بعيداً عن الحرب| 31

0

بعيداً عن الحرب| 31
تشيللو

عندما أنتهى عمران من إخباري بقصة التوأمين، لم أٌعلق. ظللت أنظر إليه فاغر الفم من الدهشة، فنسيت، ليس تفاصيل القصة فقط، إنما القصة برمتها. سألت عمران: ماذا قلت؟
ارتسمت علامات الخيبة على وجهه، ثم ابتسم بعد ذلك هازئاً، وقال: أين كنت عندما حدثتك عن التوأمين؟
أجبته: كنت معك.
تساءل قائلاً: ولكن، يقيناً، عقلك لم يكن معي! بماذا كنت تفكر؟
أجبته: بالتوأمين السياميين. أليست هذه صفة التوائم الحقيقية؟
أجاب: نعم.
قلت له: إذاً كنت معك. ظل ملتزماً الصمت. أما أنا فتابعت: أتعرف؟ سأكتب ذات يوم قصتهما الفريدة هذه.
ضحك، ثم قال: أحقاً ستكتبها، أم أنك تجاملني؟
لم أضحك. قلت له جاداً: لديّ رغبةٌ قويةٌ في كتابتها. هي قصة غير عادية!
أجاب بحزن: نعم. ولم يكمل..
في الليل، وأنا وراء طاولتي، تركت من بين يدي رواية” شارع بريك لين” للكاتبة البنغالية” مونيكا علي”، لأنني كنت مشوش الذهن، وغير قادر على متابعة أحداثها بسبب قصة التوأمين الفريدة!
كان عمران قد عرّفني عليهما منذ شهرين تقريباً.. ليس شخصياً، إنما بالحديث عنهما. كان يضحك ويقول: أقسم بالله لم أستطع في يوم من الأيام أن أميّز الواحد عن الآخر. كان أحدهما يعزف على آلة الكمان، والآخر على آلة التشيللو.. ولولا الآلتين ما عرفت أيهما هاني، وأيهما رامي.
تابع عمران في اتجاه آخر: فجأة غابا عن الدوام في المعهد الموسيقي، وخلال غيابهما، انشغلت ببعض الأمور الخاصة بي، عندما وصلني خبر مقتل هاني أمام بيته، أثناء مرور موكب شهيد، برصاصة طائشة.. ما لبث أن وصلني، بعد ساعات، خبر آخر يناقض الأول، بأن الذي قتل هو رامي، وليس هاني.
ما زلت أذكر، تابع عمران: عندما دخلا عليّ، في غرفتي، من أجل تسجيلهما، لحضور دروس الموسيقى بالمعهد، نظرت إليهما متعجباً، غير مصّدق ما أرى! سبحان الله. كان أمامي توأم حقيقي! توأم لا يمكنك أن تمييز أيّ واحد منهما عن الآخر. سألت الأول عن أسمه، أجاب:” رامي”. وسألت الثاني. أجاب:” هاني”. عندما أدارا ظهريهما إليّ، كتبت إلى جانب اسم كل واحد منهما، الملاحظة التالية: هاني. تشيللو. رامي. كمان.. هكذا كنت أميّز أحدهما عن الآخر بآلته الموسيقية التي يعزف عليها.
تابع عمران: وأنا في غرفتي، مشغولاً بأمور كتابية، دُقّ عليّ الباب. قلت: تفضل.. ورفعت نظري إلى الداخل. كان أحد التوأمين يقف بالباب، شعرت بصدمة، وأنا أتساءل: من منهما كان القتيل؟
كان رامي. لأن الذي يقف أمامي، كان يحمل آلة تشيللو.
لا أريد أن أحدثك عن حزني. لقد كان، أقصد رامي، موهبة حقيقية في العزف على الكمان..
تقريباً هذا ما حدثني به عمران..
أتساءل اليوم: إن كتبتها، كيف لي أن أُظهر فرادة الموت في هذه القصة؟

نيروز مالك

اضف تعليقاً