أ مازلت تساوم..؟

0

أ مازلت تساوم..؟

حين تتفاقم الحوادث في بؤرة ما، تتخذ المسالك الكلامية تعددية واضحة في التوجيه والاسلوب والمضمون، ولكوننا نعيش الواقع بكل تمفصلاته، فاننا نجدنا نتأثر بالوقائع والمستحدثات والامور المعتمدة على القيل والقال ضمن هياكل متعددة الانتماء في الغالب، وهياكل اخرى ضمنية متناسلة من الواقع نفسه، بعبارة اخرى هياكل تناسلت منها الاحداث وانتشرت في بقاع الخراب المسمى الارض، لذا حين ترصد كل عين الحدث لابد انها ستقوم بتأويله حسب معطيات وجوده الانتمائي من جهة، الجغرافي من جهة اخرى، وعلى هذا الاساس ربما تكون كلماتي هذه اشبه برسالة مفتوحة الى شعوب الشرق الاوسط بكل قومياته وطوائفه ومذاهبه وتناقضاته، وجغرافيته التي لم تكن يوما مستقرة، رسالة قد تستفز البعض فيخرجون بوابل من اللعنات والشتائم على صاحب الكلمات الذي هو أنا، ولكن في الاجمال ارى بان هذه كلمة لابد من ان تقال كوجهة نظر شخصية، وكل شيء قابل للقبول والرفض.
بين كل حقبة واخرى تظهر في الشرق الاوسط نعرات لاتتبنى اسلوب الحوار والاخذ والعطاء، انما اول ما تظهر تحمل سمة الفتك بالاخر، هذه السمة هي من الخصال التي تعودت عليها المنطقة اجمالاً، فالتاريخ الذي لايسعني ان اختصره هنا، يشهد على ان هذه المنطقة لم تعش سلاماً دائماً ولا امناً دائماً الا في الخواطر الاعلامية والموشحات الشعربة والخطابية والبلاغية والخيال الميثولوجي ولربما احياناً في حقبات الخلايا الميتة ذات الطابع السباتي، كالخلايا الارهابية بسكل تصنيفاتها من قومية ودينية ومذهبية وطائفية وعرقية واثنية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وثقافية، هذه الخلايا التي ان دخلت في سبات لاتموت انما تأخذ فترة استراحة واستعداد وتنظيم واعداد لكونها في مظهرها الحالي المرفوض- اقصد وقت ظهورها – لم تجد استحساناً او قبولاً او حتى نجاحاً، لذا تلجأ الى السبات المؤقت، وبهذه الشاكلة تبقى المنطقة على فوهة بركان خامد مؤقت، لااحد يعلم متى ينفجر بوجه الاخرين او باية صورة سيظهر وبأي لباس او فكر او دين او قومية.
وحين تظهر تلك الخلايا من جديد تتحول المصوغات والمقولات من مرحلة الدفاع الذاتي الى مرحلة التبرير في البداية وحين لايجد التبرير قبولا دولياً نجدها تتحول الى مرحلة نظرية المؤامرة وحين تنكشف الحقائق وتخذل نظرياتهم تلك يتحولون الى مرحلة التبرءة من تلك الخلايا التي هي في كل الاحوال وليدة وجودهم ومتناسلة من ترسبات افكارهم واعمالهم داخل مجتمعاتهم ومواقفهم تجاه الاخرين، ويبدأ العويل والنباح الاعلامي والغريب في الامر ان النعرات هذه تستشهد بالتاريخ غير المرئي الذي دونه السلطات سواء القومية او الدينية او المذهبية والطائفية وبذلك يحاولون التستر على الثغرات التي لانهاية لها في البنية الاجتماعية والوجودية والفكرية والسياسية داخل مجتمعاتهم المتناقضة، وكأنهم يعالجون احد الامراض المزمنة الفتاكة ببعض المهدئات لا للعلاج انما فقط لاطالة العمر بقدر الامكان، وأي مواجهة مباشرة سواء بين الاضداد المتآخية ذات البنية القومية المفترض انها واحدة، او ذات البنية الدينية والمذهبية والطائفية الواحدة، فانهم ينحلون بسرعة لايتخيلها من يرصد اعلامهم، فتشتغل البلاغة والبيان ضمن مجموعات متحالفة ضد مجموعات تراها عميلة وخائنة.
ان الحقائق التي يمكن رصدها من هذه الازدواجية على وجه الخصوص يمكن ارجاعها الى عدة امور ولعل ابرزها كون ان الوجود السبقي لهذه المنطقة عموما كان في الاصل وجوداً قائماً على مبدأ المساومة والتناقض، وحسب نعرات تعتمد على اذا امنت بنا تسلم من سوطنا، وان لم تؤمن يهدر دمك وعرضك ومالك وارضك وتصبح ملعونا وهذا لم يقتصر على حقبة زمنية محددة، انما الامر مستمد من الجذور البدائية للمنطقة، فسواء أكانت الاديان اتت لتنادي عكس ذلك ام لا، فان الواقع يؤكد ان مبدأ المساومة لم ينقطع تاريخياً في المنطقة في اية برهة دينية او سياسية، لهذا ما قد تأصل في الجذور سابقاً يصعب ان يتغير في النفوس لاحقاً، لكون اللاحق هو امتداد جذري للسابق في كينونته ووجوده وعرفه وتقاليده ودينه وسيادته وقبيلته وعشيرته وشيخه.. واي مقارنة تخرج من اطار العموم القومي الديني ” المُدّعي انه وحدوي ” الى فترات من الرخاء في بعض القرى والمدن المتفرقة ليس الا سخرية بعقول الاخرين، واستهزاء بالواقع الذي لاينكره الا المتعصب القومي الديني الاعمى الذي في الاصل اتبع نعرته القومية او دينه دون ان يتساءل او يبحث عن المضمون او المبدأ.
لذلك تكثر التساؤلات حين تزداد المعوقات، او حين تظهر الخلايا بلباس وجلباب مختلف في الظاهر ولكنه في الجوهر مبني على تلك الاسس السبقية البدائية التي تناسلت منها تلك الخلايا، وهذا ما يجعل من كل ازمة في المنطقة اشبه بانفجار لبركان، حيث تنشغل الاوساط العالمية والدولية بها، لاسباب ان قلنا بانها نابعة من كون المنطقة هي اساس البشرية ومهد الحضارات ومهد الانبياء والاديان فاننا نخدع انفسنا لاسيما في القرنين العشرين والحالي، لكون المسألة واضحة، لاتوجد مؤمرات دينية صليبية بوذية سيخية اسلامية جانتية زرداشتية ميثرائية ولا هي من موروثات المايا والازتيك والانكا، انما هي مسألة النفط والحرب الاقتصادية التي اصبحت هي الاله الاكثر قبولا في معابد الوجود الانساني، وعلى هذا الاساس تحولت المسارات الادعائية ذات القومية الواحدة والدين الواحد الى اشكاليات اخرى ترافق هذا الوجود المتناقض لهذه البؤرة الدموية الشرق اوسطية، فالمساومات لم تعد مبنية على اسس شمولية انما تحولت الى ابناء القبيلة الواحدة، او لنقل دولة على حساب دولة، وداخل الدولة الواحدة نفسها اصبحت المساومات فوضى تهدد بزوال الكيانات كما يحدث الان في اغلب البؤر الشرق اوسطية، وهذا بلاشك نتاج التكوين البدائي للانسان في المنطقة وليس انتمائه الى تلك الخلايا الا تأصيل لهويته.
وضمن هذه الايقونة المتناقضة تحتل مشاكلات بعض القوميات التي فرضت المصالح الدولية قديما وحاضراً وجودها ضمن هياكل هذه الدول مكانة واضحة، فتلك المشاكل منذ خضوعها القسري للواقع الدولي لم تقف ساكنة، انما ظلت تتحرك ضمن دوائر متناقسة ومتناغمة وحسب الامكانيات التي توفرت لديها، دون البدء بخوض معترك الصراع المباشر في اوقات ضعفها، انما اعتمادها على هياكل متعددة في صياغاتها لخطابها القومي وكذلك في مساعيها لبلوغ مقاصدها القومية، وهذا بلاشك اضاف الى بؤرة الشرق الاوسط مشاكل اخرى، لن تنتهي الا بعدما تاخذ تلك القوميات حقوقها القومية من جهة والجغرافية من جهة اخرى، وبلاشك من يقرأ المقال سيعرف باني اقصد الكورد كقومية وكوردستان كجغرافية، فلان الكورد هم وجود سبقي ايضاً في المنطقة حالهم حال الترك والفرس والعرب، فان ما يحدث لهم لايخرج من دائرة الرصد المساواماتي، فحين تنظر الى الموجودات الاخرى تسعى لتحقيق اغراضها واهدافها على حساب المكونات والموجودات التلازمية السبقية في المنطقة، فان الكورد ليسوا بخارجين عن المعادلة في سعيهم للحصول على اهدافهم، واستغلال الظروف اجمالاً للوصول الى مقصدهم الاساس وهو بناء كيان لهم، وبلاشك هذا الكيان لن يكون انموذج فريد من حيث المنطق لوجود النعرات الداخلية كما في الدول الاخرى، ولكن من حيث المبدأ يقول الكوردي لماذا نعراتي لاتكون من بني جنسي وقومي، بدل ان تكون من اقوام لاتربطني بهم سواء فرضية الجوار وفرضيات ولربما فرضية الدين المنقسم ذاتياً.
انه المنطق الاكثر شيوعاً الان بين الاوساط الكوردية، ولعل من قائل يذكر رفض بعض الاحزاب الكوردية هذا المبدأ، ولكن اجمالاً وبالنسب المعتمدة على استحصالات الاحزاب فان الغالبية هي التي تتوحد في توجهم لاستغلال الظرف الدولي الحالي والقبول الدولي للكورد ضمن هياكل وتحالفات سواء أكانت وقتية او لا، وهذا ما يجعل من القلة المعارضة تخوض غمار معركة مع التاريخ القريب، لمساومتهم على الامر الاهم في المرحلة الحالية وهو ما يتعلق بكوردستان او بكيان كوردي يمكن ان يكون في الامد القريب البعيد نقطة انطلاق لتاريخ اشمل ورقعة جغرافية اوسع، على الرغم من المساومات التي تظهر في العلن والتي تحاك في الخفاء من اجل كبت وطمس معالم هذا الامل الكوردي، فان على الكورد ان لايساموا داخلياً في هذه المرحلة، مع امكانية قيامهم بمساومات اخرى خارجياً لتدعيم موقفهم الداخلي وليس للتعارض.

جوتيار تمر/ كوردستان
7/7/2017

اضف تعليقاً