شؤون ثقافية

الأدب الأنتيلي مصطلحاً ولمحة عن مضامينه وأعلامه *

الأدب الأنتيلي مصطلحاً
ولمحة عن مضامينه وأعلامه *
 
جلال زنكَابادي
 
هنالك خطأ جغرافي فاحش ، لكنّه شائع متوارث في تسمية أرخبيل الأنتيل بـ (جزر الهند الغربية) وقد إنسحب أيضاً على المجال الثقافي ؛ مفرزاً بضعة مصطلحات رائجة ، خاطئة جوهريا ً: (أدب جزر الهند الغربية) ، (الأدب الهندي الغربي) ، (الأدب الكاريبي) ، (الشعر الكاريبي) ، (الرواية الكاريبية ) و (الفن الكاريبي)…بينما الصواب هو : (أدب الأنتيل) ، (الأدب الأنتيلي) ، (الشعر الأنتيلي) و (الرواية الأنتيلية)…إلخ ؛ فمن الجليّ أن لاعلاقة جغرافية بين أرخبيل الأنتيل والهند من قريب أو بعيد ، ثم إن جزر الأنتيل هي اليابسة المأهولة ، والفاصلة مابين المحيط الأطلسي والبحر الكاريبي ، ولأن الكاريبي بحر؛ فهو ليس مستوطناً للبشر ؛ و لكل ذلك لا يصحّ مصطلح (الأدب الكاريبي) وأشباهه ، ولو لم يكن الأمر كذ ا ؛لكانت هنالك مصطلحات شبيهة متداولة كـ (الشعر البلطيقي) ، (الرواية القزوينية) و (المسرح الأدرياتيكي)…!
أمّا أصل الخطأ، فيعود إلى العقد الأخير من القرن الخامس عشر الميلادي ، حين سعى عدد من البحّارة الأوربيين المغامرين ، أبرزهم كريستوفر كولومبس (1451-1506م) إلى إكتشاف أقصر الطرق إلى الهند عبر الغرب ؛ تحاشياً لبأس أسطول الإمبراطورية العثمانية ، في البحر الأبيض المتوسط ، وهيمنة العثمانيين على الطرق البرية المؤدية إلى الهند ، وبالأخص بعد فتح القسطنطينية عام1452. وقد اكتشف أولئك الملاّحون طريقاً بحرياً إلى أمريكا ، يمر بجزر الأنتيل التي سمّوها خطأً بـ (جزر الهند الغربية) ؛ ظنّاً منهم بأنهم قد وصلوا إلى المشرق ، وإلى مشارف الهند بالذات ، حيث أطلقوا تسمية (Indias) على تلك الأصقاع. ولكي يصححوا لاحقاً خطأهم البيّن؛فقد أضافوا إليها بعد فترة صفة(Occidental) لتصبح التسمية (Occidental Indias) وبصيغة الجمع ؛ لتمييزها عن (Orental India)أي (الهند الشرقية) ويعد هذا الخطأ أصلاً لخطأ تسمية السكان الأصليين في قارتيّ أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية بـ(الهنود الحمر) فهم ليسوا هنادكة (من الهند) طبعاً؛ لكنّما الأخطاء تناسلت !
يشكّل أرخبيل الأنتيل (جزر الأنتيل) قوساً يمتدّ من مضيق يوكاتان في مدخل خليج المكسيك حتى دلتا أورينوكو في فنزويلا. وتبلغ مساحته (237016كم2) وعدد نفوسه (35 مليون نسمة) في (1996) وهم خليط من : الأفارقة ، الهنود ، الأوربيين والآسيويين . ويتكون الأرخبيل من جزر كبيرة في الوسط : كوبا ، هايتي ، دومينيكان ، جامايكا، بورتوريكو، وجزر أخرى صغيرة تقع شرقاً وجنوباً : أنتيكَوا، باربادوس ، ترينيدا، توباكَو، الجزر العذراء ، دومينيكا ، سانت لوسيا، سانت فنسانت ، سانت كيتس ، كَرينادا، والجزر الهولندية : سورينام ، كوراساو وسابا.
كان لامناص ممّا أسلفه كاتب هذه السطور؛ لتصويب المصطلحين الجغرافي والإثني قبل تقديم لمحة مركّزة عن أدب الأنتيل ومضامينه وأبرز أعلامه .
لقد تتوج الأدب الأنتيلي بنيل إثنين من أعلامه لجائزة نوبل ، وهما: الشاعر ديريك والكوت (1992) والروائي نايبول (2001) كما حظي بالإنتشار عبر العديد من المختارات (الشعرية ، القصصية والفولكلورية) التي تغطيه منذ نشأته قبل أكثر من قرنين وحتى الآن ، فضلاً عن العديد من الدراسات الشاملة والمعمقة التي تناولته ، وأغلبها باللغة الإنكَليزية (والتي تتجلّى المصطلحات الخاطئة المتداولة في عناوينها !) ومنها:
* الأدب الهندي الغربي/ بروس كنكَـ
* الجنس واللون في أدب الكاريبي/ كَـ .ر. كولتهارد
* المقاومة وأدب الكاريبي/ سلوين .ر. كوجو
* الرواية وخلفيتها في الهند الغربية/ رامجاند
وهنا تبرز إشكالية أخرى في تحديد تخوم هذا الأدب ؛ حيث تتجلّى الفضفاضية ؛ فهنالك من يحشر تحت مظلته أدباءً من أفريقيا وأوربا والأمريكتين من أمثال : الشاعر السنغالي ليوبولد سنغور (1906- 2001) والشاعر الفرنسي سان جون بيرس (1887-1975) والشاعر الأمريكي الزنجي لانكَستون هيوز(1902-1967)…وهنالك أيضاً من يحسب الأدب الأنتيلي جزءً من أدب أمريكا اللاتينية ، أمّا الصواب المرجو ترويجه ؛ فهو إقتصاره على آداب جزر الأنتيل حصراً، وبغض النظر عن تعددية لغاتها : الإنكَليزية ، الإسبانية ، الفرنسية والهولندية ؛ مادامت “وحدة البؤس” تجمعها، على حد تعبير(دانييل كَيران) في كتابه (جزر الأنتيل المحررة) والذي تناول فيه إستيقاظ الشعور القومي في الأرخبيل. وبهذا المذهب والمفهوم ؛ فإن آداب تلك الجزر تكون بطبيعتها متقاربة السمات في مضامينها وأشكالها، ناهيكم عن موروثاتها المشتركة ؛ وطبقاً لهذا السياق المطروح هنا، يمكن أن تنضوي الأسماء الآتية – على سبيل المثال ، لا الحصر- دونما قسرية ، تحت مظلة (الأدب الأنتيلي) :
* خوسي مارتي (1853-1895) من كوبا
* نيكولاس كَويين (1902-1989) من كوبا
* أليخو كاربنتير(1904-1980) من كوبا
* جين ريز (1894- 1979) من الدومينيكان
* بيراكَو ديوب (1906- 1989) من هايتي
* جاك رومان (1907-1944) من هايتي
* رونيه فيلومب (1930- ؟!) من هايتي
* رونيه دوبستر، من هاييتي
* بول نيكَر (1915- 1962) من كَواديلوبي
* سيمونا شفارتز بارت/ من كَواديلوبي
* إيميه سيزير(1913- 2008) من المارتينيك
* صموئيل سلفون (1923- 1994) من ترينيداد
* ديريك والكوت (1930 ) من ترينيداد
* مايكل أنتوني (1932 ) من ترينيداد
* فيديار سورجيراساد نايبول (1932) من ترينيداد
* شيفا سورجيراساد نايبول (1945-1985)
* وأسماء أُخَر: مارتن كارتر/ جورج لامنكَـ/ أو.ر.داثورن/ إدوارد براثويت/ جان كيرو/ ميتل هولزر/ إرنست كار/ سيسيل كَري/ وأندرو سالكي.
وهنا لابد من الإشارة إلى فرانسيس وليامز(ت1770م) الذي يعد رائد الشعر الأنتيلي ، والذي نظم أشعاره باللغتين الإنكَليزية واللاتينية ، وطالما كان يمتدح الحكام الإنكَليز مستعمري بلاده ، بل وكان يصف نفسه بـ “رجل أبيض يعمل تحت جلد أسود” !
منذ قرنين ونيّف والأدب الأنتيلي يتسم ويتميّز بطابع المقاومة العنيفة ، ونشدان الإستقلال الوطني التام ، فبالرغم من أن شعراء الأنتيل قد ولدوا في مناطق مختلفة ، ودرس معظمهم في جامعات أمريكية وأوربية ، إلاّ أنهم يشعرون جميعاً بالإنتماء الراسخ إلى بني جلدتهم وبيئتهم ، وتعنيهم مشكلات شعوبهم ، بل شارك أكثرهم في الحركات التحررية ضد المستعمرين ؛ فمثلاً : كان أبرز قادة ودعاة حركة (الزنوجة) من الأرخبيل كالشاعرين إيميه سيزير وليون كَونترون داماس ، ولقد أبدع سيزير عيناً من أبرزعيون الشعر (الزنوجي) و (الأنتيلي) ألا وهي (كرّاسة العودة إلى الوطن)
ويبدو أن شعراء الأرخبيل قد لازموا منابعهم المتمثلة بواقعهم المعطى وتاريخهم أكثر ممّا فعل الروائيون ، بل وظل الشعر هو المهيمن على المشهد الأدبي الأنتيلي ، وظل ملتصقاً ببيئته لغة وشكلاً ومضموناً، مع الإلتزام بالوزن ونظام التقفية ردحاً طويلاً من الزمن . ورغم أنه “كلّما بدأت الكتابة بلغة أجنبية ؛ نشأ صراع حاد” على حد قول (آن تيبل) فقد “أخضعنا كلاًّ من الأدب الإنكَليزي واللغة الإنكَليزية إلى مسارنا الهندي الغربي”كما يؤكّد (داثورن) وبالفعل تمكن شعراء الأنتيل من تطويع اللغة الإنكَليزية للتعبير عن خصوصياتهم بتجديد لهجاتهم المحلية التي عُدّت (إنكَليزية رديئة) لزمن طويل ! كما انهم إستطاعوا أن يحرروا رؤاهم وأساليبهم من القيود الموروثة ؛ بحيث غدت لغتهم تحمل نبرات أصوات متكلّميها ؛ وهكذا ” ظل شعراؤنا حاضرين ، وظلوا جرّاحي كلمتنا الماهرين”حسب قول (داثورن) الذي تفاءل بمستقبل أدب الأرخبيل ” سيظهر أدب جزر الهند الغربية ويصهر هذه الإختلافات (الأجناس واللغات) في صورة شاملة له مستقبلاً” لكن تفاؤله لم يكن معمماً ومطلقاً ؛ فـ ” روائيونا أخذتهم الهجرة والإغتراب ” حيث نزح أكثرهم إلى مجتمعات أخرى متطورة ومتقدمة إقتصادياً ورحيبة ثقافياً كإنكَلترا ؛ للخلاص من الإقليمية الضيّقة الخانقة ، وتعزيز سيرورة الإبداع وإنتشاره ، وأبرزهم نايبول .
غير أن هذا( Self Exile- النفيّ الذاتي) قد أثّر في خطابهم الأدبي ، وبالأخص في أساليبهم الإبداعية التي راحت تفتقد نكهة الحياة الأنتيلية ونبضاتها الجيّاشة ، حيث بعدت الشقّة ؛ فذوت حدة الذاكرة وفترت حميميتها ؛ فغامت الرؤية والرؤيا بعيداً عن الجذور ، وفي هذا السياق ، يمكن فهم مأزق نايبول- مثلاً -ونزوعه إلى تناول مجتمعات أُخَر خارج بلاده ترينيداد ، التي بدت له كما يقول : ” صغيرة ، بعيدة وغير مهمة ، وكنا نعلم أن ليس لنا أمل في أن نقرأ الحياة ، التي شهدناها حوالينا في الكتب ؛ فقد كانت الكتب من العالم البعيد…وكان في وسعها تقديم الفنتازيا فحسب…كنت أقصد الكتب ؛ من أجل الفنتازيا ، بينما كان مبتغاي هو الواقع “
المصادر:
1-Caribean Verse,
An anthology,
Edited & Introduced by: O .R .Dathorne.
2-Caribean Poetry Now,
Edited by: Stewart Brown.
3-Consequences of class & colour West Indian Perspectives,
Edited by: David Lowenthal & Lambors Comitas.
4-World Literature Written in English,
Volume,22.No,2,1983
5-Historica de leteratura Hispano Americana,
Jean Franco,
Barcelona,1979
6- القصة والرواية في الأدب الكاريبي/أو.ر.داثورن/ ت: انعام جابر،
مجلة (الثقافة الأجنبية) ع1/1993بغداد
ــــــــــــــــــــ
* تعود المقالة إلى ما قبل قرابة 10 سنين ، ونشرتها على (النت) في 2007
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق