الشبح (قصة قصيرة)

2

الشبح
(قصة قصيرة)
عباس عباس

تاه القمر في الأفق الواسع المظلم، وتهت معه في ثنايا الأودية الصامتة اللعينة المحيطة بمكان المقصود، وبعد جهد جهيد أدركت إتجاهي، ثم أخذت موضعي إثر وصولي للمكان المقرر وراء صخرة صامته .
لمستها بأناملي المرتجفة وكأنني أتحسس قبري، إنتابني شعورٌ مخيف حين فكرت بالإحمرار الذي ستتخذه هذه الصخرة من دمائي .
إمتدت أناملي إلى مقبض بندقيتي، رفعت فوهتها حتى لامست شفاهي، وترددت بين تقبيلها أو شتمها، وبقيت بين ترددي وحيرتي حتى لحظة إعادتها إلى حالة التأهب في لقاء العدو المرتقب.
إجتاز القمر رحلة الضياع، وأضاء عالمي الصغير المشحون بالغدر بضياءٍ باهتٍ بائس، وأنا أعد الدقائق والثواني المتبقية لمناوبتي في الحراسة، ذلك دون أن أنسى الثغرة اللعينة التي أتوقع من خلالها ظهور المرتقب .
حمدت الله على رحمته بي، إذا لم يظهر لي حتى اللحظة أحداً، ولم يكن هنك دليل على ظهور أحد ما، أو هكذا كنت أظن، إلا أن الحقيقة كانت غير ذلك، فالفرحة لم تدم حين تهت من جديد في تحديد شخصية الشبح القادم وفي الثواني الأخيرة من مناوبتي .
كان يسير بخطاً هادئة رذينة، وكأنه صياد يبحث عن طريدة، وإقترب لتزداد سعة حدقة عيني كلما بدا لي يقين الفريسة، وبعدها بدأ ينتقل من صخرة إلى أخرى بثقة متناهية وخبرة متقنة ،وأنا أراقبه عن كثب بدون أن يلاحظني أو يشعر بوجودي بالقرب منه بالرغم من معرفته المسبقة عن تداخل الخطوط بين الطرفين .
كان يعلم بخطورة الأرض التي يسير عليها، ولكن أن يكون هو الفريسة فلا..كان يبحث عن فريسته، نعم فريسته لكي يأتي عليها ومن ثم ليعلِّق وسام المجد على صدره، وسام الإنساية الدامي..وسام أنفاسي الأخيرة .
إرتجف إصبعي على زناد البندقية، كإصبع عازف بزقٍ متردد مبتدئ، وأنا أعد أنفاسي متردداً بين الضمير كإنسان وبين الواجب كجندي، وأنا آراه وهو ينتقل بخفة الثعلب من صخرة إلى أخرى من أجل البقاء ومن أجل أوسمة الشرف التي سينالها بقتلي .
ويعود بي العقل صارخاً من الأعماق..أنت..أنت لوحدك هو المستهدف..أنت هو المطلوب..أنت أيها التائه…أفق ..أنت وحدك هو من يبحث عنه..ليس جائعاً..بل إنتفخت أشداقه بأشلاء إخوتك..ألا تراه كيف يبحث عن فريسة جديدة..ليس هناك أحدٌ سواك..أنت الفريسة المعذبة..سيدوسك الشبح بأقدامه..أفق..افق ودع الإنسانية بسلام .
إبتسمت..إثر رجفةٍ خفيفة، وبعد إنتصار عقل الواجب وغريزة دافع البقاء، إتسعت إبتسامتي لتتقلص شفاهي عن أسناني حتى ظهر نابي الوحشي، حينها فقط وعلى ضياء القمر الباهت البرونزي، وبالطريقة الآلية التي بذلت الكثير لإتقانها سددت فوهة بندقيتي الباردة بإتجاه شبحي الجميل!..
أطلقت..أطلقت زخاتٍ متقطعة بدون أن أعلم بمواضع إصابتي فيه، وثواني حتى تهاوى جثة هامدة فوق صخرة ناتئة، وعلى إنعكاس ضياء القمر، رأيت خيطاً أسوداً يسيل على تلك الصخرة ، بعد حينٍ سمعت آهة الموت المضطربة، ومن ثم حشرجة النَفَسُ الأخير .
عندئذٍ وبعد غصةٍ جافة في الحلق، أدركتُ رجوعه إلى إنسانيته، حينها فقط شعرتُ بآلامه …فبكيت..بكيت حتى طغت دموعي على نابيَّ الوحشي .

تعليقان