( أزمة الهوية والإنتماء )

0

( أزمة الهوية والإنتماء )

ربما يسال أحدنا “من أنا ” ليس كشخص وإنما كإنتماء (ما هي هويتي)…؟!
فقضية ” الهوية ” تحتل موقعاً متقدماً لدى غالبية الناس وإن في صور شتى ، هنا ياتي مفهوم التفاضل بين عدة هويات أو انتماءات يتواجد ضمنها الفرد ، / قومية – دينية – ثقافية …/ وهي في أحيان كثيرة خارجة عن إرادته ورغبته ؟
هل تتعدد الهويات لدينا ، وتتعارض؟!
هل يمكن التوافق بين الإنتماءات أو الهويات المتعددة…؟!
ومتى “في أي ظرف” تبرز وتظهر وتتأزم مسألة الهوية والإنتماء لدينا ؟!
(فلو سألنا أحدهم ما هي هويتُك ، وما هو انتماءُك؟!)
ربما يحتار في الرد / أهو كرديً مسلم أم هو مسلمً كردي – أهو يقبل الآخر المختلف عنه …
هل الإنتماء للمكان ينفي الإنتماء العضوي والوجداني لجماعة لا تنتمي لنفس المكان / …
ففي ظروف استثنائية (ثورات الربيع العربي ) ظهر هذا المصطلح جلياً وجلب معه المعاني الإشكالية الكامنة فيه ، ليس في فكر وفلسفة السلطة الحاكمة فحسب ، إنما تجاوزتها إلى الأوساط الشعبية والحركات الليبرالية واليسارية “الزائفة” ايضاً ، والتي كانت تتشدق بوقوفها في الصف المعارض للسلطة إلى جانب الشعب ، وكأن القيام “بالثورة ” كانت في مطالبتها بالتغير يقتصر على إستبدال حاكم مستبد من طائفة معينة ، بمستبد آخر ينتمي لطائفة أو جماعة أخرى ، دون مراجعة للإشكالات القائمة والمؤجلة بفعل ” القوة ” فقط …
فالمطالبة بالتغير لا يشفع بالسير في جانبه العسكري ” العنفي ” وحده وإهمال ما عداه من جوانب أخرى وحل مشاكل الأقليات القومية والدينية والثقافية والاجتماعية المختلفة.
وتركز السوسيولوجيا المعاصرة في دراستها لمفهوم ” الهوية والإنتماء ” على نوعين أساسيين لها :
* النوع الأول : (الهوية الاجتماعية) التي تتضمن أبعاداً جماعية ، وتجارب مشتركة ومنظومة قيم ومعايير ، تمثل نماذج إرشادية للجماعة ولأعضائها ويمكن تسميتها “روح الأمة “.
* النوع الثاني : ( الهوية الذاتية ) أو ما يمكن تسميته ب ( الهوية الشخصية) والتي تميزه عن غيره من حيث السمات والسلوك والتصرف في مواقف متشابهة .
وعموماً تهتم (نظرية الهوية الاجتماعية) بدراسة العلاقات بين الجماعات وفي قلب الجماعة الواحدة ، وهي نظرية معرفية اجتماعية خاصة بجماعة ما ، تركز على التمييز الإيجابي تميزها عن غيرها…
– وعنها تفرعت نظريتان :
* الأولى : ” نظرية العلاقات بين الجماعات ” : وتُعنى بتفسير الصراع “بتعدد أنماطه ” والتغير الاجتماعي وضرورته ، مع الاهتمام بحاجة الفرد إلى التمييز الإيجابي لجماعته الداخلية في مقابل الجماعات الأخرى ” الخارجية ” بغرض تحقيق هوية اجتماعية إيجابية ( الوظيفية البنائية ).
* الثانية : ” نظرية تصنيف الذات ” : التي تقوم على اعتبار الهوية المشتركة تنكر الذات الفردية ” الشخصية ” وتنميطها بالذات الاجتماعية ” الجماعية ” التضحية وتشميل الجزء في الكُل وهو ما ترفضه نظريات علم الاجتماع التأويلي ( التفاعلية الرمزية نموذجاً ).
* كما تستخدم السوسيولوجيا مفهوم ” الهوية الثقافية” : وهو مفهوم كان قد اقترح منذ خمسينيات القرن الماضي كرد فعل على موجات الهجرة والحركة الديمغرافية الكثيفة التي برزت في حينها. غير أن دراسات الهوية والانتماء واجهتها صعوبات منهجية وإبستيمولوجية “معرفية ” عكست انسيابية مفهوم “الهوية و الإنتماء ” الذي هو في نهاية المطاف مجموعة استراتيجيات يتبناها الفرد والجماعات ، بحسب مصالحهم وبحسب الإكراهات والأوضاع التي يكونون تحت مفاعيلها وتأثيراتها.
حيث أن كثيراً من المجتمعات أضاعت هويتها الثقافية – انتماءها ، فطفت مجموع المشكلات المؤجلة في ظل هذه الثورة ” الهبة الشعبية ” وفتت بنيتها الاجتماعية نتيجة الصراعات الفرعية الداخلية والفهم الخاطئ ( لمفهوم التعددية ) الذي بات لا يعني الإختلاف بقدر ما هي ضرورة في ” ممارسة الديمقراطية ” بشكل حضاري تحت مظلة الشرعية والقانون في دولة المواطنة ، والتعايش مع الآخر ” كلٌ ضمن خصوصيته ” وإلا فإن دوامة العنف بسبب أزمة “الهوية والانتماء” لن تنتهي ولا بد أن تدفع جميع الهويات الثمن ( إن آجلاً أو عاجلا ً ).

حسن خالد

اضف تعليقاً