشخب حتى في السماء وأرمدتي التنوح طوال العصور الذهبية:
– ما أشنع المرح الهمجيّ! ”

ينهل الشاعر أطاريحه من التراث الصوفي خاصّة والتراث الإسلامي والعالمي عامّة ناسجاً أنساقاَ حلمية لتأسيس يوتوبياه الشعرية الخاصة به بموتيفات ذات محمولات دلالية مكثفة كما في هذا المقتطف من قصيدته (إيّاكِ أنتظر…..) حيث وزّع الجمل والعبارات على شكل صليب ، كدأبه في العشرات من قصائده التي يستثمر فيها موهبته وثقافته في الفنون التشكيليّة ، لاسيّما فن الرسم :
” والآن أنا الموسوم بكلّ الأسماء/ قدس الأقداس جسدي صاعقة تحترقُ
أنا السرّ الذي يضيء كلّ حدّ/ يخلعُ كلّ حدّ، بكلّ ما يتبعثر، يتجمهرُ
مالمسار سوى نحن/ مالمستقبل سوى من سلالته نحن(كلّ القارات) ههنا
جبهتنا تنهض، تعرى/ يباركها الفقراءُ
نفضّ بكارة (ما
يأتي من التخوم)
نعود( يداً لها
الأقفالُ تمتثلُ
والآجالُ حيثما
تجتاز الأعراقَ،
النقود ومن
الغياهب تنبلجُ
تحت/ فوق كلّ
سماءٍ مارينا
مارين
ماري…”

في سرّانية نص الشاعر جلال زنكَابادي داخلية تخاطب الآخر عبر فضاء التنصيص من ثقافة الآخر الكوني ، حيث يعمد الشاعر إلى التراسل الشديد مع النص الكوني المعرفي الفلسفي ، الصوفي الروحي والميثيولوجي من كل ثقافات العالم ، وهي تنصيصات تذكّرنا باستثمارات الشاعر العالمي الشهير إليوت وبالأخص في قصيدته (الأرض اليباب) فلنقف مثلاً عند قصيدة زنكَابادي (إيه… أتضاهيك القصيدة؟!) :
” في زمني الذي
يتمرَّغُ في الدّمــــاءِ
والأردافِ الــمــــــغـنـــاجـةِ لبناتِ (الرايخ) أوقـفني
(ستالين)
لا(النفَّـــري)
وخاطبني:
-“لنشـــــــرب نخب الفوهرر” فهتفت:
– ألــــــــــــف لعنةٍ عـــــــــليَّ/عـــلى هـــذه القصيدةِ
إنْ لـمْ ألـجْ ممرَّاللـــــعنةِ/ أغزُ نـفســــــي؛ مـــــا دمت
لســـــــــــــت فيَّ / معشوقتي ليســـــــــــــت في
معشــــــــــــــوقتي/خــــــارطتي ليســـــت في
خارطتي/ بــل حتّــــــى كوكبي ليـس في
كوكبي/وثـمّــة أرواحٌ محشــــــــوَّةٌ
بالقطــط، الــــذئاب والكــــــوارثِ
تستبيحُ روحي وتســــمو عليَّ
حـتّـــى الحشــــــــــــــــراتُ…….”
ويبلغ النص ذروتَه في حلقاته الدائرية الضاجة برموز كونية تتعامد في معطياتها ، حتى يتخذ الشاعر لها سقفاً أرموزياً يضجّ بمخلوقاته وكائناته التي تعتاش على هذا الزخم الكوني من المعرفة الإنسانية وأنساق التأرخة المعرفية و التصوفية، فهو يدعو قصيدته في (إيه…) :
” فـهـلـمّـي
نقتحمَ الـمـجـرّاتِ/ أغـــوارَنا الـمـغـلـقـةَ ؛ حتى يضـــــــــــجَّ
هـــــدوءُ الـطّـــوفانِ
فـيـكِ :- “إيـــــــــــــــــــــــــه
ســـــبارتاكوس، أوفـيـدوس، الإمام عـليّ، النّـفّــري، بابا طاهــــر، الخيّــام، الحـلاّج، البسـطامي، الـتـوحـيدي، ابن عربي، جلال الدين مولوي، دانــــتي ،السّــــهرودي، حـافـظ ، الجزيري، كَــــونـكَورا، نـســـيمي، بيدل دهـلـوي،
لوركا، بـاث…………. أوَلـمْ تــشــــــــــــــــــــــــهدوا في
جـلالـســــتان شواهدكم من قبل
ومن بعد؟!”

ينشغل الشاعر زنكَابادي على امتداد مساحات نصوصه بالأسئلة الكونية الكبيرة والرهيبة في تعالقاتها مع الزمن الماضي والحاضر والمستقبل ، وهي أسئلة تتخذ لها سقوفاً مفتوحة ومغلقة في آن واحد ، مخنوقة ، مصدومة وصادمة ، إنها أسئلة فجائعية كارثية لاحدود لمساحاتها، تتقدم مع حلكة الكون ومقارباته التدميرية بالسموم والقنابل وبلاغة اليورانيوم فها هو كوكب الشاعر يجيبه عن تساؤلاته الصاخبة المريرة في قصيدته (في يوتوبيا القمامة يا لبحبوحتي !):
” ……ولـقـد تقيّـأوا كوكباً آخـرَ عــــــاهـراً مـضــــى بـكـلِّ خـرائـطهِ وصــــحـفـــهِ الـصّـــــــفيقةِ يــــطـــفــــــــــــــــــحُ
بـكـنـوزِ الـفاشــــــــــــســـــــتِ:
الــمـســــــــــيرات الفـارهة/ أرامل الصلبان المعقوفة/ أراجيف الأســـــواق الزاهية/ جوقات الملائكة الرعديدة/ الأقمار الأممية والبرجوازية/ بـــلاغة اليورانيوم والأساطيل والبكتريـــــــا/
الذبـــــــــــاب الـمتـــــــــــراكم على القلوب/ الظلال الخائنة- الفخـاخ/ لعنة الأوزون/ الـمـــنافي الـمـنـعـشـــــــة/ العناكـب المزدردة للأرواح/ الأنكال المليحة/ الســــــــموم الزكيّــــــة/ القنابل الرؤومة/ الجبال والأنهار الـمســـجاة في نعوش الأحلاف الماجنة/ فـضـلاً عن
أضــــــرحة السّــــــموات التي ما انفكّت تـمـــوء مـع الســــــيركات الوطنية التي ســــتـثـغـو في أنقاضِ أنقــــاضــي
حـتّـى تـســــــتفـيق الشّــــعوبُ إثرمضارطات المهـرّجين الأفـــــــــذاذ
مـحـضَ غــــــــــــبـــــار ”

إنّ كل ما يتجلّى في نصوص الشاعر من هذه النقائض بصورها البشعة والشنيعة يضطرد بقوة داخل خطاب الملفوظ الجارح الصادم الديالكتيكي في دراماتيكية ابستمولوجية ، حيث يؤسس الشاعر من سقوفها بانوراما نصوصه ويوتوبياه الشعرية الشخصية ؛ إذ تتعامد في نصوص الشاعر جدليات بين الأنا والآخر الذي هو العالم بكل ما فيه نزولاً إلى (مضارطات المهرجين) و(سيركات الساسة السفلة والتماسيح) كما يورد الشاعر في أحد نصوصه.
ثمّ إنّ ما يمنح وما يتيح لقراءتنا من منطقة حرة بمفاتيحها لنصوص الشاعر هي هذه الخلاصات الهائلة للأهوال والكوارث الهائلة المحيقة بالإنسان وهي مجهورة في سيميائية الخطاب الشعري المتكيء على مفردات مركبة مزدوجة الدلالات والمقاصد بأصواتها وصورها ، والحال الشعري الذي تؤول إليه من دراماتيكيّة الحس الشخصي وفنتازيا الرؤيا والمستوى البصري لمنحى النص وإزاحاته الدلالية والتنويع الموضوعاتي بالرغم مجاورة أنساقها اللفظية في الحفر والإستغوار واستكناه أعماق العالم ومسالك التاريخ وتوارث الانسان والفكر والوجدان الروحي والرمزي ، وحتى الرومانسي النشيجي الأيروسي والرومانتيكي والصوفي منه:
” فلنفنّ في بعضنا/ سكراً وصحواً/ لنظل نحيا/ إنّا لموجودان ما دمنا نحبّ “يا أنا”

وهكذا يظلّ الشاعر جلال زنكَابادي لايُشبه إلاّ ذاته ، ولايشبهه ولايقاربه شاعر آخر/ وإن إقامته في المنطقة الشعرية المتفردة هي بديل حياته كلّها ، والتي دفع أقساطاً منها مضطهداً ومستغلاً و مقصيّاً ومعتماً عليه وهو طريح جلطة قلبية مميتة / حتى حدثت معجزة تكافل بضعة من النجباء الغيارى الطيّبين يحدوهم الأستاذ فخري كريم راعي الإبداع والمبدعين ، حيث تكلّل علاجه على يد الحكيم العظيم د. يوسف القسوس في عمّان ، والذي أهداه الشاعر قصيدته (يوسف القسوس حيّاك قلبي) وفاءً له . إن هذه القصيدة وغيرها تتماهى وروح شاعرنا جلال ، حيث تقع (الأنا) في غالب الأحيان على (النحن) وتتماهى معها حتى في منطقة الحزن والأسى والقنوط والتمرد والشطحات الصوفية التي تتسربل بها نصوص الشاعر في دلالاتها الغرائبية والزمكانية والإحالات النصية الكثيرة التي تقع خارج المنطق المألوف والسائد ، وهي تمثل الصيرورة اللامتناهية التي تحفل بها نصوص الشاعر في أبهى حلقاتها الشعرية، فاقرأوا معي هذه المقطوعة من ملحمته المضادة(هكذا شطح….) وهي مستعارة بتصرّف من أغنية سومرية:
” لقد نفتنا الآلهة
غرباء حتى مع أنفسنا
نجوس أزمنة التاريخ والمستقبل
دون كمنجات….”
هذه هي إذن بانوراما شعريّة قصائد زنكَابادي الذي يؤازره الصدق والنقاء والإخلاص حياتيا، ويتسربل بالزهد الصوفي ويتمرّد على كلّ سلطة قامعة ويصرخ محتجّاً ضد إبادة الإنسان وكوكبه ويطلق أسئلته المشاكسة والمشاغبة في سورة شطحاته.
وهذا هو ما نيفستو حياته وشعره المستعار من الشاعر التشيكي ميروسلاف هولوب :
“عزاؤنا الوحيد هو وقفتنا في وجه الأكاذيب الكبرى “

اضف تعليقاً