تركيا و ألمانيا و تداعيات التصعيد المتبادل

8

تركيا و ألمانيا و تداعيات التصعيد المتبادل
توتر سياسي ودبلوماسي جديد في العلاقات التركية – الألمانية التي تسير على أرضٍ وعرة، و فوق مستنقعات من الرمال المتحركة منذ أكثر من عام، على الرغم من التصريحات السياسية العلنية من الجانبين حول الرغبة في تخفيف التوتر، و تجاوز هذه المرحلة الصعبة، و تشهد العلاقات التركية – الألمانية مستوى متدني، خاصة بعد التصعيد المتبادل من كلا الجانبين، وعلى الرغم من أن البلدين يربطهما علاقات تاريخية توصف بالجيدة، فقد أدت 50 سنة من هجرة الأتراك إلى ألمانيا و الترابط الاقتصادي الكبير بين البلدين إلى ظهور مساحة مشتركة كبيرة بين الحكومتين و بين البلدين، بيد أن العلاقات بين البلدين برغم ذلك أخذت فى التدهور بشكل ملحوظ خاصة في ظل تبادل الاتهامات من الجانبين.
و اللافت للنظر في التوتر بين الجانبين، هو تداخل قضايا السياسة الداخلية و الخارجية، إذ تنتقد أنقرة برلين بسبب تسامح الأخيرة مع أذرع حزب العمال الكردستاني المصنف ضمن قوائم الإرهاب التركية، إلى جانب تقديم الدعم لعناصر تابعة لجماعة فتح الله غولن، وممارسة ضغوط أخرى على المواطنين الأتراك.
و في المقابل، تنتقد ألمانيا الحكومة التركية بسبب ما تسميه انتهاكات ضد حقوق الإنسان، و الشرخ في الديمقراطية التركية، و ما صاحبه من جدل حول عودة العمل بعقوبة الإعدام، و أنشطة الاستخبارات التركية على أراضيها.
جذور الأزمة
جاءت أهم القضايا الخلافية بين البلدين بعد المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا في 15 يوليو 2016 التي لم تؤثر على الوضع السياسي الداخلي فحسب، بل تعدت ذلك لتشمل حتى العلاقات مع الغرب، فالواقع يشهد، أن ألمانيا و تركيا بلدين ربطتهما على مدى سنوات طويلة مصالح عدة، لكن ثمة توترات حقيقية في العلاقة الألمانية – التركية كانت موجودة حتى قبل المحاولة الانقلابية، و يبدو أن العلاقات بين تركيا و ألمانيا، حليفة أنقرة الأساسية في أوروبا، تتّجه نحو جولة صعبة عقب الكشف عن تجسّس جهاز الاستخبارات الفيدرالي الألماني على تركيا منذ العام 2009 على الأقل، و كانت مجلة “دير شبيجل” الألمانية كشفت عن عمليات المراقبة في 16أغسطس 2014، في حين لم تؤكّد حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل هذه المزاعم علنًا، و نقلت وسائل الإعلام الألمانية عن المسؤولين في الحكومة كلامًا يبرّر المراقبة، فقد اعتبروا أنه للأحداث في تركيا تداعيات على الأمن القومي الألماني نظرًا إلى أن حوالي 3 ملايين تركي و مواطن من أصل تركي يعيشون في ألمانيا، وقد أوردت وسائل الإعلام التركية أن جهاز الاستخبارات الفيدرالي الألماني تنصّت على الأرجح على مكالمات هاتفية أجراها مسؤولون أتراك عن طريق الأقمار الصناعية، وتكهّنت التقارير بأن العملاء الألمان يهتمّون بشكل خاص بمعرفة تفاصيل عن الجهود التي تبذلها تركيا لإنهاء التمرد الذي يخوضه “حزب العمال الكردستاني” منذ 30 عامًا، وعن علاقات أنقرة مع إسرائيل. ولم يصدر أي تصريح رسمي عن طبيعة المراقبة أو أهدافها.
وفي 2016 حاول أردوغان ممارسة التأثير على حرية التعبير و الرأي في ألمانيا عندما شعر بأنه مستهدف من خلال قصيدة للفنان الساخر الألماني “يان بومرمان”
و تصاعدت أجواء التوتر بين البلدين عندما اعترف البرلمان الألماني في الثاني من يونيو 2016 بالقتل الجماعي بحق الأرمن في 1915م– 1916م كمذبحة جماعية، ما انتاب الغضب الحكومة التركية، وقال رئيس وزراء تركيا بن علي يلدريم يوم الخميس 2 يونيو 2016م إن أنقرة استدعت سفيرها من ألمانيا للتشاور بعد موافقة مجلس النواب الألماني على قرار يصف مذابح الأرمن على يد القوات العثمانية في عام 1915 بأنها “إبادة جماعية”، و في خطاب في العاصمة التركية قال يلدريم إن جماعات الضغط الأرمينية العنصرية تقف وراء القرار البرلماني الألماني الذي وصفه بالخاطئ.
فى حين قامت السلطات التركية بمنع برلمانيين ألمان من زيارة القاعدة الجوية في إنجرليك التركية، و بدأت ملامح العلاقات “السيئة” تتضح عندما رفضت تركيا لعدة مرات زيارة نواب في البرلمان الألماني للجنود الألمان إلى قاعدة إنجرليك العسكرية التي يستخدمها التحالف الدولي لمحاربة داعش، ومع إصرار الحكومة التركية رفضها زيارة المسؤولين الألمان إلى القاعدة التي تضم جنودًا من بلادهم، قرر البرلمان الألماني في الـ21 من شهر يونيو 2016 نقل القوات من القاعدة التركية إلى قاعدة الأزرق الأردنية، حيث ما تزال عملية النقل مستمرة، وتقر وزيرة دفاع ألمانيا “أورسولا فان در لاينت”، إنّ انسحاب قوات بلادها من قاعدة إنجرليك الجوية سيؤثر سلبًا على نشاط بلادها في مكافحة تنظيم داعش الإرهابي، وتراجع الدور الألماني الاستراتيجي في خطط الحرب على “داعش”، بعد تحييد دور نحو 260 جنديًا ألمانيًا في المهمة الدولية لمكافحة “داعش” في سوريا و العراق، و6 طائرات استطلاع “تورنادو” وطائرة تزويد بالوقود، لكنها تقول إنه لا يمكن قبول القرار التركي بعدم السماح للبرلمانيين الألمان بزيارة جنودهم العاملين في القاعدة، و الاكتفاء بالإصغاء لما يقوله أردوغان إذا ما قررت ألمانيا سحب قواتها سنقول لها مع السلامة”، فيما وضع هذا الرفض التركي المستشارة الألمانية في موقف محرج، فى حين بررت أنقرة رفضها لزيارة وفد من لجنة الدفاع بالبرلمان الألماني لجنود الجيش الألماني المتمركزين في إنجرليك بسبب منح الحكومة الألمانية حق اللجوء لجنود أتراك سابقين، تتهمهم أنقرة بالتورط في محاولة الانقلاب العسكري بتركيا في شهر يوليو من العام 2016م.
الانقلاب التركي و مزيد من التوتر
جاءت السياسة الخارجية التركية بعد عملية الانقلاب الفاشلة فى 15 يوليو 2017، مغايرة لما كانت عليه قبل ذلك، حيث باتت السياسة التركية أكثر صدامية وتبحث عن مزيد من التوترات، فالمتتبع للسياسة الخارجية التركية منذ هذا التاريخ يمكن له أن يرصد مدى الصدع الذى أصاب العلاقات التركية – الأوروبية بشكل عام و العلاقات التركية – الألمانية بشكل خاص، و ألمانيا إحدى الدول الأوروبية التي تتجه علاقاتها مع تركيا إلى نحو أسوأ، حيث كانت العلاقات التركية – الهولندية قد ساءت عندما أعلنت هولندا منع هبوط طائرة وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو و كذلك وزيرة الأسرة فاطمة بتول صيان قايا إلى هولندا للمشاركة في فعاليات كانت ستقام قبيل الاستفتاء الدستوري على توسيع صلاحيات الرئيس أردوغان، و كذلك منعت السلطات الهولندية زيارة رئيس الوزراء التركي للمشاركة في فعاليات إحياء ذكرى الانقلاب الفاشل منذ أسبوعين. ويمكن رصد أهم محطات الخلاف بين تركيا و ألمانيا على النحو التالي:
1- حركة فتح الله جولن: استغل أردوغان المحاولة الانقلابية للتخلص من عناصر في حركة جولن، وتعتبر الحكومة التركية أن الداعية الإسلامي فتح الله جولن و حركته هو من يقف وراء المحاولة الانقلابية، فيما ينفي جولن تلك الاتهامات، وفي غضون سنة بعد الانقلاب الفاشل تم إلقاء القبض في تركيا على أكثر من 50 ألف شخص، فيما سُرح أكثر من 100 ألف موظف حكومي بدون حصولهم على تعويضات، وقد اعتبر أردوغان انتقادات الحكومة الألمانية و منظمات حقوق الإنسان و الاتحاد الأوروبي و حلف شمال الأطلسي لهذا الوضع “دعاية للإرهاب”.
2- منح ألمانيا حق اللجوء السياسي للمطاردين: في هذا الاتجاه منحت ألمانيا حق اللجوء لأكثر من 400 مواطن تركي بينهم دبلوماسيين و جنود و قضاة و موظفين حكوميين تتهمهم أنقرة بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية، و يشدد القانون الألماني على ضرورة توفر “أدلة ملموسة و مقنعة” لتسليم المتهمين، وعلى أثر ذلك وصف أردوغان الدول التي منحت حق اللجوء بعد اتهامات التعذيب في السجون التركية لمواطنين أتراك بأنها “داعمة للإرهاب”، وقال إن ألمانيا أصبحت ملاذًا للإرهابيين و”سيحاكمها التاريخ”، و اتهم أردوغان ألمانيا بإيواء مقاتلين من حزب العمال الكردستاني الذي يشن تمردًا منذ 3 عقود مطالبًا بحكم ذاتي للأكراد كما تأوي يساريين من جبهة حزب التحرير الشعبي الثورية اليسارية التي نفذت هجمات مسلحة في تركيا، حتى أنصار رجل الدين فتح الله جولن المقيم في الولايات المتحدة.
3- حرية الصحافة: في صباح الاثنين 31 أكتوبر 2016 قامت السلطات التركية باعتقال رئيس تحرير أكبر الصحف التركية و أكثرها احترامًا في البلاد، صحيفة “جمهوريت”، و في الأيام اللاحقة لذلك، كان عدد المعتقلين من الصحفيين و التنفيذيين في الجريدة قد ارتفع ليصل إلى 9 أشخاص، اتهمهم الادعاء في تركيا بارتكاب جرائم بالنيابة عن منظمة فتح الله جولن، و حزب العمال الكردستاني، وكلا المنظمتين تُصنفان كمنظمات إرهابية في تركيا، وفي نوفمبر من العام الماضي، كان رئيس التحرير السابق للصحيفة “جان دوندار” اعتُقل لفترة وجيزة، قبل أن يُفرج عنه مع استمرار محاكمته التي انتهت إلى الحكم عليه برفقة مراسل الصحيفة في أنقرة، و في مايو من العام الجاري، حكم عليه بالسجن لخمسة أعوام و10 أشهر، بسبب نشره معلومات بشأن شحنات أسلحة تركية متجهة لسورية، لكن “دوندار” لم يسجن، إذ سافر إلى أوروبا حيث يستقر الآن في ألمانيا التي أعطته جواز سفرها، ولم يكن اختيار “دوندار” لألمانيا عبثيًا، إذ يبدو أن برلين تبذل جهدًا كبيرًا في انتقاد تركيا على مستويات عدة، إلى حد أغضب الأتراك بشدة.
4- الموقف من المعارضة التركية: مثل ذلك حقلًا آخر من سلسلة الصدامات بين الجانبين، حيث أصدرت المحكمة الجنائية الثانية في ولاية دياربكر، قرارًا باعتقال زعيمي حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديمرطاش، الذي كتب تغريدة يقول فيها إن الشرطة تقف بباب منزله، وفيغان يوكسك داغ، ضمن إطار التحقيقات الجارية في قضايا إرهابية.
و إلى جانب “دميرطاش وفيغان”، أصدرت المحكمة قرار اعتقال بحق عدد من النواب الآخرين في حزب الشعوب الديمقراطي، أبرزهم النائب البارز في الحزب “إدريس بالوكن”، فيما تم إخلاء سبيل النائب الآخر “سرّي ثريا أوندر” بشرط الرقابة القانونية، في حين قال الادعاء التركي إن توقيف نواب حزب الشعوب الديمقراطي جاء بسبب رفضهم الذهاب إلى النيابة العامة للإدلاء بإفادتهم حول التحقيقات الجارية في أحداث الشغب التي جرت في الفترة من 6 إلى 8 أكتوبر 2014، و بعض القضايا المتعلقة بالإرهاب.
استدعى وزير الخارجية الألماني “فرانك – فالتر شتاينماير” القائم بالأعمال التركي نظرًا “للتطورات الخطيرة في تركيا و كانت الخارجية الألمانية تتحدث، لا عن احتجاز صحفيي جريدة جمهوريت فحسب، لكن أيضًا، و بالأساس، عن توقيف نواب من حزب الشعوب الديمقراطي. يأتي هذا مع تصاعد الخلاف بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي، بعد اعتقال الشرطة التركية 12 شخصاً، بينهم مديرة مكتب «منظمة العفو الدولية» في تركيا “إيديل إيسر” التي كانت تجتمع مع ناشطين حقوقيين في جزيرة قرب اسطنبول، و2 من المواطنين الألمان.
تداعيات التصعيد على البلدين
1- العلاقات الاقتصادية:
في ظل التصعيد غير المسبوق المتبادل بين الطرفين، أعلنت الحكومة الألمانية، أنها ستراجع كل صفقات السلاح المبرمة مع تركيا، مؤكدة على ضرورة مراعاة الاعتبارات الخاصة بحقوق الإنسان عند اتخاذ القرار بتصدير السلاح إلى أنقرة.
و تعتبر هذه الحلقة الأحدث في مسلسل النزاع بين البلدين إثر احتجاز اثنين من المواطنين الألمان في تركيا، ما أدى إلى توتر العلاقات بين برلين و أنقرة، واتهم وزير المالية الألماني، ولفغانغ شويبله، السلطات التركية، بأنها تسلك مسلك ألمانيا الشرقية الاشتراكية، من خلال ممارسة الاعتقال العشوائي لأشخاص، ومنعهم عن تلقي دعم القنصلية من بلادهم، و كانت الخارجية الألمانية أصدرت بيانًا أشارت فيه إلى أن تركيا لم تعد مكانا آمنا للزيارة أو تشغيل الشركات، و أن الشركات تواجه مخاطر استثمارية في تركيا بسبب أوجه قصور قانونية، فيما حذرت الحكومة الألمانية مواطنيها و شركاتها من خطر الاعتقال التعسفي في تركيا.
من جانب أخر وضعت السلطات التركية 68 شركة ألمانية على قائمة الإرهاب، و تضم هذه القائمة التي أصدرتها السلطات التركية شركات ألمانية عملاقة مثل “دايملر وباسف”، حتى أصحاب محلات “الشاورما”، في تطور ملفت يزيد من درجة التوتر بين برلين و أنقرة، وسط تلويحات ألمانية بتداعيات اقتصادية على تركيا.
و تتهم السلطات التركية تلك الشركات بإقامة علاقات مع الداعية الإسلامي فتح الله جولن، الذي يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية و تتهمه السلطات بأنه وراء العملية الانقلابية الفاشلة، وفي هذا الإطار، أشار غابرييل وزير الخارجية الألمانى إلى تسجيل انخفاض ملحوظ في عدد الرحلات السياحية إلى تركيا، فعلى سبيل المثال، على مدى العامين الماضيين، لاحظنا انخفاضًا حادًا في تدفق السياح، حيث كانت نسبة تدفق السياح الألمان 5،6 مليون سائح سنة 2015 و بلغت 4 مليون سنة 2016 و النسبة مستمرة في الانخفاض، إذ أن برلين تعتزم غلق برامج الاستثمار الألماني في تركيا، و إنهاء المبادلات التجارية بين البلدين، كما ستعيد النظر فيما إذا كان من المجدي مواصلة التعاون مع تركيا من جانب الاتحاد الأوروبي، خاصة استعدادًا لدخول أنقرة إلى الاتحاد.
و في سياق متصل، خرج رئيس البرلمان الألماني نوبرت لامارت، في تصريحات تعليقًا على تصريحات نظيره التركي التي قال فيها إنهم سيسحقون كل من يقف بوجههم، حيث قال :” انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي مستحيلة عقب تصريحات رئيس البرلمان التركي الذي هو عضو في حزب العدالة والتنمية المهيمن على مفاصل الحكم في تركيا”.
2- العلاقات الأوروبية:
يعارض الاتحاد الأوروبي الذي تسعى تركيا الانضمام إليه منذ عقود السياسة التركية المتبعة داخليًا و خارجيًا، حيث لا يروق للاتحاد حملات الاعتقال التي تنفذها السلطات، و كذلك يرى الاتحاد أن إعادة تركيا العمل بحكم الإعدام من شانه إنهاء مفاوضات انضمام الأخيرة إلى الاتحاد المتوقفة حاليًا.
ومع ظهور ملامح في سوء العلاقات التركية مع دول الخليج إزاء اتخاذ تركيا موقفًا مساندًا لقطر في وجه 7 دول عربية أعلنت مقاطعتها للأخيرة، وفتور العلاقات مع الاتحاد الأوروبي و كذلك روسيا وأمريكا، تشهد السياسة الخارجية تأزمًا كبير في منحى سيرها، و يمكن القول إن تركيا لجأت لتبنى سياسة أكثر تصادمية مع الاتحاد الأوروبي بخصوص عرقلة أنشطة المسئولين الأتراك أو منع أنصار أردوغان من الترويج للتعديلات الدستورية السابقة، خاصة هولندا و النمسا و ألمانيا، لما تعتقده تركيا بأن دول الاتحاد الأوربي لم تعلن مواقفها بصورة صريحة إزاء محاولة الانقلاب الفاشلة في ساعاته الأولى و اعتقاد تركيا بأن هذه الدول تقاعست و أصيبت بالتلكؤ في التنديد بالانقلاب، و إلى جانب ذلك ما تقوله هذه الدول فى وصف أردوغان حيث يصفونه بالديكتاتور و السلطان المهووس بالقوة الذى يريد إرجاع أمجاد الإمبراطورية العثمانية.
إن التوتر الملحوظ في العلاقات بين أنقره و العواصم الأوروبية لابد وأن سيلقي بظلاله على المشهد التركي خاصة فيما يتعلق بتحالفاتها الإقليمية و الدولية، ما دفع أنقرة لتبني بعض ردود الفعل التي ربما تعيد تشكيل خارطة العلاقات التركية الخارجية مرة أخرى، فالموقف الهولندي كان جزءًا من تحرك أوروبي مشترك يهدف إلى التصعيد مع الجانب التركي، فالمواجهة تحوّلت من ثنائية بين تركيا و هولندا أو تركيا و ألمانيا، إلى مواجهة تركية – أوروبية.
إن التوتر الواضح في العلاقات بين تركيا و أوروبا وما نجم عنه من مساعي للبحث عن بدائل إقليمية و دولية في التحالفات الخارجية التركية لا يعني أبدًا أن هناك رغبة لدى أنقرة في إحداث القطيعة التامة مع دول القارة العجوز، إذ أن العلاقات بينهما علاقات تاريخية وممتدة، إضافة إلى العديد من اتفاقيات التعاون المشترك ما يجعل هناك رغبة حقيقة لدى أنقره في أن تحتفظ بشريك أو حليف لها داخل القارة.
3- اللاجئين:
الاستثناء الوحيد لهذا المسار كان ملف اللاجئين الذي أقض مضاجع أوروبا خاصة ألمانيا وجعلها أكثر حرصًا على التعاون مع تركيا، فأبرمت معها – عبر الاتحاد الأوروبي – اتفاق الإعادة في 18 مارس 2016 بحيث تستقبل تركيا ما تعيده لها دول الاتحاد من مهاجرين “غير شرعيين” مقابل استقبالهم منها مهاجرين مسجلين على الكشوف الأوروبية، مقرونًا بتسريع ملف عضوية تركيا من خلال فتح فصل جديد في التفاوض وتحرير تأشيرة شينغن أمام المواطنين الأتراك.
لم يطبق ذلك الاتفاق كما يجب في جزئية تبادل اللاجئين كما أن امتناع الاتحاد الأوروبي عن تحرير التأشيرة متذرعًا بعدم إيفاء تركيا بالشروط المطلوبة منها (تعديل قانون الإرهاب) أعاد العلاقات سيرتها الأولى، ما فاقم من التوتر بين أنقرة و برلين.
و عليه، فإن حالة التأزم و التوتر مرشحة للاستمرار في المدى المنظور، إما أن يتمكن الطرفان من إزالة بعض الألغام في العلاقة البينية و إما أن تتعمق الأزمة أكثر وهو السيناريو الأوفر حظًا من سابقه وفق المعطيات الحالية.

مصطفى صلاح: باحث ماجيستير فى العلوم السياسية والعلاقات الدولية

8 تعليقات

اضف تعليقاً