بئرٌ تحدّقُ في السماء لفرناندو بيسوا

0

بئرٌ تحدّقُ في السماء لفرناندو بيسوا

ترجمة : جولان حاجي

واحدة من مآسي الروح الكبرى هي أن تنفذ عملاً ثم تدرك، فور انتهائك منه، أنه ليس من الجودة في شيء. تكبر المأساة خصوصاً عندما يدرك المرء أن هذا العمل هو قصارى ما يستطيع بذله. أما إن كتبتَ عملاً، وأنت تعرف مسبقاً، أثناء كتابتك له، أنه مختل وناقص، فهذه ذروة العذاب والذل الروحيين. لستُ راضياً عن القصائد التي أكتبها الآن فحسب؛ بل أعرف إني لن أرضى كذلك عن القصائد التي سأكتبها في المستقبل. أعرف هذا فلسفياً وبلحم جسدي، من استشراف ضبابي لا أدرى من أين استقيته.

فإذن، لماذا أستمر بالكتابة؟ لأني لم أتعلم بعد المزاولة التامة للتخلي الذي أعظ به. لم أتمكن بعد من التخلي عن ميلي الى الشعر والنثر. عليّ بالكتابة، وكأنني أنفّذ عقوبة ما، والعقوبة القصوى هي أن أعرف أن كل ما أكتبه عديم الجدوى، ناقص ويفتقد الى اليقين.

كتبتُ أولى قصائدي عندما كنت طفلاً، وقد بدت لي بديعة، على الرغم من رداءتها. لن أحظى مرة أخرى أبداً بتلك السعادة الواهمة لإنجازي عملاً كاملاً. ما أكتبه اليوم أفضل بكثير، ولعله أفضل مما يكتبه بعض من خيرة الكتّاب. بيد أن ما أكتبه هو دون إمكانياتي التي أشعر لسببٍ ما بأنها غير محدودة ، أقلُّ مما أستطيع، أو ربما دون ما ينبغي عليّ كتابته. أبكي تلك القصائد الأولى الفظيعة، وكأنني أبكي طفلاً ميتاً، ابناً ميتاً، أملاً أخيراً تلاشى.

*

لا نعرف أبداً معنى الذات.
نحن هاويتان-ـ بئر تحدّق في السماء.
*

لا ينبغي أن يكون الإنسان قادراً على رؤية وجهه ـ ما من شيء يفوق هذه الرؤية في خطورتها. لقد وهبته الطبيعة العجز عن رؤية وجهه، والعجز عن التحديق في عينيه هو. كان بوسعه النظر الى وجهه في مياه الأنهار والبحيرات وحدها. والوضعية التي توجب عليه اتخاذها آنذاك كانت رمزية: عليه أن يميل وينحني لاقترافِ إثم أن يبصر نفسه.

مخترع المرآة سمّمَ قلب الانسان.
*

يزداد الملل وضوحاً كلما ازداد ما يجب علينا القيام به.

*
سيان كانت الآلهة موجودة أو لا، فنحن عبيدها.
*

لو كانت حياتنا وقوفاً أبدياً أمام النافذة، لو استطعنا أن نبقى هناك الى الأبد مثل دخان يحوم ويعلو، وفي اللحظة ذاتها يلوّن الغسق الى الأبد منحنى التلال… لو استعطنا أن نبقى كذلك إلى ما بعد الأبد! لو استطعنا على الأقل الاستمرار هكذا، في جهة المستحيل هذه، من دون اقتراف أي فعل، من دون أن ترتكب شفاهنا الشاحبة خطيئة النطق بكلمة أخرى!

أنظر الى حلول الظلام…! تملؤني سكينة الأشياء بالسخط، بشيء شديد المرارة في الهواء الذي أتنفسه. روحي تتألم… نفحة من دخان بطيء تعلو وتتبدد في البعيد… ضجر قلق يمنعني من مواصلة التفكير فيك…

كل شيء فائض عن الحاجة! نحن والعالم ولغز كلينا.

*
أنا واحد من تلك الأرواح التي تزعم النساء بأنهن يعشقنها، لكنهن لا يتعرّفن إلينا أبداً عندما يلتقين بنا ـ واحد من تلك الأرواح التي لن يتعرفن عليها أبداً حتى لو تعرّفن إلينا. أتحمل حساسية مشاعري بموقف يشوبه الازدراء. أنا أتحلى بكل الخصال التي تجعل الشعراء الرومانسيين محطَّ إعجاب، وأتحلى حتى بافتقاد تلك الخصال، ذاك الافتقاد الذي يجعل من المرء شاعراً رومانسياً حقيقياً. جزئياً، أجد نفسي موصوفاً في الروايات، كأنني بطل حبكات متنوعة، ولكن ليس جوهر حياتي وروحي من البطولة في شيء.

ليست لدي أية فكرة عن نفسي، ولا حتى الفكرة التي فحواها افتقادي لأية فكرة عن نفسي. أنا بدويٌّ في وعيي لذاتي، وقطعان مراعي الداخلية تتبعثر أثناء أول رعي.

*
المأساة الوحيدة هي عجزنا عن إدراك أنفسنا بوصفنا مأسويين. لقد رأيتُ بوضوح على الدوام كيف أتقاسم الوجود مع هذا العالم، ولم أشعر قط شعوراً واضحاً بأنني مضطر الى مشاركته في هذا الوجود. ولهذا السبب لم أكن قطّ طبيعياً.
*
أن تعمل هو أن تستريح.
*
كافة الإشكاليات مستحيلة الحل. جوهر كون الإشكالية إشكالية يقتضي انعدامَ الحل. أن تسعى بحثاً عن حقيقة ما يعني أن هذه الحقيقة غير موجودة. أن تفكر هو أن لا تعرف كيف تكون موجوداً.

أحياناً أزجي ساعات طوالاً في تيريريو دو باتشو بمحاذاة النهر، متأملاً دونما جدوى؛ نفاد صبري لا يكف عن محاولة انتشالي من تلك السكينة، وخمولي يبقيني لابثاً هناك وفي هذه الحالة من الخدر الجسدي التي توحي بالحسية ،كما يوحي همس الريح بأصوات نستحضرها، أتأمل النهم الأبدي لرغباتي الغامضة، والتقلب الدائم لاشتياقاتي المستحيلة. ما أقاسيه في الصميم هو مقدرتي المرضية على أن أتعذب. أنا أفتقد شيئاً لا أريده في الواقع، وأتعذّب لأن هذا ليس عذاباً حقيقياً.

النسيم، ما بعد الظهيرة ورائحة المحيط كلها تدخل معاً في نسيج قلقي. نايات الرعاة المستحيلين لا تقل عذوبة عن غياب النايات الذي يذكّرني بهم الآن. تؤسيني أناشيد الريف البعيدة على امتداد الجداول، في هذه اللحظة الداخلية الشبيهة…

*
أبسط الأشياء -الأبسط حقاً ولا شيء يستطيع تعقيدها ولو قليلاً- تغدو شديدة التعقيد عندما أعيشها. يفزعني أحياناً أن أتمنى لأحدهم نهاراً سعيداً، يتلجلج صوتي، وكأن ثمة جسارة غريبة في قول مثل هذه الكلمات بصوتٍ عال. إنها ضرب من الغثيان إزاء الوجود ـ لا طريقة أخرى لصياغة الفكرة!

تحليلنا المستمر لأحاسيسنا يخلق طريقة جديدة للشعور تبدو مصطنعة لأولئك الذين يحلّلون الأمور بعقولهم فحسب، ولا يعتمدون الإحساس بحد ذاته.

طوال حياتي كنتُ مبتذلاً من وجهة نظر ميتافيزيقية، جاداً في إهدار الوقت. لم أفعل شيئاً آخذاً إياه على محمل الجد، بصرف النظر عن شدة توقي الى الجدية، لقد تسلى بي قدر مولع بالأذى.
*

أن نمتلك عواطف مصنوعة من الحرير أو القصب أو القطن! أن نمتلك عواطف نستطيع أن نصفها بهذا الشكل! أن نمتلك عواطف وصفها ممكن!

أشعر في قرارة روحي بأسف قدسي على كل شيء. أسى مفعم بالنحيب والغصّات على نزول لعنة الأحلام بأجساد الذين حلموا بها. وأكره دونما كراهية كلَّ الشعراء الذين نظموا القصائد، كل المثاليين الذين رأوا تحقق مثالهم، كل الذين حصلوا على ما أرادوه.

أتسكع في الشوارع الهادئة علي غير هدى، أمشي الى أن يتعب جسدي كروحي، فأتأسى مشارفاً تخوم ذاك الأسى الأليف القديم الذي يودُّ مني أن أشعر به، مشفقاً على نفسه بعطفٍ أمومي متعذر على الوصف يتحول الى موسيقى.

النوم! أن أنام! أن أنعم بالسكينة! أن أكون واعياً لا يعي إلا التنفس المفعم بالطمأنينة، من دون أي عالم وأية سماوات، من دون روح ـ بحراً ميتاً من العواطف يتمرأى فيه غياب النجوم!
*

أبغض ما في الأحلام هو أنها في حوزة الجميع. صبي المكتب الذي ينعس، متكئاً إلى عمود الإنارة في استراحته بين إيصال الطلبات، يفكر بشيء ما في عتمة عقله. أعرف بمَ يفكر: إنها نفس الأشياء التي تستغرقني، أثناء انتقالي من دفتر لآخر بين دفاتر المحاسبة، في ملل الصيف، في السكون المطبق للمكتب.
*

من أنا، بالنسبة الى نفسي؟ مجرد إحساس واحد من أحاسيسي.
*
يائساً ينزُّ قلبي مثل دلو مكسور. أفكر؟ أشعر؟ كم يرهقني كل شيء عندما أقوم بتحديده!
*
لو يأتي اليوم الذي أصير فيه آمناً من الناحية المالية، بحيث أستطيع أن أكتب وأنشر على سجيتي، فإني أعرف كم سأفتقد هذه الحياة المقلقة التي أكتب فيها بمشقة ولا أنشر على الإطلاق. لن أفتقدها لأنها حياة فحسب، مهما كانت وضيعة، لن أحظى بها مرة أخرى أبداً، وإنما لأن كل حياة تتحلى أيضاً بمزايا خاصة ومتعة تقتصر عليها هي وحدها، وعندما نزاول حياة أخرى، حتى لو كانت خيراً من سالفتها، لن تكون تلك المتعة كما تخيّلناها، وستبدو تلك المزايا الخاصة أقل خصوصية، ريثما تضمحل ويبقى منها شيء نفتقده.
لو أفلحت يوماً في تنكب صليب نواياي الى الجلجلة الخيّرة، فسوف أجد جلجلة أخرى في تلك الجلجلة الخيّرة، وسأفتقد الوقت الذي كنت فيه عبثياً، وضيعاً وناقصاً. بشكل من الأشكال سأكون أقلّ مما عهدته.
أنا متعب. قضيت نهاراً طويلاً ممتلئاً بعمل أحمق في هذا المكتب المهجور تقريباً. موظفان غائبان بسبب المرض، والآخرون ليسوا هنا. أنا وحيد، باستثناء صبي المكتب في الخلف. أفتقد المستقبل الذي سألتفت فيه وأفتقد كل هذا، مهما كان سخيفاً.
*
ثمة ما يستدرجني كي أتساءل أية آلهة تستبقيني هنا، كأنني في خزينة موصدة، في مأمن من أحزان الحياة ومسرّاتها أيضاً.
*
مهما قاسى الإنسان العادي من شظف الحياة فإن لديه، على الأقل، متعة عدم التفكير فيها. أن تأخذ الحياة كما تأتيك، وتعيشها من الخارج كقطة أو كلب ـ هكذا يعيش الناس عموماً، وهكذا ينبغي أن تُعاش الحياة، لو تحلّينا بقناعة القطة أو الكلب.
*
أن تفكّر هو أن تهدم. الفكرة ذاتها تتهدم خلال عملية التفكير، إذ أنْ تفكر هو أن تفكك. لو عرف البشر كيف يتأملون لغز الحياة، لو تعلموا كيف يشعرون بالتعقيدات الألف التي تتجسس على الروح في كل تفصيل ضئيل من كل فعل، لما ارتكبوا آنئذ أي فعل، ولما عاشوا أيضاً. سيقتلون أنفسهم رعباً، كمثل الذين ينتحرون كي يتجنّبوا الإعدام في اليوم التالي.
*
تستقبل الروح دائماً كل تغيير في روتين المرء المعهود كأنه امتياز تنقصه الألفة، متعة يشوبها القليل من عدم الارتياح. كل من يغادر المكتب في الساعة الخامسة بينما هو معتاد على المغادرة في السادسة فسوف يجرّب بالتأكيد عطلة ذهنية، وشعوراً شبيهاً بالأسف لأنه لا يعرف ما هو صانعٌ بنفسه.

أمس غادرت المكتب في الرابعة، إذ كان عليّ الاهتمام بعمل بعيد، وفي الخامسة انتهيت منه. لست معتاداً على وجودي في الشوارع في مثل تلك الساعة، فاكتشفت أنني في مدينة مختلفة. كان الضوء الناعم على الواجهات إياها صافياً صفاء عبثياً، والمارة إياهم يعبرون في المدينة بالقرب مني، كمثل بحارة ترجّلوا من سفينة ليلة أمس.

عدت الى المكتب، وكان لا يزال مفتوحاً، فاندهش زملائي بالطبع، لأنني للتو قد ودّعتهم اليوم. ماذا؟ لقد رجعت؟ أجل، لقد رجعت. هناك، منفرداً بتلك الوجوه المألوفة التي لا وجود لها روحياً بالنسبة إليّ، كنتُ حرّاً من وجوب أن أشعر. لقد كان المكتب، بشكلٍ ما، بيتاً- المكانَ الذي لا يشعر المرء فيه بأي شيء.
*
(الغابة(

آه، حتى خزانة خلوتي لم تكن حقيقية ـ الخزانة القديمة لطفولتي الضائعة! انحسرتْ كالضباب، وأنا أتلمس مرورها المادي بين الجدران البيضاء لغرفتي الواقعية التي انبثقت من بين الظلال واضحةً وأصغرَ حجماً، كالحياة والنهار، كصرير العربة والصوت الخافت للسوط وهو يستوثب العضلات في الجسد المطأطئ للحيوان المنهك.

سمّيت عجزي عن مزاولة الحياة بالعبقرية، وزيّنت جُبني بالثياب حين سمَيته تهذيباً. إلهاً مذهّباً بذهب زائف، نصبتُ نفسي على مذبح من الكرتون مصبوغ بالألوان كي يبدو كالرخام.
*
قد بلغتُ النقطة التي يتجسّد فيها الملل شخصاً، التقمصَ الخيالي لصحبتي.
*
العالم الخارجي موجود كممثل على خشبة مسرح: إنه هناك، لكنه شيء آخر.

…. وكل شيء مرض لا براء منه.
*
خمول الشعور، الإحباط لأني لن أعرف أبداً كيف أقوم بأي شيء، العجز عن القيام بأي فعل….
*
متسللاً بين بنايتين، في مساحات متحوّلة من الضوء والظل (أو بالأحرى، بقع من ضوء أشد سطوعاً وضوء آخر أقل سطوعاً)، يهبط الصباح فوق المدينة. وكأنه لا يأتي من الشمس بل من المدينة نفسها، كأن ضوء الشمس انبثق من الجدران والأسطحة… لم ينبثق منها فيزيائياً، لأنها بمحض الصدفة موجودة هناك.

مشاهدة الضوء والإحساس به يبعثان فيّ أملاً كبيراً، لكني أدرك إن الأمل لفظ أدبي. الصباح، الربيع، الأمل ـ مفردات تترابط موسيقياً من خلال الغاية الإيقاعية ذاتها؛ وهي مترابطة في الروح بواسطة الذكرى التي أحملها عن غاية إيقاعية مماثلة. كلا: لو راقبتُ نفسي كما أراقب المدينة، فسوف أدرك أن قصارى رجائي هو أن ينتهي هذا اليوم كسائر الأيام. العقل أيضاً يرى الفجر. كلُّ أمل وضعته في هذا اليوم لم يكن أملي؛ كان أمل أولئك الذين يعيشون الساعة العابرة فحسب، وتصادف إني جسّدتُ، للحظة، طريقتهم الخارجية في الفهم.

الأمل؟ بمَ سآمل؟ لا يعدني النهار بأكثر من كونه نهاراً، وأنا أعرف إن له مدة محددة وسوف ينتهي. يواسيني الضوء ولكنه لا يحسّن حالتي، لأنني سأبتعد وأنا الرجل نفسه ـ كبرتُ بضع ساعات فحسب، مع إحساس أو اثنين أكثر سعادة، وفكرة أو اثنتين أكثر حزناً. عندما يولَد شيء ما، بوسعنا أن نشعر به كولادةٍ تمّت، أو التفكير بأن موته محتوم. الآن، تحت ضياء الشمس المبهر، مشهد المدينة شبيه بحقل مفتوح من المباني، الطبيعية والشاسعة والمتناغمة. ولكن، في أثناء رؤيتي كل هذا، هل بمستطاعي أن أنسى أني موجود؟ وعيي للمدينة هو، في الصميم، وعيي لنفسي.

بغتة أتذكر عندما كنتُ طفلاً ورأيتُ، مثلما لا أستطيع اليوم أن أرى، الفجرَ ينبلج فوق المدينة. آنذاك، لم يكن الفجر ينبلج لأجلي وإنما لأجل الحياة، لأنني آنذاك (غير مدرك بعد) كنتُ الحياة. رأيتُ الفجر ينبلج وشعرتُ بالسعادة؛ اليوم أرى الفجر ينبلج، أشعر بالسعادة وأصير حزيناً. لا يزال الطفل هناك، لكنه بات صامتاً. أرى كما كنت أرى، لكني، وراء عيني، أرى إنني أرى، وذلك يكفي لتعتمَ الشمس ويشيخ اخضرار الشجر وتذبل الأزهار قبل أن تتفتح. أجل، ذات مرة كنتُ منتمياً الى هذا المكان هنا؛ أما اليوم، أمام كل مشهد، مهما تألقت نضارته، فأقفُ مثل أجنبي، ضيف وحاجّ، غريباً عما أراه وأسمعه، عجوزاً قدام نفسي.

لقد رأيتُ كل شيء، رأيتُ حتى ما لم أرَه قط ولن أراه أبداً. ذكرى مناظر المستقبل تتدفق في دمي، وقلقي إزاء ما يتعيّن عليّ أن أراه مرة أخرى قد أضحى رتيباً بالنسبة إليّ.

وباتكائي إلى حافة النافذة كي أستمتع بالنهار، محدقاً بالكتلة المتنوعة للمدينة بأسرها، لا تملأ روحي إلا فكرة واحدة: إني، من الصميم، أتمنى أن أموت… لو كففتُ عن الوجود، فلا أرى المزيد من الضوء يشرق في هذه المدينة أو في أية مدينة أخرى، لو كففتُ عن التفكير، لو كففتُ عن الشعور… لو أترك ورائي زحف الوقت والشمس مثل قطعة من ورق التغليف، لو أخلع كمثل دثار ثقيل، الى جوار السرير الكبير، جهدَ الوجود القسري.
*

عليَّ اختيارُ ما أمقتهُ- الحلم الذي يكرهه عقلي، أو العمل الذي تشمئزُّ منه حساسيتي؛ العمل الذي لم أولَدْ لأجله، أو الحلم الذي لم يولدْ لأجله أحد.
كارهاً كليهما ، لا أختارُ أياً منهما؛ لكن، و لأنه عليّ أن أحلمَ أو أعملَ كلما اقتضى الأمر، فإنني أمزجُ كليهما معاً. ‏
*
سألتُ الحياة النزرَ اليسير، لكنها حرمتني حتى من هذا النزر. حقلٌ قريب، شعاعُ شمس، قليلٌ من السكينة مع كسرةِ خبز، أن لا يعذّبني ما أشعرُ به لأنني أعرفُ أنني موجود، أن لا أطلبَ شيئاً من الآخرين، و أن لا يطلبَ الآخرون شيئاً مني- هذا ما حُرِمْتُ منه مثلما نحرمُ شحّاذاً من الصدقة، لا لأن قلوبَنا عديمةُ الشفقة بل لأننا لا نشعرُ بضرورة أن نفكَّ أزرارَ معاطفنا.
‏ *
حزيناً أكتبُ في سكون غرفتي، وحيداً كما كنتُ دائماً، وحيداً كما سأكونُ على الدوام. وأتساءلُ فيما إذا كان صوتي المهملُ كلَّ الإهمال يجسّدُ جوهرَ آلاف الأصوات، وتوقَ آلاف الحيوات للتعبير عن ذواتها، و صبرَ ملايين الأرواح المسخَّرةِ مثل روحي لمشاغلها اليومية وأحلامها العديمةِ الجدوى وآمالها اليائسة. في مثل هذه اللحظات يشتدُّ خفقانُ قلبي لأنني أعي ما أفكرُ به. أعيشُ أكثرَ من سواي لأني أحيا عالياً. أشعرُ بقوةٍ دينية في داخلي، ضربٍ من الصلاة، نوعٍ من صرخة تنوبُ عن سائر الناس… لكنّ عقلي يعيدني على عجَلٍ إلى مكاني… فأتذكّر أنني في الطابق الرابع في شارع دورادوريس، و ألقي على نفسي نظرةً ناعسة. أرفعُ ناظري عن الصفحة نصف المكتوبة وأرمقُ الحياة، عقيمةً وعديمةَ الجمال، وأرمقُ السيجارة الرخيصة التي سأطفئها في المنفضة أمام الورقة المهترئة المشبعة بالحبر. ‏
أنا، في هذه الغرفة من الطابق الرابع، أستنطقُ الحياة! أقولُ ما تشعر الأرواح به! أكتبُ النثر مثل مؤلفٍ مشهور أو عبقري! أنا، هنا، عبقريّ!
*
كلما حاولتُ أن أعتقَ حياتي من سلسلة الظروف التي لا تني تقهرها ، تطوّقني على الفور ظروفٌ أخرى مماثلة للأولى، كأنّ شبكةَ الوجود الغامضة لن تفضَّ أبداً نزاعَها معي؛ أزيلُ عن عنقي يداً كانت تخنقني، فأرى يدي مغلولةً إلى أنشوطةٍ تلتفُّ حول عنقي بينما أنا أحرّره من يدِ الغريب. عندما أفكُّ الأنشوطة بحذرٍ شديد أوشكُ أن أخنقَ نفسي بيدي. ‏
*
نحنُ جميعاً نواري جريمةً اقترفناها، أو جريمةً تتوسّلُ إلينا أرواحنا كي نقترفَها. ‏
*
أحسدُ جميع الناس لأنني لستُهم. و لأنّ هذه الرغبة تبدو لي كالمستحيل الأكبر بين كلِّ المستحيلات، فهي ما أتوقُ إليه كلَّ يوم، وهي ما أيأسُ منه في كلِّ لحظةِ حزن.
‏ *
لقد نحتَتْني العزلة على صورتِها و شَبَهها. حضورُ شخصٍ آخر- أياً كان هذا الشخص- يبطىءُ تفكيري على الفور؛ وفي حين يكون التواصلُ مع الآخرين بالنسبة لإنسانٍ طبيعي محفّزاً على الكلام و التعبير والفطنة ، فإنه، في حالتي، محفّزٌ مضادّ- إذا جازت لغوياً هذه الكلمةُ المركّبة. عندما أنفردُ بنفسي، أستطيعُ أن أفكرَ بكلِّ صنوف الملاحظات الذكية، بانتقالاتٍ سريعة إلى الوراء نحو ما لم يقُلْهُ أحد، وبومضاتٍ من التواصل الاجتماعي الفطن مع لاأحد. ولكن، كلُّ هذا يتلاشى عندما أقابلُ شخصاً ما وجهاً لوجه: أفقدُ ذكائي، أعجزُ عن الكلام، وبعد نصف ساعة فحسب ينتابني التعب. أجل، محادثةُ الناس تجعلني أشعرُ بأني أنام. وحدهم أصدقائي الأطيافُ والخياليون هم الحقيقيون والجوهريون، و كذلك الحواراتُ التي تدورُ في أحلامي حيث يلمعُ الذكاءُ كصورةٍ في مرآة. ‏
محضُ فكرة إن عليّ الدخول في تواصلٍ مع شخصٍ آخر يصيبني بالقلق. دعوةٌ بسيطة لتناول الغداء مع صديق تُحدِثُ فيَّ ألماً يصعبُ عليَّ وصفُه. فكرةُ أي واجب اجتماعي- حضور جنازة، التعامل مع شخص في شؤون المكتب، الذهاب إلى المحطة كي أنتظرَ شخصاً أعرفهُ أو لا أعرفه-مجرد الفكرة يبثُّ في أفكاري اضطراباً يدومُ نهاراً بأكمله، و أحياناً يبدأ قلقي في الليلة السابقة فأنامُ نوماً سيئاً. و عندما تقعُ المواجهةُ التي أخشاها يتّضحُ لي إنها عديمة الأهمية تماماً، ولا تسوّغُ شيئاً من قلقي، غير أني أكرّرُ الشيءَ نفسه في المرة التالية: لن أتعلّمَ أبداً أن أتعلم. ‏ «طباعي هي طباعُ العزلة، و ليست طباعَ البشر»، لا أعرف من قال هذا، روسو أم سينانكور. لكنه كان عقلاً يتحدرُ من النسب إياه ، وربما قالَ الكثير عن السلالةِ التي أنتمي إليها. ‏
*
واليوم، مفكراً فيما كانتْهُ حياتي، أحسُّ و كأنها حيوانٌ محمولٌ في سلّة تحت ذراعٍ منثنية بين محطتي قطار في الضواحي. الصورة حمقاء، لكن الحياة التي أمدّتني بها أشدُّ حمقاً. ‏
لهذه السلال عادة غطاءان نصف بيضويين، فإذا رُفِعَ أحدهما من هذا الطرف أو ذاك لاذَ الحيوانُ بالفرار، لكنّ الذراع التي تحمل السلة تتكىء قليلاً على مفصل الغطائين ولن تتيح لهذا المخلوق الضعيف غير أن يرفعَ الغطاء رفعاً خفيفاً ولا مجدياً مثل جناحين متعبين لفراشة. ‏
لقد نسيتُ إني كنتُ أتحدثُ عن نفسي وأنا اصفُ السلة. أنا أراها بوضوح وأرى ذراعَ الخادمة البدينة والملوَّحة بالشمس وهي تحملها، كل ما أستطيع رؤيته من الخادمة هو ذراعها والوبر الذي يكسوها، ولا ينتابني أي شعور بالراحة إلا عندما تهبُّ بغتةً نسائمُ باردة خلل العيدان والشرائط التي ضُفِرَتْ منها السلّة التي أتلوّى في داخلها- حيواناً يدركُ أنه يمضي من محطةٍ إلى أخرى. أرتاح مستلقياً على ما يبدو لي مَقعداً طويلاً، وأسمعُ الناس يثرثرون خارجَ سلّتي. ‏
كل شيء هادئ. و لهذا أنامُ ريثما يُرفَعُ الغطاء عند الوصول إلى محطة أخرى. ‏
*
لا أغضبُ لأن الغضب حقُّ الأقوياء؛ لستُ مستسلماً لأن التنازل حقُّ النبلاء؛ لا أصونُ طمأنينتي لأن الصمت حقُّ العظماء؛ وأنا لستُ قوياً ولا نبيلاً ولا عظيماً. أنا أتعذّب و أحلم. أشكو لأنني ضعيف. ولأنني فنان أسلّي نفسي فأحوّلُ تشكّياتي إلى موسيقا، وأرتّبُ أحلامي بما ينسجمُ مع فكرتي عن الجمال. ‏
ما يؤسفني هو أنني لستُ طفلاً، لأنني آنذاك كنتُ قادراً على الإيمان بأحلامي من دون أن أكون مجنوناً، ولأنني آنذاك كنتُ أستطيع أن أمنعَ سائرَ المحيطين بي دون المساسِ بروحي. ‏
الاستعاضةُ عن الواقع بالأحلام، معايشةُ ما أحلمه على نحوٍ بالغِ الكثافة، قد أضافَ هذه الشوكة إلى الوردة الزائفة لحياتي المحلوم بها: حتى الأحلامُ لا تبهجني، لأنني أرى عيوبها. لا أستطيعُ أن أكتمَ ضوضاء الحياة في الخارج إذا صبغتُ نافذتي بألوانٍ متنوعة، الحياة التي لا تعرفُ أني أراقبها. ‏
*
كم هم مغتبطون صنّاعُ الأنظمة الفكرية المتشائمة. فبالإضافة إلى كونهم يلوذون بحقيقة أنهم قد صنعوا شيئاً ما، فبمستطاعهم أن يغتبطوا بتفسيرهم للعذاب الكوني ويدرجوا أنفسهم ضمنه. ‏
لا أشكو العالم ولا أحتجُّ باسمِ الكون. لستُ متشائماً. أنا أتعذّب وأشكو، لكني لا أعرفُ هل العذابُ أمرٌ طبيعي، كما لا أعرف إن كان العذابُ شأناً إنسانياً. ولماذا سأكترث بأن أعرف؟ ‏
أتعذب من دون أن أعرف هل أستحقُّ هذا العذاب(غزالٌ مأسور). ‏
لستُ متشائماً. أنا حزين. ‏
*
…. وأنا الذي يكرهُ الحياة كراهيةَ الجبان، أخافُ الموت وأنبهرُ به، أخافُ هذا العدمَ الذي قد يكونُ شيئاً آخر، وأخافهُ كأنه عدمٌ وشيءٌ آخر في آن معاً، كأنّ الذعرَ الكامل واللاوجود قد يترافقان هناك، كأنّ تابوتي سيحبسُ التنفسَ الأبديّ لروحِ جسدي، كأنّ الخلودَ سيشقى بهذا التواطؤ بينهما. تبدو لي فكرةُ الجحيم التي لم تخترعها إلا روحٌ شيطانية مشتقّةً من صنف الاضطراب هذا- مزيجاً من خوفين مختلفين كلٌّ منهما يناقضُ الآخر ويدنّسه. ‏
*
إذا امتلكتَ رأياً فأنت تبيعُ نفسك، وإذا لم تمتلكه كنتَ موجوداً. بامتلاك كلّ الآراء تصيرُ شاعراً. ‏
*
الحزنُ العميق الذي يسكنُ كلَّ الأشياء العظيمة: الجبالَ الشاهقة والرجالَ العظماء، الليالي العميقة والقصائدَ الخالدة. ‏
*
أن نرى كلَّ الوقائع التي تجري معنا كأنها أحداثٌ أو وقائعُ في روايةٍ لا نقرؤها بعيوننا وإنما بحياتنا كلها. فقط إذا اتخذنا هذا الموقف، سنستطيع التغلبَ على تفاهةِ الأحداث وتعاسةِ كلّ يومٍ يعبر. ‏
*
لا يزالُ التفكير شكلاً من أشكال العمل. في حلم اليقظة المحض فحسب، عندما لا يقاطعنا أيُّ عمل، وحتى إدراكنا لأنفسنا يبلغ منتهى عمقه- هناك فحسب، في تلك الحالة الندية والدافئة من اللاوجود، نستطيعُ الوصولَ إلى التخلي المطلق عن كلّ فعل. ‏
أن نكفَّ عن محاولات الفهم، أن نكفَّ عن التحليل… أن نرى أنفسنا كما نرى الطبيعة، أن نشاهدَ انطباعاتنا كما نشاهدُ حقلاً- تلك هي الحكمةُ الحقّة. ‏
*
ملامستك لقدمي المسيح لا يسوّغ لك ارتكابَ الأخطاء في علامات الترقيم. ‏
لو كان امرؤ لا يجيدُ الكتابة إلا إذا سكَر فسأقول له: اسكرْ؛ وإذا قال إن هذا يضرُّ بكبده فسأجيبه: و ما هو كبدك؟ شيءٌ ميت يعيش أثناء حياتك، بينما القصائد التي تكتبها سوف تحيا من دونك. ‏
*
كلُّ عواطفي تحدثُ على السطح، لكنها صادقة. لقد كنتُ ممثّلاً على الدوام، و ممثلاً جاداً. كلما أحببتُ زعمتُ إنني أحبُّ ، زاعماً ذلك حتى أمام نفسي. ‏
*
نعبدُ الكمال لأننا عاجزون عن حيازته، وإذا ما حزناهُ فسنرفضه؛ الكمال لا إنساني لأن الإنسانية ناقصة. ‏
*
نحن نضمرُ بغضاء سرية للفردوس واشتياقاتنا شبيهة باشتياقات الفقير المحطم الذي يأمل بالريف في الجنة. ‏
ما بوسعه أن يسحر روحاً حساسة ليس النشوات المجردة و لا أعاجيب الغيب، و إنما أعمدةُ البيت سفوح التلال، الجزر الخضراء في بحار زرقاء، الدروب المحفوفة بالأشجار وساعات الراحة التي تنقضي بين مزارع الأجداد، حتى لو لم نكن نمتلك مثل هذه الأشياء أبداً. ‏
ما لم توجد هناك أرضٌ في الجنة فخيرٌ لنا أن لا توجد أيةُ جنة، و خيرٌ لنا أن يكون كلُّ شيء لا شيئاً، و أن تصلَ الرواية العديمة الحبكة إلى ختامها. ‏
*
بلوغُ الكمال يقتضي بروداً غريباً عن الإنسان، يفقد أثناءه القلبَ الذي يجعله يعشق الكمال. ‏
مذعورين نعبدُ غريزةَ الكمال لدى الفنانين العظماء، نعشق اقترابهم من الكمال، نعشقه لأنه اقترابٌ فحسب. ‏
عشقُ العبث و المفارقة هما السعادةُ الحيوانية لدى الرجل الحزين. فمثلما يتفوّهُ الرجل الطبيعي بالترّهات و ويضرب الآخرين على ظهورهم عندما ينفعلُ و يتحمّس، كذلك يتسلّى العاجزون عن الحماسة و المرح داخل عقولهم، ويؤدّون- بطريقتهم الخاصة الباردة- إيماءاتِ الحياة الدافئة. ‏
*
كلُّ جهدٍ جريمة لأن كلَّ إيماءة حلمٌ ميت. ‏
*
كلُّ متعةٍ رذيلة، لأن البحث عن المتعة هو ما يقومُ به الآخرون جميعاً في الحياة، والرذيلةُ السوداء الوحيدة هي أن تفعلَ ما يفعلهُ الآخرون. ‏
*
كلُّ ما أسألهُ من الحياة هو ما سأله ديوجين من الإسكندر: لا تعترضْ طريقَ الشمس. كانت ثمة أشياء أردتُها، و لكني حُرِمتُ من كلِّ الأسباب التي تجعلني أريدها. أمّا ما عثرتُ عليه، فكان خيراً لي لو عثرتُ عليه في الحياة الواقعية. أحلمُ…. ‏
* ‏
عندما أتمشّى أصوغُ عباراتٍ باهرة لا أستطيعُ أن أتذكّرها فورَ وصولي إلى البيت. لستُ واثقاً إن كان الشعرُ الخالص في هذه العبارات يعودُ بأكمله إلى ما كانتْهُ ( وقد نسيتُه)، أم يعود جزئياً إلى ما لم تكُنْه. ‏
*
الحالمون بالمثاليّات- الاشتراكيون، المحبُّون للغير، و الإنسانويون أيّاً كانت مِلّتُهم- يجعلونني أشعرُ بغثيان يعتصر معدتي. إنهم مثاليون بلا مثال، مفكّرون بلا فكر. إنهم مأخوذون بسطح الحياة، لأن قدرَهم هو أن يعشقوا النفاياتِ التي تطفو فوق المياه ويحسبوها جميلة، فالأصدافُ المبعثرة تطفو أيضاً فوق المياه. ‏
*
أحلامي: في أحلامي أخلقُ أصدقاء أبقى بصحبتهم فيما بعد. إنهم ناقصون بطريقة أخرى. ‏
*
اِبقَ نقيّاً، لا كي تكونَ نبيلاً أو قويّاً، بل كي تكونَ نفسك. أن تمنحَ الحبّ هو أن تفقدَ الحب. ‏
*
اِنزوِ عن الحياة كي لا تنزوي عن نفسك. ‏
*
النساء منهلٌ جيد للأحلام، فلا تلمسهنَّ أبداً. ‏
*
تعلّمْ كيف تفكّكُ أفكار المتع الحسية واللذّة. تعلّمْ كيف تتلذّذُ بالأشياء كلها، لا من أجل ما هي عليه، بل من أجل الأحلام والأفكار التي توقدُها (إذ ما مِنْ شيءٍ هو ما هو عليه، أما الأحلام فهي أحلامٌ دائماً). استكمالاً لما ذكرتُ، يجبُ ألا تلمسَ شيئاً، إذ حالما تلمسه يموتُ حلمك ويشغلُ الشيءُ الملموس مقامَ مقدرتك على الإحساس. ‏
السمعُ والرؤية هما الشيئان النبيلان الوحيدان في الحياة. الحواس الأخرى شهوانية ومبتذلة. الأرستقراطية الوحيدة هي أن لا تلمسَ أبداً. تجنّبِ الاقتراب- ذاك هو النبلُ الحقيقيّ. ‏
*
بعد أن رأيتُ منطقَ بعض المجانين وصفاءَ ذهنهم عندما يبرّرون أفكارَهم الممسوسة أمام أنفسهم وأمام الآخرين، ما عدتُ قادراً البتة على الوثوق بصفاءِ ذهني الصافي. ‏
*
العبدُ الذي أخفيهِ في شخصيتي وتحت وطأةِ ظروفي، لا تهينهُ لامبالاةُ الآخرين فحسب، بل يهينهُ أيضاً تعاطفهُم مع الشخص الذي يعتقدون انه أنا- هكذا يُراكِمُ القدَرُ فوقي إهاناتِ البشر.
*
مدركاً السهولةَ التي تستطيعُ بها أضألُ الأشياء أن تعذّبني، فإنني أتعمّدُ أن أتحاشى التواصلَ معها. إذا كنتُ سأتعذّبُ حينما تعبرُ غيمةٌ أمام الشمس، فكيف لن أتعذّبَ من ظلامِ هذا اليوم المهمَلِ إلى الأبد وهو حياتي؟ ‏
ليست عزلتي سعياً إلى السعادة (التي لا تعرفُ روحي كيف ستشعرُ بها)، و لا سعياً إلى السكينة (التي لن ينالها أحدٌ ما لم يفقدها في الواقع)، إنها سعيٌ إلى النومِ والمحوِ والتخلي المتواضع. ‏
الجدران الأربعة لغرفتي الحقيرة هي زنزانةٌ وبريةٌ في آنٍ معاً، سريرٌ وتابوت. أسعدُ لحظاتي هي تلك اللحظات التي لا أفكّرُ خلالها بشيء ولا أريدُ شيئاً ولا أحلمُ شيئاً. أكونُ ضائعاً في خدَرٍ كمثل نبتةٍ طلعت بالصدفة، كمحض طحالبَ تنمو على سطح الحياة. أتذوّقُ دونما مرارةٍ هذا الإدراك العبثي لكوني لاشيئاً، هذا التذوق المسبق للموت والفناء. ‏
لم يكنْ لي أحدٌ قط أناديه بالمعلم، ما مِنْ مسيحٍ مات لأجلي، ما مِنْ بوذا أرشدني إلى الطريق، ما مِنْ أبولو أو أثينا، في أرقى أحلامي، تجلّيا كي يُنيرا روحي. ‏
*
عندما نحيا على الدوام في عالم المجرّدات، سيّان مجردات الفكر أو أحاسيس الفكر، فإن أشياء العالم الواقعي- ضد إرادتنا وعواطفنا- تغدو حينئذ أوهاماً، بما فيها الأشياءُ التي تخصُّنا شخصياً وعلينا أن نشعرَ بها على أعمق نحو. ‏
مهما كنتُ مخلصاً ومتفانياً في صداقتي مع شخصٍ ما، لا يحرّكُ فيَّ نبأُ مرضهِ أو وفاته سوى انطباعٍ مبهم و كئيب ومتعذرِ التحديد يزعجني أن أشعرَ به. وحده التواصلُ المباشر، المشهدُ الواقعي، يشعلُ عاطفتي. عندما نحيا في الخيال فإننا نستنزفُ مقدرتنا على التخيُّل، ولا سيما تخيّلُ ما هو واقعي. بالمعايشةِ الذهنية لأشياء لا وجودَ لها، ولن توجدَ أبداً، فقدنا مقدرتنا على تأمُّلِ ما هو ممكنُ الوجود. ‏
اكتشفتُ اليوم أن صديقاً قديماً، صديقاً لم أرَهُ منذ وقت طويل لكنني أحتفظُ تجاهه دائماً بذكرى أحسبُ إنها الحنين، قد دخلَ للتوّ إلى المستشفى لإجراءِ عملية جراحية. الإحساسُ الوحيد، المحدّد والواضح، الذي أثاره فيَّ هذا النبأ هو التعب، التعبُ من التفكير بأنّ عليّ زيارته، مع الفكرة الهزلية البديلة، وهي أن أتغاضى عن الزيارة وأشعرَ بالذنب. ‏
ذاك هو كلُّ شيء… لفرطِ ما تعاملتُ مع الظلال، أنا نفسي صرتُ ظلاً- في كلّ ما أفكرُ به وأشعرُ به وما أنا عليه. جوهرُ وجودي هو الحنينُ إلى الشخصِ الطبيعي الذي لم أكُنْهُ قط. ذاك فقط هو ما أشعرُ به. حقاً، لا أشعرُ بالأسف على صديقي الذي سيخضعُ للعملية. حقاً، لا أشعرُ بالأسف على أيّ شخصٍ سيُجري عملية أو أيِّ شخصٍ يتعذّبُ ويأسى في هذا العالم؛ لا أشعرُ بالأسف إلا لأنني لستُ شخصاً يستطيعُ الشعور بالأسف. وبغتةً، أنقادُ يائساً للتفكير في شيء آخر، خاضعاً لقوّةٍ لا أعرفُ ما هي. كأنّ الهلوسات تنتابني، فيختلطُ كلُّ ما عجزتُ عن الإحساسِ به وكلُّ ما عجزتُ عن أن أكونَهُ مع حفيفِ الشجر وترقرقِ المياه في البحيرات ومزرعةٍ لا وجودَ لها…. ‏
أسعى كي أحسَّ، لكني ما عدتُ أعرفُ كيف أحسّ. لقد صرتُ ظلَّ نفسي، كأني قد تنازلتُ عن وجودي لهذا الظلّ. خلافاً لبيتر شليمل في الأقصوصة الألمانية، لم أبِعْ ظلّي فقط للشيطان بل بعتُهُ ماهيّتي أيضاً. يعذّبني أني لا أتعذّب، و لا أعرفُ كيف أتعذّب. هل أنا على قيد الحياة أم تُراني أزعمُ فحسب إني كذلك؟ هل أنا نائمٌ أم مستيقظ؟ ‏
ونسمةٌ خفيفة تنبعثُ عليلةً في قيظِ النهار فتجعلني أنسى كلَّ شيء. جفوني مثقلةٌ بالمتعة… يخطرُ لي إن هذه الشمس إياها تسطعُ فوق حقولٍ لستُ فيها ولا أتمنى الوجود فيها… من قلبِ المدينة الصاخب ينبثقُ صمتٌ شاسع… يا لنعومته! لكن، ربما كانت نعومتهُ ستزداد لو استطعتُ أن أحسَّ بها!… ‏

*

عاجلاً أو آجلاً، ومهما رغبتُ في الحفاظِ على عافيتها، تتحوّلُ كلُّ فكرة في داخلي إلى حلمِ يقظة. لو تمنيتُ الشروعَ بتقديمِ الأسباب أو الإتيان بسلسلةٍ من الذرائع، فإنّ ما يخرج من داخلي هو جملٌ تعبّر في البداية عن الفكرة بحدِّ ذاتها، ثم عباراتٌ تتبعُ جُملَ الاستهلال تلك، وأخيراً ظلالٌ من توابعِ تلك العباراتِ ومشتقّاتها. أبدأ بتأمّلِ وجودِ اللـه، وسرعان ما أجدُ نفسي أتكلمُ عن حدائقَ بعيدة ومواكبِ الإقطاعيين وأنهارٍ تجري، دون صوتٍ تقريباً، تحت نوافذِ تأملاتي… وأجدني أتكلم عنها لأنني أجد نفسي أراها وأحسُّها، وثمة لحظةٌ وجيزة تلامسُ فيها وجهي نسمةٌ حقيقية آتيةً من صفحةِ النهر الذي حلمتُ به عبر المجازات، بتلك النزعةِ الإقطاعية التي يسِمُ أسلوبُها جوهرَ تنازلي عن نفسي.
أحبُّ أن أفكر، لأنني مدركٌ أن الوقتَ لن يطول قبل توقفي عن التفكير. إنها نقطةُ الانطلاق حين أقول إن التفكير يُمتعني – فهو ميناءٌ معدني بارد لنشرِ الأشرعة صوب الجنوب الشاسع. أحاولُ أحياناً أن أستجمعَ تفكيري إزاء معضلةٍ كبيرة، ميتافيزيقية أو حتى اجتماعية، لأنني أعرف عبر صوتِ عقلي المبحوح أن هناك ذيولَ طواويس تتهيأ كي تنبسطَ من أجلي حالما أنسى أنني أفكر، وأعرفُ أن الإنسانية هي بابٌ في جدارٍ لا وجودَ له، ولهذا يمكنني فتحهُ لأطلَّ منه على أيٍّ من الحدائقِ التي أحبّ.
أشكرُ اللـه على ذلك العنصرِ العبثيّ في مصائر البشر، فهو يجعلُ الأحلام نمطَ التفكير لدى المفتقرين إلى الحياة، مثلما يجعل الحياة نمطَ التفكير – أو التفكيرَ نمطَ الحياة- لدى المفتقرين إلى الأحلام.
لولا أن الحلم نفسه، متدفّقاً عبر أقنية التفكير، ينتهي بإرهاقي. قد أفتحُ عينيّ من الحلم في أيةِ لحظة، لأتجهَ إلى النافذة وأنقلَ حلمي إلى الشارعِ وأسطحةِ البيوت. وأثناء تأملاتي الساهمةِ المستغرقة في الكثيرِ الكثير من أحجارِ القرميد المقسَّمةِ إلى أسطحٍ منظّمةٍ في شوارع وتغطّي الاستفحالَ الفلكيَّ للناس، تنفصلُ روحي عني حقاً، فلا أعود أفكرُ ولا أحلمُ ولا أرى، ولا أحتاجُ إلى ذلك كلّه. عندئذ أتأمل حقاً التجريد في الطبيعة – فالطبيعة هي الفرقُ بين اللـه والإنسان.

*

القيامُ بشيءٍ يخالفُ ما يقومُ به الجميع يماثلُ تقريباً، من حيث السوء، القيامَ بشيءٍ آخر فقط لأن الجميعَ يقومون به. إنه يُظهر انشغالاً مماثلاً بالآخرين، وانتباهاً مماثلاً إلى آرائهم، وهذه علامةٌ أكيدة على دونيةٍ مطلقة.
ولهذا السبب أبغضُ أمثالَ أوسكار وايلد، وأولئك الذين يتعمّدون السلوكَ الشائن أو مجافاة الأخلاق، ويتقصّدون المجاهرةَ بالمفارقاتِ والآراءِ الهذيانية. ما من إنسانٍ رفيع يُعنى بآراءِ الآخرين مُولياً إياها مثل هذه الأهمية، فضلاً عن اكتراثهِ بمخالفتها.
بالنسبة إلى الإنسانِ الرفيع، ليس ثمة آخرون. إنه آخرُ ذاتِه. إذا رغبَ في تقليدِ أحد حاولَ أن يقلّدَ نفسه. وإذا رغبَ في معارضةِ أحد سعى إلى أن يعارضَ نفسه. إنه يسعى إلى إيذاءِ نفسه في أبعد أمدائها وأشدّها حميميةً. إنه يتحايلُ على آرائه. ولديه حواراتٌ طويلة مع الأحاسيسِ التي يحسُّ بها فيكلّمها و…
كلُّ إنسانٍ موجود هو أنا. لديَّ في داخلي المجتمعُ كلُّه. أنا أعزُّ أصدقائي وألدُّ أعدائي. ما تبقّى كلُّه –ما يوجدُ في الخارج، من التلالِ والسهول إلى الناس و…- منظرٌ فحسب…

*

قلما رأى القدماءُ أنفسهم. أما نحن هذه الأيام فنرى أنفسنا في كلِّ الأوضاع. هو ذا رعبنا واشمئزازنا من أنفسنا.
يحتاجُ كلُّ إنسان، كي يستطيع أن يعيش ويحبّ، إلى جعلِ نفسه مثالياً (وكذلك، في نهاية المطاف، أولئك الذين يحبُّهم). ولهذا السبب نحبّ. لكنني، ما إن أرى نفسي وأقارن ما أراه بمثالٍ ما –صغير وليس سامياً- عن الجمالِ الإنساني، فإنني أتخلّى عن الحياة الحقيقية وعن الحب.
الحساسية الجمالية الزائفة لدى الإغريق… لا بد أن إدراكهم مثل تلك التماثيل قد جعلهم تعساء، فهم ناقصون جسمانياً (نقصاناً لا مناصّ منه)، شأنهم شأن كل البشر الحقيقيين!
المقصود إن هذا الإدراك كان سيجعل الإغريق تعساء إذا كانوا قد شعروا على هذا النحو. ولكن ما من إشارةٍ إلى ذلك الشعور في أدبهم. إنه في الواقع شعورٌ حديث محض.
حتى المرأة الجميلة لا تبعثُ على الرضى الذي يبعثهُ تمثال. لأن المرأة جميلة، بالإضافة إلى أشياء جسدية وأخلاقية أخرى ليست من الجمالِ في شيء. وحده التمثال هو الجمال. (إنه حجر أيضاً، ولكنّ الحجر لا يعني شيئاً بالنسبة إلينا، ولهذا نتجاهله ناظرين إلى الجمال فحسب).

*

أعظمُ انتصاراتِ الإنسان بلوغهُ القناعةَ بأن السخفَ شيء لا وجودَ له إلا في نظر الآخرين ومتى ما شاؤوا إيجاده. آنئذ سيكفُّ عن القلق بخصوص سخافته التي لا يمكنه إفناؤها لأنها ليست منه.
بُغية الاستمتاع برفعتهِ، في هدوءٍ تام، يتوجّبُ على الإنسانِ الرفيع أن يعلّمَ نفسه كيف ينسى ثلاثة أشياء: السخف والعمل والتكريس. غيرَ مكرّسٍ نفسَهُ لأحد، لا يطلبُ بالطبع التكريسَ من الآخرين. رزيناً، عفيفاً، مُقتّراً ومُلامساً الحياةَ بأقلِّ قدْرٍ ممكن لئلا تزعجه ولئلا يقتربَ من الأشياء كثيراً فيدمّرَ مقدرتَها على الإيحاءِ بالأحلام، ينزوي ليتدارك كبرياءَه وتبدُّدَ أوهامه. إنه يتعلّمُ كيف يشعرُ بكلِّ شيء من دون الشعورِ به مباشرة، لأن الشعورَ المباشر شكلٌ من الخضوع – إخضاعُ النفس لتأثيرِ الشيء الذي تشعرُ به.
إنه (والت) ويتمان بطلُ الأولمب وبروتيوس الفهم، يعيش في مسرّاتِ الآخرين وأوجاعِهم من دون أن يعيشَها حقاً في الواقع. بمقدوره الإبحارُ أو التخلُّفُ عندما تغادرُ السفن، وبمقدوره الإبحارُ والمكوث في نفسِ الوقت، لأنه لا يُبحر ولا يمكث. لقد كان مع الجميع في كلِّ أحاسيسهم، في كلِّ ساعةٍ من حياتهم. رانياً بعيونِ الأبطال وقلوبهم، شهدَ كلَّ مأساةٍ على الأرض. لقد ارتدَّ مع المرتدّين، وخسرَ في كلِّ معركة، وكان في جميعها المنتصر.
لقد نالَ فرحَهُ وحزنه بنيلهِ كلَّ أفراحِ العالم وأحزانه.
إنه يتذكّر صوتَه يصيحُ وسط جموع الشعب اليهودي المحتشد: “اطلِقوا باراباس!” وعندما فكّر بتلك اللحظة ذكّره الاسمُ بأنه هو نفسه كان باراباس، وكان أيضاً المسيحَ الذي رغبَ عنهُ الناس. وحين عاود محاولة أن يتذكّر أيَّ شخصٍ كانَهُ في الحشد أدرك أنه كان كلَّ مَن في الحشد جميعاً. وعندما رفع ناظريه قليلاً أحسَّ على جبينِ امرأة أحلامه بالشعر الأسود لمريم أمِّ يسوع. أحسّ بالنهدين. ولأن هذه الأحاسيس دفعت بعقله نحو الغريزة الجنسية بكى بغتة، عارفاً أنه هو مريمُ المجدلية. بحبٍّ مدَّ يديه، ولكنه تذكّر عندما تنصّلَ بيلاطس نافضاً يديه من كلِّ مسؤولية فانتصبتْ قامته -الحاكم الروماني- في رداءِ الحلم الذي مسّ برقّةٍ الإحساسَ المثاليَّ لجلده هو. أغمض عينيه، عيني حلمه الحقيقيتين، على ذاك الإنهاك الذي تعدّدَ إثر كلِّ ما شعرَ به، وفي ردِّ فعلٍ أخير، قبل أن تهمدَ حساسيته، مرّتْ به البيارقُ الأخيرة لكلِّ الأشياء التي شعرَ بها، مزدانةً بالنسور في غسقٍ تلوحُ في خلفيتهِ جبالٌ خضر.

كدّرهُ تعبهُ بعد تشتُّتِ أحاسيسه الكبير، وعادت عليه الكآبة بمشاعر كئيبة تضمنت –في عيائه المطبِق- شعوراً بالشفقة الدامعة الحانية تجاه الآخرين: تهويدة غنّتها إحدى المربّيات في الليل، عندما يلتقي فقيرٌ محتاجٌ بلا أصدقاء سيدتَنا على الطريق، مرتديةً ثوبَ راعية، فتأخذُ بيده ويصعدان إلى السماء.

وطفولتهُ المستعادةُ فتحتْ للمسيحِ الباب، فدخلَ عبر إحساسه بكلِّ دمعةٍ لم تُذرفْ بعد.

*

كنت أتصرّفُ على الدوام داخل نفسي… ما مسَسْتُ الحياة قطّ… كلما هممتُ بالشروع في عملٍ ما اختتمتُه في أحلامي اختتاماً بطولياً… وزنُ السيفِ أثقلُ من فكرةِ السيف… كانت تحت إمرتي جيوش كبيرة، وانتصرتُ في معارك عظيمة، واستسَغْتُ هزائمَ نكراء – هذا كلُّه في داخلي… كنتُ أستمتعُ بالتنزّه وحيداً في الحدائقِ الخضراء وعبر الممراتِ الواسعة، مُطلقاً أوامري للأشجار، ومتحدّياً صورَ الشخصياتِ المعلقةَ… في الممرِّ الواسعِ والمعتم، الواقعِ في القسمِ الخلفي من القصر الذي لطالما تنزّهتُ فيه، أنا وخطيبتي… لم أحظَ قطّ بخطيبةٍ حقيقية… لم أعرفْ قطّ كيف أحبّ… عرفتُ فقط كيف أحلمُ بالحبّ… لو أحببتُ أن أضعَ خواتمَ السيدات في أصابعي فلأنني افترضتُ أحياناً أن يديّ هما يدا أميرة، ولأنني، على الأقل في حركاتِ يديّ، كنتُ المرأة التي أحببتُ… ذات يوم عثروا عليّ في زيّ ملكة… كنتُ أحلمُ بأنني أنا زوجتي الملكيةُ… وددتُ لو أرى وجهي منعكساً أمامي، إذ كان بمستطاعي أن أحلمَ به كوجهِ شخصٍ آخر – وجه حبيبتي تحديداً، لأن الانعكاسَ الذي رأيتُه أفصحَ عن ملامح أنثى… كم لامستْ شفتاي شفتيَّ في المرآة!… كم شدَدْتُ بإحدى يديّ على الأخرى، أو داعبتُ شعري بيدي التي أمسيتُ عنها غريباً، وكأنها يدُ حبيبتي تلمسني. لستُ أنا مَن يروي لكم كلَّ هذا… مَن يتكلمُ هو ما تبقّى مني.

Comments are closed.