مراجعة مانيفستو عبدالله أوجلان “الحضارة الديمقراطية” الدين وطبقة الكهنة والنظام الهرمي

21

مراجعة مانيفستو عبدالله أوجلان “الحضارة الديمقراطية” الدين وطبقة الكهنة والنظام الهرمي

البروفيسور دونالد ماثيوس – توماس جيفري ميلي| جامعة كامبريدج
القسم الثالث
تدفع أعمال أوجلان الشاملة والمعقّدة على نحو رائع، الباحث الديني إلى التفكير بشكل معمق حول الأمر، حيث أنه لا يستفيد فقط من تاريخ الدين في تفسيراته لتطورات الدولة الأمة الحديثة ولكنه يضعها في صلب تفسيره. هذا التفسير جدير بالملاحظة بين النظريات الثقافية التي ترى الدين فرعاً للعوامل الأكثر صِلةً بالتغيير الاجتماعي الموجود في أعمال الماركسية الجديدة (ميشيل فوكو – جام ديريدا- النظرية النقدية) أو من قبل الباحثين الدينيين المختصين بتاريخ الدين (إلياده – لونغ – سميث – j.z) الذين وضعوا هدفهم في عالم الدين الخيالي عندما يؤكدون فرادته وتميزه وكأنه شهد تأثيراً سياسياً أو اجتماعياً صغيراً في هيكلة طبيعة المجتمع الديمقراطي الحديث. أوجلان وعبر إسناده المتواصل للحركة انطلاقا من عبادة الآلهة الأم في العصر الحجري الحديث” النيولوتيك” إلى مرحلة ما بعد العصر الحجري الحديث المُهيمن عليه من قبل التصور الديني الذكوري، يضع الدين في مرتبة القيادة إن لم تكن القوة الدافعة الخفية التي فهمتها الحداثة وهيكلت طبيعتها السياسية وفقاً لها.
تلعب “الطبقة الكهنوتية” السومرية بشكل خاص دوراً شائناً في تفسير أوجلان. ولا يقتصر الأمر على تمثيلها لولادة الانقسامات الطبقية، بل يقع على عاتقها اللوم في قضية إخضاع المرأة، وهي المسؤولة عن الانتقال من نظام الإيمان الميثولوجي إلى نظام العقيدة الدوغمائية التجريدية. وفقاً لأوجلان فإن مهمة الكاهن الرئيسية – المهمة العلمانية التامة – “كانت إدارة متطلبات المجتمع الحضري المتنامي” (صـ 142). ولكن في نفس الوقت احتكرت إمكانية الوصول لعالم الآلهة المجردة، لأن “أي شخص أراد الاستماع لكلمة الله كان عليه إطاعة الكاهن الأعلى.” هذا الاندماج بين هذين الدورين جعل طبقة الكهنة “المجموعة التي تحمل المسؤولية الأكبر لتشكيل حضارة الحداثة والحضارة بشكل عام” (صـ صـ 140-141).
عبر تعزيز سلطة الكهنة، رجحت كفة التنافس بين الإله الذكري الماكر” إنكي” والآلهة “إنانا” لصالح الأول. “مع مرور الوقت تقلصت أعداد تماثيل الآلهة المرأة بشكل تدريجي” ومع “بداية الفترة البابلية، دُمِرَت الآلهة المرأة” بشكل تام. وهنالك إشارة أخرى إلى القمع المتزايد بحق المرأة والمتمثل بإخضاعها اليوم عبر الدعارة الرسمية العامة والخاصة فضلاً عن العبودية”. (صـ 146)
الكهنة السومريون كانوا السباقين في إخفاء سلطتهم، وتمكنوا من تشريع عمليات السلب وتجريد الملكية التي نفذوها عقب ظهور الآلهة المقنعة التي قام الكهنة السومريون حينها بتأدية طقوسها الدينية إضافة إلى تنظيمها. ولكن الملوك سوف يتعلمون قريباً من الكهنة هذه الخدعة الأكثر فائدة. (صـ 149) تمكن هؤلاء الرجال المقنعون من إلقاء تعويذة على أولئك المُستغلين والشريحة الكادحة الذين بدوا وكأنهم يعيشون تحت تأثير المخدر وقبلوا وبشكل متزايد أوامر وتعليمات الآلهة التي صُنِعَت حديثاً”.(صـ 159)
لم ينفصل قط اهتمام أوجلان بالتاريخ العميق نسبياً عن مخاوفه حول الحاضر. في الواقع، يُصِر أوجلان على أن التحليل السليم وفهم عملية الانحدار نحو النظام الهرمي الذي حققه المجتمع السومري، يُبشر بـ “تعزيز فهمنا لمجتمعنا الخاص.” وذلك لأن تحليلات كهذه تساعدنا في تعريف و”إزالة الأقنعة التي تغطي هذا النظام” لرؤية الاستعارات الغامضة المُشرعنة والمُهيمِنة في التاريخ، ولرؤية “الوجوه الصحيحة، والمنافع الحقيقية، والوضع الفعلي لمختلف اللاعبين” في المجتمع المعاصر. (صـ 154)
ويجزم أوجلان بأن نوبة الإخضاع ومن ثم النظام الهرمي اللتان تشكلتا في البداية على يد طبقة الكهنة السومرية لم يتم تحطميهما حتى الآن. في الواقع، قام أولئك الذين أدعوا بأنهم تمردوا نصرة لدينهم، لقوميتهم أو لقبيلتهم بالاستيلاء على “تاج السلطة”.(صـ 157) وبقي الانقسام الطبقي الذي أحدثه الكهنة السومريون “سمة أساسية للحضارة” منذ ذلك الحين. على نحو استفزازي، يُصر أوجلان :” في القليل من الحالات التي أطاح فيها الرعايا والطبقة الكادحة أنظمة السلطة، عادة ما كانت الإدارة الجديدة أسوء بكثير من النظام الاستغلالي والقمعي السابق” (ص 160). وجنباً إلى جنب مع ذلك وكأداة لظهور النظام الهرمي وظهور الدولة المكرسة بعبادة حُكامها الذين كانوا وراء ظهور الآلهة المقنعة. الدولة التي يُعرّفها أوجلان بأنها “وحدة علاقات القوة التي يتم من خلالها تمكين الإكراه العام واستغلال المجتمع المُصنّف طبقياً” (ص 158). الدولة التي تميل مع تطور الحداثة الرأسمالية إلى الاندماج مع الأمة في إله جديد أقل تنكراً ألا وهو الدولة الأمة” (ص 54). يستنتج أوجلان قائلاً لا تزال عبادة النظام الهرمي حيّة في ظل الدولة الأمة المعاصرة وهو “الإله الذي أزال قناعه” والذي “يتم تقديسه” في كافة المجتمعات المعاصرة. (ص 81)
وبالتالي يتطلب التخلص من النظام الهرمي فك الارتباط مع أدوات الدولة القوموية، إضافة إلى تبني إستراتيجية منضبطة قائمة على مقاومة القوى المخدرة الناعمة والتابعة للطبقات الكهنوتية المعاصرة. تعتبر عملية فك تشفير وفهم مصدر هذه القوى المنوِّمة الخطوة الأولى في هذا الاتجاه – وهنا تنشط فعالية الفئة الدوغمائية.
سعت طبقة الكهنة السومرية إلى تشريع حالة عدم المساواة الناشئة، تشكيل الطبقات الاجتماعية، وانقسام المجتمع إلى طبقتي المُستغِلين والمُستغَلين عبر الإشراف والتشجيع على زوال “المنهج الميثولوجي” والاستعاضة عنه بـ “التصور الديني الدوغمائي (العقائدي الجازم)”.
وفقاً لأوجلان فإن :” العلاقة بين الطبقات المُشكلة حديثاً من المُستغِلين والمتعرضين للاستغلال تتطلب وجود عقائد غير قابلة للجدل” وقادرة على “التنكُر وتشريع الاستغلال وسلطة التسلسل الهرمي على حد سواء إضافة إلى تشريع مصالح الطبقة.” الحكام المطلقون، المهيمنون، والمستغلون أخفوا أنفسهم خلف قناع الإله، وليس أي إله!! بل ذلك الذي “وُهِبَ ميزات وخصائص لا جدال فيها” وكُشِفَ عنه في نصوص مقدسة تحتوي ظاهرياً على “كلمات معصومة عن الخطأ” (ص 43). وبالتالي فإن الانتقال من “المنهج الميثولجي” إلى “العقيدة القاطعة والمجردة” أو التي يطلق عليها مصطلح “الدوغما” يرتبط باختراع اللغة المكتوبة، وكانت سلطة الطبقة الكهنوتية قائمة على لعب دور مُفَسِر كلمات الآلهة المعصومة الواردة في النصوص المقدسة والتي لا تقبل الجدل. تعزيز دور الطبقة الكهنوتية كقناة ومُفسر لكلمة وإرادة الآلهة عنى استحداث عملية إخضاع جديدة “شبيهة بالعبودية” وتشكيل “تصور قاتل” لدى الجانب المُسَتغَل. وبالتالي “تأسست” “جدلية الراعي والقطيع” (ص 44).
ويُشخص أوجلان الدوغمائية على أنها مرض روج له في بادئ الأمر من قبل الطبقة الكهنوتية السومرية ولا تزال الدوغمائية تُشكل لُب إيديولوجية التشريع في النظام الهرمي. بخلاف المقالات النقدية الصادرة عن الملحدين الأرثوذكسيين، فإن نقد أوجلان لا يدخل في إطار القيام بـ”إزالة الغموض” بل يركز على عمليات الاستيلاء التي نفذتها الطبقة الكهنوتية إضافة إلى تشريح الدعاية العقائدية المرافقة.
يوضح أوجلان بأنه ليس عدو الصوفية، المُقدس أو الإلهي بحد ذاته. بل على العكس، المشكلة لديه تكمن في أولئك الذين يتنكرون بقناع الآلهة ويدعون أنهم قناة وصل بين الإله والناس عندما يبررون الاستغلال والحكم الاستبدادي. في الواقع، يشير أوجلان من خلال الأسباب التي يقدمها حيال إعجابه بالعصر النيولوتيكي أثناء مقارنته إياه بالحداثة الرأسمالية المعاصرة، إلى تناغم مزعوم بين العصر الحجري الحديث والطبيعة، كما بدا منعكسا في رؤيتهم للطبيعة “مملوءة بالقداسة والإلوهية.” وفقاً لأوجلان:” في العصر الحجري الحديث لم يكن للإلوهية أي علاقة بالإكراه، الاستغلال، والاستبداد” (ص 239).
الطبقة الكهنوتية السومرية كانت من أدخلت هذه العلاقة – حيث كانوا مولعين بالتجريد بإسنادهم الغير مألوف “للعقوبة والخطيئة في فكرة الله” لغرض تطوير “شعور الطاعة.” هذه الابتكارات سمحت لفكرة الله أن تندمج ببطء مع الدولة وأن تتحول إلى الدولة. هذا هو مفتاح “الإصلاح الذي أحدثه الكهنة السومريون” (ص 167).
العقوبة والخطيئة المُرتبِطين بوعد الحياة الآخرة – وهو ارتباط يُزعم أنه ظهر بداية في سومر ولاحقاً في مصر ومن ثم ورثهُ التقليد الابراهيمي. أكثر من مجرد ارتباط هو “نموذج للجنة، الجحيم وحياة قادمة.” يجزمُ أوجلان بأن هذا الارتباط وهذا التصور الفكري وفرا أداة حاسمة وشرعية قوية كانت ضرورية لهم لإقناع العبيد الذين بالتأكيد لم تكن حياتهم سهلة” (ص 194). “أداة شرعية قوية” قادرة على استحضار الخضوع والسكون في هذه الحياة عبر إعطاء الوعود بمكافأة في الحياة القادمة. “إسقاط طوباوي”، “وعد بالجنة”، و”الحديث عن آلاف السنين من السعادة”. يضيف أوجلان قائلاً إن كل ما سبق يذكره بـ “التوق الشديد لواحة خضراء” وبالتالي يُخمن أوجلان انعكاسا لنقيضها “الحياة العقيمة.” تتكرر أصداء عبارة بوب مارلي “لو كنت تعرف قيمة الحياة، لبحثت عن حياتك على الأرض”. ولكن أوجلان يذهب أبعد من ذلك، حيث يستنتج في إطار عِلماني مُحكم، قائلاً “التنقيب عن الجنة ليس إلا وعداً بمستقبل في عالم جديد” “مرفأ بناه حتماً أولئك الذين فقدوا الأمل” (ص 274). نقطة جدلية ولا شكوك حولها لأن الإيمان بالجنة قادر وبسهولة على استحضار الشجاعة للكفاح والاستعداد للموت من أجل قضية بدلاً من السكون والخضوع للوضع الراهن. سجل التاريخ مليء بالأمثلة.
ويدرك أوجلان الأمثلة المتعلقة بذلك. في الواقع يعطي إشارات واضحة للعديد من “الحروب التي نشبت تحت اسم الإسلام، المسيحية واليهودية” ولكنه على الرغم من ذلك يُفسّر هذه الحروب على أنها في “جوهرها صراعات تهدف إلى الهيمنة على الحضارة الشرق أوسطية” حيث يلعب الدين دوراً مساعداً على الحشد كما أنه يكون ذريعة أيضاً “ما يخفي السبب الحقيقي وراء الحروب الدموية.”
الفعالية الذرائعية للمعتقدات الدينية ستصبح أكثر شفافية عندما يتم اعتمادها لاحقاً بشكل مباشر من قبل الدولة وإعلانها “إيديولوجية الدولة الرسمية”. على النقيض من ذلك، وفي إطار المشاريع الوطنية والدينية المهيمنة التي تمأسست في دول بعينها، عكست ووجهت عملية تعبئة المشاعر “الطائفية المخالفة” والموالية “صراع طبقي” وعبّرت عن “توجه ثوري للمجتمعات الهامشية المستبعدة من المجتمعات المتحضرة”. وكما هو الحال في الحروب الدينية بين الدول، يُصر أوجلان، على أن الصراعات الطائفية داخل الدول (مرة أخرى) في أفضل تفسير هي في كثير من الأحيان “ذريعة” تخفي الأسباب “الحقيقة”، في الحقيقة، “نوع من القومية” (ص 169).
ويعرض أوجلان هنا التأثير العميق والمستمر للفكر المادي والإيديولوجي على تأويله – بل يبدو وكأنه يغازل ميزات قائمة على فصل مزدوج للوعي الديني تزامناً مع ميزات مهدئة ومسببة للخلاف على نحو خطير في نفس الوقت. تأثير تاريخي مادي ودافع، ولنكون أكثر دقة، ينظمهما أوجلان بشكل ثابت نسبياً في تفسيره للإسلام في الماضي والحاضر على حد سواء. في الحديث عن ولادة الإسلام، يجادل أوجلان سيادة ما فوق الطبيعة ويخضعها إلى تشريح القوى السببية الدنيوية، مدعياً بأنه لم يكن “معجزة في الصحراء” “ولكنه نتاج مادّي وإيديولوجي مع ظروف تاريخية” (ص 269). وبالمثل، عند الحديث عن “الإسلام السياسي أو المتطرف” في الوقت الحاضر، يؤكد أوجلان “الحاجة لفهم جوانبهما الهيكلية” (ص 272).
بالتناغم مع تأيده للمنهج الميثولوجي، يحد أوجلان من نقده للدين إلى نقد الدوغماتية الدينية. ويرفض ثنائية” الروح- المادة” وحتى أنه ينكر إمكانية “تفسير الغنى في الحياة من خلال عقيدة (دوغما) الخالق الخارجي”. وحتى مع ذلك، يصر أوجلان على موقفه، حيث يقول ” لا معنى أبداً للدفاع عن ضرورة بقائه ضمن إطار الحياة المادية فحسب” (ص 62 – 76 – 77). ولعل الأهم من أنه يعتبر الدافع الديني أقرب إلى الدافع الفني أو حتى الدافع لغرس المعرفة – والأهم من ذلك “الميزات الميتافيزيقية” يزعم أوجلان بأنه “لا مفر” من “دوام الحرب، الموت، الشهوة، الشغف، والجمال.. الخ” (ص 76 – 77).
بالنسبة لأوجلان فإن المعتقدات الدينية ترتبط بشكل وثيق بالذاكرة الجمعية. وهذا يساعد على توضيح دوامها حتى الآن. لا تزال تحظى الكتب الدينية المقدسة بالوقار ليس بسبب جاذبية معتقداتها ومبادئها حول “إلهٍ مُجرد” أو حتى “طقوس” مرتبطة بها بل لأن “الإنسان يمكن أن يشعر بمعنى وآثار حياته وقصصه الخاصة في هذه الكتب.” إنها كتب تحتوي على “ذاكرة المجتمع الحي” التي لن تتخلى عنها الإنسانية بسهولة” (ص 117).
الترجمة : المركز الكردي للدراسات | ألمانيا

21 تعليق

  1. How To Buy Secure Ordering Macrobid Propecia Luxembourg cialis Viagra Kaufen Leicht Gemacht Where To Get Antabuse In Massachusetts Commande Cialis En France