قراءة في (دیوان عمر الخیام)

9

قراءة في (دیوان عمر الخیام)
چنار باشي
یمثل کتاب (دیوان عمر الخیام) حقلاً أدبیاً متمیّزاً, یستنبط منه تراث معرفي وروحي یفضي إلی فضاءات ثقافیة متشعبة في اللغة والنقد والتاریخ, وثمة مدخل الی ترجمة رباعيّات الخیام ومدلولاتها الفلسفية السامیة، حيث یستشف القاریء رقي أسلوب السرد الموضوعي للکتاب, وتمنحه المعلومات والاقوال والافکار التي تکتنفه وترجمة الأشعار البدیعة إنطباعاًإیجابیّاً.
تعود أشعار الخیام الخالدة بالفارسیة الی القرن الحادی عشر الميلادي ، أي هناك تباین زمني ولغوي وثقافي, لکن الرقي اللغوي للمؤلف قرّب هذا البعد الزمني, وصان خصوصیة لغتها الشعرية, وراعى ماهیتها الفلسفیة.

(دیوان عمر الخیام) إنجاز أدبی متمیّز قدمه الاستاذ الباحث جلال زنگابادي سنة 2010 م, ويعد باکورة بحوثه الخيّاملوجيّة التي تجمع بین التحقیق والدراسة والنقد وترجمة رسائل وأشعار الشاعر الایرانی الحکیم عمر الخیام, ومنها أيضاً کتاب باللغة الکردیة.
بهذا الجهد المضني الذی دام اکثر من عشر سنوات, إبتغى زنگابادي تقدیم صورة إیجابیة بعیدة عن التشویه واقرب الی حقیقة أشعار الخیام ضمن حدود قدراته وثقافته الذاتیة المشهودة خلال هذا البحث.
هذا الدیوان یتضمن عدة أقسام , وهذا المقال المتواضع یتطرق باختصار الی البعض منها. يقع الدیوان في 269 صفحة, یضم 74 رباعیة و 29 بیت شعر من قصائد فارسیة وعربیة, إستندت إلى تحقیقات الباحث الایرانی الکبیر الاستاذ رحیم رضازاده ملک (1940-2010م) الذی تبحر فی علم وأدب الخیام, وله العديد من البحوث حول هذا الشاعر ..
یقول الاستاذ زنگابادي بخصوص بحوثه الخیاملوجية: ” ولا شک فی ان تراجمي وتآلیفي بهذا الخصوص ستصدم اغلب الناس عامة وخاصة ممن تآلفوا مع صورة الخیام المشوّهة (السائدة) التي روّجها الغربیون أساسا؛ لمقاصد لا تخفی علی أيّ لبیب, بل وساهم فیها المشارقة أیضا مساهمة کبیرة؛ لهذه الغایة أو تلکم !”
یستهل الدیوان بعتبة تستقبل وجهات نظر متباینة حول ترجمة الشعر, ثمّ یطرح المؤلف رأیه عبر تعلیليّ “لماذا؟ و کیف؟” “الشعر الأصیل الحافل بالصور المجسدة للأحاسیس والأفکار العمیقة هو القابل للترجمة” فی هذا المجال یعرض الکثیر من الآاراء التی تعتبر مراجع مهمة فی الترجمة لکبار الادباء والفلاسفة مثل الجاحظ وجاک دریدا وأدونیس وآخرين , ویرصد مواقفهم الموافقة والمخالفة ویناقشها بأسلوب أدبي لبق, معتمداً في رأیه علی اجتهادات استخدمها لمساندة مفهوم بحثه, ومفهوم القاریء بصورة تثیر التفکير والقناعة, ومن هذه الإجتهادات هو یمکن لـ (شاعر مترجم) أو (مترجم شاعر) أن یترجم بین لغات متقاربة عائلیاً مثل الکردیة والفارسیة, ولغات متجاورة ثقافیّاً- حضاریّاً مثل الفارسیة والعربیة, بشرط أن یکون ضلیعاً في اللغتین والثقافتین.
للذي یتقن اللغتین الفارسیة والعربیة ومتأثر بأشعارهم الأاصیلة ویتذوقها, ویقرأ هذا الدیوان؛ سیدرک أن “العتبة” واجتهاداتها الفکریة وسبلها المبدعة فی ترجمة الشعر الأصیل قد أضافت توجها جدیداً إلی عالم الترجمة الأدبيّة , حيث انها ابتکرت لتزید من صیانة الشعر الأصیل بین الثقافات والحضارات, فالاشعار “المنظومة” للخیام ترجمت باسلوب مرهف وساحر بحیث تعطي الناظر انطباعاً مدهشاً فی مجال الشعر المترجم؛ ففي هذا الىيوان میّز الاستاذ زنگابادی ترجمته باسم “المنثومة” نسبةً الی السبل والمفاهیم التی استخدم فیها, فهو یقول: “ومع ذلك لمْ أنعت ترجمتي بـ (المنظومة) إنّما بـ (المنثومة) المازجة بين النظم والنثر المسجوع ؛ مادمت لمْ ألتزمْ إلتزاماً أرثدوكسيّاً باستخدام كلّ بحر على حدة ؛ طبعاً لإيلائي الإهتمام بترجيح أولويّة نقل المعنى على الإنصياع لجمال المبنى”
یرکز قسم (شاعر العلماء وعالم الشعراء) علی سیرة الخیام ويشير الی مقامه الأدبي المتألق الذی تجاوز الحدود الجغرافیة والحضاریة, فرغم قلة أشعاره, فقد حظیت باعداد مذهلة من الترجمات إلى لغات العالم؛ ولذا یعود الفضل العظیم له فی تعریف اللغة الفارسیة ووطنه ایران بصوره جمیلة.
یذکر المؤلف مقولة الباحث الایراني محمد علی فروغي عن الخيّام العالم والفیلسوف : “حیث کان لا یؤلف إلّا بالضرورة, ویتفادی التکرار”, وهنا یقدم الباحث زنگابادي دراسة مکثفة رائعة مستندة إلى معلومات وتحقیقات استقصیت من مصادر موثقة عدیدة تبحث فی اصل ونسب الخیام, وعام ولادته وعلومه والظروف التی عاش فيها . یتلقی القاريء فی هذا القسم متعة معرفیة مقترنة بالإدهاش وجمال الأسلوب السردي, ویستخلص منها المفهوم الإنساني الحقیقي فی فلسفة أشعاره, والمعنی الإبداعي للإنسان المثالي عند الخیام الفیلسوف.
وفي قسم (الخيام في اللغة العربية) یتحدث المؤلّف عن التراجم العربیة الکثیرة لرباعیات الخيّام, ویقارن بين أفضلها وهما ترجمتا الشاعرین العراقیین (الصافي النجفي) و(صالح الجعفري)، و یفضل ترجمة الشاعر احمد الصافي النجفي (1897-1977م) والتی تضاهی جودتها أفضل الترجمات الشرقیة والغربیة؛ ويعلّل ذلك بكون الصافي النجفي شاعراً عربیاً کبیراً ویتقن الفارسیة, وحسب سیرة حیاته عاش فی ایران بضع سنوات, وقد ولد وعاش فی مدینة النجف, حيث يتحدث النجفیّون بالفارسیة کلغة ثانیة لوجود الحوزة الدینیة والزوار الایرانیین, ناهيكم عن أن الكثيرين في المجتمع النجفي ینحدرون من ایران بسبب التزاوج والهجرة، وعليه فهي مدینة ذات ثقافتین عربیة و ایرانیة, ولهذا کان الصافي من افضل المترجمین لرباعیات الخیام ..وقدّمت ترجمته لرباعیات الخیام تعليلاً موثّقاً لطرح الباحث زنگابادي والذی إستقراه من واقع أدبي ملموس, حیث یقول: ” یمکن لـ (شاعر مترجم) او (مترجم شاعر) ان یترجم بین لغات متجاورة (ثقافیّاً- حضاریّاً) مثل الفارسیة والعربیة بشرط ان یکون ضلیعاً فی اللغتین والثقافتین”.
والقسم الأخیر من الكتاب یحتوي على الترجمة البدیعة لأشعار الخيام, وهو قسم جميل ومبهر؛ حيث تعد
رباعيّات الخیام من عيون اللغة الفارسیة والثقافة الإیرانیة التی تعلقت وتولعت بها الثقافات الأخرى؛ لکونها من اکثر الاشعار جزالة وحکمة تتآلف مع الحس الإنساني, وتمنح المتلقّي متعة مدهشة ممیزة عن أكثر أشعار الشعراء القدامى.
یقول الاستاذ زنگابادي فی مقاله (الترجمة الإبداعیة خیانة فی منتهی الأمانة): ” توصّلت إلى قناعة أن الشعر الجيّد الحافل بالصور المجسّدة للأحاسيس والأفكار العميقة، هو القابل للترجمة، بل هو عين الشعر الحقيقي، والذي معياره الصمود أمام الترجمة” وأشعار الخیام تقع في دائرة هذه القناعة؛ فقد حققت صموداً رائعاً أمام ترجمة الأدیب زنگابادي, الذي عرف کیف یختار أجمل الکلمات والألفاظ العربیة الموازیة للفارسیة فی الدقة والمعنی والجرس ؛ لکونه شاعراً ومترجماً متمرّساً عن بضع لغات, وقد إستعان بخبراته الأدبيّة للحفاظ على التوازن بين معنى ومبنى الرباعيّات المترجمة؛ وعليه فإن هذه الترجمة تعد ولادة جدیدة لرباعيّات الخيّام الأصيلة مشحونة بقوّة روحيّة آسرة تغري القاريء بمعاودة قراءتها, في حلّة عربيّة جذّابة تثير الحس والفكر، حيث لا يشوب المعنی والمبنى أيّ ضعف؛ ممّا يجعلها تضاهي أصلها (المنظوم).
یقول رومان جاکوبسون: “الترجمة الوحیدة الممکنة هی النقل الإبداعي الخلاق, أي إعادة کتابة القصیدة وإنتاجها من جدید” وهذا ما قام به الأستاذ زنگابادي فی هذه الترجمة .
والجدير بالذكر هو أن الشاعر والباحث والمترجم جلال زنگابادي تولّد (1951م) في جنوبي کردستان، وعصامي النشأة والثقافة، وقد بدأ بالکتابة سنة 1963م، وبرز في ترجمة وتقديم الأدب الکردي إلى اللغة العربيّة، وترجم عن لغات أخرى إلى العربيّة والكرديّة، وصدر له أكثر من عشرين كتاباً، وله االعديد من المؤلّفات المخطوطة، والمئات من المقالات والدراسات المنشورة في المجلات والجرائد، بالإضافة إلى عمله معلّماً وصحافيّاً لأكثر من أربعة عقود.

9 تعليقات

  1. Propecia Contraindications Androgenetic Alopecia Canada No Prescription Propecia Finasteride Cialis Generico Consegna 24 Ore viagra Levitra A Vendre