لعنة الماضي ..

0

لعنة الماضي ..

زكريا كردي
“الإلتزام بإتباع التقاليد المتوارثة عبر الأجيال. لا يعني أن الأموات أحياء. بل يعني أن الأحياء أموات.”
― ابن خلدون ―

أعتقد في ظل عدم وجود عقول فلسفية راقية، ونُخب ثقافية حقيقية، تحذر الأجيال الحالية من أخطاء الآباء ، وتنتقد بجرأة علمية جهالات الأجداد، أو تفنّد سطوة ترهاتهم المُقدسة والمضللة .. سيجعل الأجيال الناشئة عندنا تستمرئ الجرائم الماضية ، وتكرّر الأخطاء السابقة بأريحية محببة ، وتبرّرها بحماسة تشبه إندفاعات الحق ..
وقد تستلهم هذه الأجيال الشابة الغُرّة ، من تلك السّيَر العتيقة الغثّ الجذّاب الذي يدعو إلى العنف والكراهية ، وينعش فيها الغزوات أو الفتح والاحتلال رغبات السيطرة والمجد القائم على قهر الآخر و سفك دماء المُخالف وسحق الخصوم ، قبل أن تتطلع الى السَمين الفكري والمعرفي الغامض ..
وقد يتعاظم الدافع القوي لدى جيل الشباب للعودة إلى إحياء الماضي المكذوب ، ظانين في سيَرَ الخلفاء والحكام والرجال العظام خيراً وفير النفع ومثالاً جدير الشفع ، أو قدوةً يجب على القاصي والداني أن يحتذى بها ..
غير آبهين بالطبع ، بما حوت سير أولئك الأجداد المُقدسين من فظائع وانتهاكات بحق الإنسان أياً يكن ، لطالما ارتشفت عقولهم الغافية الجريمة على أنها عنف مقدس له نصٌ يبرره ، وغزوٌ مبارك اُرتُكبَ باسم الدفاع عن النفس أو لجعل الآخر يخضع للأفكار الجديدة التي يؤمن بها صاحب السيف المسلول بالحق المزعوم ..
في ظني ، إن عقل أيّة أُمّة سيذبل حين يستحله الفكر الديني كلياً ، و يتغوّل المُقدّس بالسيطرة عليه ويحشوه بمفهوماته المُنجزة التامة ، ثم يُقدم للأجيال الشابة منظومتة الفكرية عن الماضي على انها المنهل الأساسي للمعرفة ، والميدان الصحيح والمرجع الوحيد لأية حقيقة علمية ممكنة و مكتشفة أو حتى مُدركة ..
و يرى العقل الميت في لغو الأقدمين مروىً وحيداً لظمأ كل من أراد أن يحلّ مشاكل الحاضر ، فيعكف على تقديم ذاك اللغو والطلاسم على هيئة مقدسات ووصفات واكتشافات إعجازية ، ثم ينثرها على الأذان الخاوية بأساليب فكرية ديماغوجية ، ذات جاذبية آسرة لألباب السامعين ، وفي خضم الاجترار لذات الاقوال والعبارات ولكن في رنين مهيب تمتلأ العقول الخاوية بحماسة الإيمان وانفعاله ، وتسكر الأذهان من نشوة الوهم وتبدأ من تلقاء نفسها في تزيين الفعل وتهويمات إنجازه…
ففي عالم الأشياء مثلاً تحضر السيارة في خطاب العقل الميت على أنها المركوب كالبعير والمرأة كالمنكوح من المتاع.. وهكذا
وأما في عالم الأفكار فتأتي المبادئ العقلية مجسدة في عبارات إنشائية وعظية أكثر منها دلالية مجردة، حيث يختزل مثلاً مبدأ السببية العقلي الهام ، في البعرة التي تدل على البعير والأثر الذي يدل على المسير .. وهكذا
أعتقد أن التغلّب على ظلمة القرون الوسطى في رؤوسنا ، لن يتمّ سوى بإعادة الاعتبار للعقل ، وذلك عبر التعليم المُستقل تماماً عن أجوبة الدين المُغرية للذهن في وأد أي انتقاد أو مساءلة ، و إلا سيبقى – بإعتقادي – الأبناء يرون في الأقدمين الصواب المثال ، و يتوهمونهم عين الحق و رشاد الفعل الدائم في الماضي ، وبالتالي سيرفعونهم شيئا فشيئا إلى برزخ التقديس ..
وذلك لأسباب متعددة منها على سبيل المثال لا الحصر :
أولاً : لأن الحنين للمعروف سابقاً وجاذبيته أقوى بكثير من أي بريق للجديد ودهشته ..
ثانياً : لأن تطبيق المعروف سابقاً والمعتاد عليه أسهل على المرء من الإتيان بجديد ومواجهة رهبته ..
ثالثاً : لأن النقد في المقدس يستجلب كراهية الجماعة و قد يورث القلق في انتظار الجديد و الاصح ، والذي قد يتأخر وهو ينتظر مجيء عقول جريئة و مميزة تأتي به .
رابعاً : قد يكون الناقد لفكرة ما لا يمتلك بعد مفاتيح الفكرة الصحيحة أو البديلة فيراه الآخرون هشاً وغير مقنع في نقده و انتقاده ..
قصارى القول : إن استحضار الماضي بكليته إلى الحاضر يعني إضافة عقبة جديدة في وجه التفكير العلمي لفهمه ..
والإصرار على البحث عن الحلول للمشاكل الراهنة في أقبية الماضي إنما هو قتل عمد للعقل الحي والمُبتكر ..
عندما تسود أفكار الماضي المغلوطة في ذهنية مجتمع ما تصبح الأحلام من أخطر الفعاليات للكائن الحي فيه ..
فالعقل الذي يعيش في الماضي قد يبدو للعيان حياً مسالماً لكنه في حقيقة الأمر ما هو إلا عقل معيق خطر ، يعادي بوجوده كل انجاز إنساني أو جديد علمي ويناكف أية دعوة حقيقية للتقدم ، وتكون هويته الموت وجوهره العنف لكونه يستسيغ قهر إغترابه عن الواقع ويعيش بلا أية آفاق للحلم بالمستقبل ..
وللحديث بقية ..

اضف تعليقاً