أخبار عاجلة
الرئيسية / شؤون ثقافية / عن القراءة الأخلاقية للرواية
بُرهــان شــاوي

عن القراءة الأخلاقية للرواية

عن القراءة الأخلاقية للرواية
 
 
بُرهــان شــاوي
 
الرواية ليست مرافعة أخلاقية ولا رسالة آيديولوجية، ولا وسيلة للوعظ والإرشاد وتهذيب الأخلاق كما يريد لها الوعاظ والتربويون والأخلاقيون.
 
الرواية هي تاريخ حضاري إنساني حر. والمعرفة والمتعة هما الجوهر “الأخلاقي” للرواية، وحكمة الرواية هي ” حكمة اللايقين” كما يقول كونديرا.
 
المعرفة والمتعة هما “أخلاقية” الرواية، وليست المعرفة وحدها. فالرواية التي لا تضيف لك كشفا معرفيا هي مجرد حكاية مسلية لا أكثر، والمعرفة من دون تجلياتها الجمالية والفنية يمكن الذهاب إليها بشكل منفرد في مصادرها غير الأدبية، التاريخية والعلمية الجافة.
 
ومصدرا القراءة الأخلاقية هما الأديان والآيديولوجيات. ومع أنهما يقفان على أرضية الغيبيات في الأديان وعلى الأوهام عن الواقع في الايديولجيات، أي أن كلاهما شُيدا على اللايقين، إلاّ إن خطابهما “يقيني” بشكل قاطع وصارم وحاد، مما جعل البشر يميلون للأحكام المسبقة من دون فهم وتحقق، بل إن الكثير من القراء يقيمون المحاكم الأخلاقية من خلال الشائعات أو سوء الفهم أو عدم بذل الجهد للتحقق، وأحيانا بسبب عقد نفسية.
 
وبالتالي فأن أية قراء أخلاقية للرواية أو لأي نتاج أدبي أو فني هو حكم “يقيني” ، مرجعيته دينية أو آيديولوجية.
 
وربما هذا الإسفاف المنتشر والإبتذل الأدبي، ومجانية الأحكام، صارت تنتشر كالسرطان الخبيث، وأكثر تجلياته في وسائل الإعلام ووسائل الإتصال الجماهيري التي صارت مهرجانا للمقنعين.
 
المشكلة في جانب آخر أيضا..عند الكتاب الأخلاقيين المتدينين أو الآيديولوجيين. فحين يضع الكاتب في ذهنه قصدا وموعظة أخلاقية وشعارا سياسيا معينا فأن الرواية تتحول إلى “حكاية” ذات مقاصد يقينية وأحكام مسبقة، أي أن الروائي يطلق أحكاما مسبقة من خلال قصدية خطابه السردي، ومن خلال تراتبية شخصياته الروائية بحيث وقبل أن يبدأ يكون قد خطط بـأن هذه الشخصية خيرة ومناضلة أو ثورية وتلك شخصية شريرة خبيثة وانتهازية وتمثل كذا وكذا أي تكون رمزية الشخصية الروائية خارجها..في ذهن الكاتب ليزرعها في ذهن المتلقي.
 
الرواية الحقيقة توصل خطابها اللايقيني المعرفي دونما قصدية من خلال الصدق الفني الذي قد يعارض يقينيات الكاتب وتصوراته الأخلاقية.
 
أخلاقية الرواية في ما تضيفه إلى المتلقي من كشف معرفي كخبرة إنسانية . الرواية خطاب فني جمالي معرفي قبل كل شيء.
 
المهم في رأيي هو ألا تكون أحكام القيمة عند قراءة الرواية أخلاقية، فحتى لو كان الكاتب مؤدلجا ولديه رسالة أخلاقية علينا ألا نقرأه أخلاقيا ونحكم عليه مع أو ضد..وانما نحتكم للجمالي والفني في السرد والبناء الروائي، وليس لما فيها من مواعظ أخلاقية. فعظمة رواية ” آنا كارنينا” لليف تولستوي ليس في أفكاره في السياسة والمجتمع التي جسدتها شخصية ليفين وأنما لهذا الصدق الفني في تجسد شخصيات الرواية بهذه الحساسية الإبداعية المذهلة، لاسيما تحولات آنا كارنينا النفسية، أو فصل موت الأخ الملحد لليفين أو تقلبات فرونسكي.
 
وكذا عند دستويفسكي، فليست مواعظه الدينية من خلال الأب القس زوسيما أو الأخ الصغير اليوشا هي المهم في رواية ” الأخوة كرمازوف” وانما شطحات إيفان كارامازوف وهذيانه وأسئلته الجريئة عن العدالة الإلهية والمسيح المضاد. وكذا في ” الجريمة والعقاب” فليس مهما مواعظ ” سونيا ميرميلادوفا” وهي تنصح القاتل راسكولنيكوف وأنما فلفسته ورؤيته العدمية للأشياء. وحتى في ” الشياطين” التي كتبها ليسخر من الحركة الثورية فيروسيا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ولا عودة الأبن الضال شاتوف إلى أحضان الأخلاق المسيحية وأنما شخصية ستافروجين ودفتر مذكراته والعرجاء إليزافيتا، بل تحولت هذه الرواية إلى عكس مقاصد دستويفسكي الأخلاقية إلى شهادة تاريخية تمجد الحركة الثورية الروسية.
 
بمعنى حتى لو كان الكاتب أخلاقيا ويحاول أن يرسل لنا عبر خطابه الروائي رسالة اخلاقية أو فكرية فأن علينا قراءة روايته من منظور فني وجمالي مبتعدين عن حكم القيمة الأخلاقية، فلا ضير أن ننتبه لأخلاقية الكاتب لكن ألا يكون ذلك معيارا لقيمة الرواية.
 
وكذا الأمر مع الروايات الفاضحة في كشوفاتها الجنسية ولغتها إذ علينا أن نتوغل في ما وراء تلك المشاهد ونرى إلى أي حد قدمها الكاتب فنيا وأدبيا بحيث تنسجم مع الفضاء النفسي للرواية وشخصياتها، ولا نطلق أحكاما وفتاوى ضدها أو ضد كاتبها..
 
لا للأحكام الأخلاقية ولا لأحادية اللون عند قراءة النص الروائي.

شاهد أيضاً

منبج التي شطبت وجه ياسر

منبج التي شطبت وجه ياسر   حسين جمو   لقد قضى ياسر ابن خالتي بالتفجير …