أخبار عاجلة
الرئيسية / ميديا / الصور / دينو الفنّان المتشائم الأكثر تفاؤلاً في العالم !

دينو الفنّان المتشائم الأكثر تفاؤلاً في العالم !

دينو الفنّان المتشائم الأكثر تفاؤلاً في العالم !
جلال زنگابادي
 
” هؤلاء الرجال يا دينو
يحملون مشاعل الأنوار
هؤلاء الرجال إلى أين يذهبون يا دينو؟
هل إلى عمق الدياجير ؟!
أنت وأنا بينهم يا دينو
وقد شاهدنا مثلهم السّماء الزرقاء يا دينو “
 
يا ترى من يكون هذا الـ (دينو = المجنون باللغة الكردية) الذي يخاطبه الشاعر الكبير ناظم حكمت (1902- 1963) بهذه الحميميّة ؟!
والجواب: هو الفنّان العالمي عابدين دينو (23 مارس 1913- 7 ديسمبر 1993) الذي طاله التعتيم في تركيا ، ولم يزل مجهولاً أو شبه مجهول حتى عند النخب المثقفة العربية والكرديّة والإيرانيّة..
ولد عابدين دينو (الكُردي أصلاً) في استانبول ، لأسرة محبّة للفن ، ومنذ طفولته تأثر بجوّ عائلته ؛ فشغف بالرسم ، لاسيّما النقوش والكاريكاتير. وقد عاش بضع سنوات في طفولته مع والديه في جنيف وسويسرا وفرنسا، وعاد إلى أستانبول في سنة 1925 إذْ بدأ تعليمه الثانوي في كلّيّة روبرت الأمريكيّة في أستنابول ، لكنّه تسرّب منها؛ ليتفرّغ للرسم والكتابة ، و سرعان ما حظيت رسومه الكاريكاتورية و مقالاته بالنشر في الصحف والمجلات ، ثمّ قوي عوده فنّياً ؛ فشارك في سنة 1933مع خمسة رسّامين شباب في تأسيس جماعة (D) الفنّية المستقلّة ، حيث أقاموا عدة معارض لأعمالهم ، وفي الوقت نفسه تقريباً، أخذ يزيّن دواوين ناظم حكمت برسومه .
وفي 1933دعاه المخرج السوفياتي سيركَي يوتكيفيج (1904- 1985) الذي قدّم فيلماً عن أنقرة ، دعاه إلى العمل معه إلى استوديوهات لينفيل في لينينكَراد ؛ فلبّى الدعوة بتشجيع من أتاتورك ، وعمل هناك مصمم ديكور ومدير مساعد في بضعة استوديوهات خلال 1934، وعمل مع سيركَي إيزنيشتاين (1898- 1948) وإسحق بابل (1894- 1940) و فيسوفولد مايرهولد (1874ـ 1940(، وأخرج فيلم (عمال المناجم) في موسكو وكييف وأوديسا.
وبعدها شدّ رحاله إلى فرنسا ، حيث مكث في الفترة (1937- 1939) ثمّ عاد إلى تركيا ، حيث مارس فنون السيراميك والغرافيك والرسم للأفلام السينمائية ، وكان ناشطاً مشهوداً في المجالين الصحافي والرسم ذي الطابع الشعبي ، و في سنة 1939 شارك في (معرض هاربور) الشهير، الذي ضمّ لوحات عن عمال الموانئ والصيادين للرسامين الترك المعروفين وقتذاك ، واجتذب المعرض اهتمام الجمهور على نطاق واسع ، وفي السنة نفسها طُلب من دينو أن يصمّم الجناح التركي في معرض نيويورك الدولي.
وفي سنة 1941 وتحت طائلة الأحكام العرفيّة ، أبعدته السّلطات مع أخيه الأكبر الرسّام والشاعر عارف دينو (1893- 1957) عن استانبول إلى جنوب شرقي الأناضول ؛ بسبب أعماله الفنّيّة وآرائه ومواقفه التقدّمية المناهضة للمدّ الشوفيني الفاشي آنذاك ، وكانت سنوات المنفى التي دامت حتى سنة 1945 مثمرة فنّيّاً جدّاً لدينو، ثمّ أمضى فترة في (أضنه) و (أنقره) ، وأقام بعدها معرضين كبيرين ، مستعرضاً فيهما شتّى مظاهر الحياة الريفيّة والشعبيّة في ربوع الأناضول ، كما أبدع أعمالاً استحضر وجسّد فيها تفاصيل حياة صيّادي الأسماك في استانبول وعتّالي (أسكله) وموانيء تركيا ، وكذلك حياة الفقراء والمسحوقين من : (اللاز) ، (الأبخاز) ، (بوماك) ، (التختجي) ، (الجركس) ، (الغجر) و (الأرمن) …لكن أكثريّة أعماله تناولت الحياة الإجتماعية الكردية في الأناضول. وكتب في تلك الفترة مسرحيّتيه (أصلع) و (ورثة) وابتدأ ممارسة فن النحت.
وفي سنة 1951 أضطرّ دينو إلى أن يهاجر ، فقضى تسعة شهور في روما بإيطاليا، ثمّ قصد فرنسا التي إستقر فيها منذ 1952متخذاً إيّاها منفاه الإختياري ، ناشداً أجواء الحريّة في منجى عن مضايقات الفاشست و ملاحقاتهم المتواصلة له ، ثمّ إلتحقت به زوجته كَوزين (1910- 30 مايو 2013) في 1954، وسكنا في البداية في أستوديو في الطابق العلوي لشقّة ماكس ارنست (1891- 1976) في سانت ميشيل ، ثمّ انتقلا إلى شقّة صغيرة في L’Eure وسرعان ما أصبح منزلهما ملتقى و منتدى لمشاهير الفنّانين والكتّاب ، ومنهم الترك : ناظم حكمت ، مليح جودت أنداي (1915- 2002) ، أحمد حمدي تانبينار (1901- 1962) و يشار كمال (1923)… وكانا يمدّان يد العون لمثقفي تركيا ، لاسيّما للشباب والطلبة…
ومنذ 1954 وعلى مدى ثماني سنوات ، شارك دينو في معارض (صالون دو ماي) في باريس ، في حين كانت كَوزين تعد برامج لراديو فرنسا، وتدرّس اللغة التركية في قسم اللغات الشرقية في جامعة السوربون ، وتقوم بترجمة نصوص من الأدب التركي إلى اللغة الفرنسيّة ، وتكتب دراسات عن الأدب التركي..
و في 1966 أنتج دينو فيلم (هدف ! كأس العالم 1966) الوثائقي ، الذي نال عليه (جائزة فلاهرتي) وقد جسّد فيه حسّاسيته البصريّة المذهلة ، حيث لم يقتصر على مباريات كرة القدم ، وإنّما احتوت على لقطات رائعة للناس في لندن وأماكن أخرى في إنكلترا. وفي سنة 1969 زار دينو تركيا ، حيث أقام معرضاً لأعماله. و في 1979 أنتخب رئيس فخريّاً للإتحاد الوطني للفنون البصرية (UNAP) في فرنسا.
وهكذا راح دينو منذ استقراره في فرنسا يقيم العديد من المعارض فيها وفي البلدان الأوربية الأخرى ؛ فذاع صيته في الآفاق كفنان عالمي ، لاسيّما بصفته رسّام كاريكاتير ، حيث نشط في صحيفة (لوموند ديبلوماتيك) التي وصفه رئيس تحريرها ايناسيو راموني بأنه “كان يمتلك بعداً رؤيويّاً نبوئيّاً . وهو رجل ثقافات متعددة وفنان ملتزم . وقد عرف كيف يترجم بإفراط في الرقّة والدّقّة في لوحاته (التي تضم الكثير منها متاحف باريس , فيلادلفيا, سياتل ، سان دييكَو واستانبول) وفي رسومه رؤيته عن عالم اكثر تضامناً وأقل وحشية ”
وقد ارتبط دينو خلال إقامته في فرنسا بصداقات وطيدة مع فنّانين وأدباء مبدعين تركوا بصماتهم البارزة على ثقافة القرن العشرين من أمثال : كَيرترود شتاين (1874- 1946) ، بابلو بيكاسو (1881- 1973) ، تريستان تزارا (1896- 1963) ، لويس أراكَون (1897- 1982) ، فيركور (1902- 1992) وآخرين…
وهنا تجدر الإشارة إلى الدور التنويري المؤثر، الذي أدّاه الشقيقان عارف و عابدين دينو في الوسط الثقافي التركي ؛ فمثلاً عرّفا الكاتب يشار كمال على الأدب والفكر التقدّميين المؤثّرين في مساره الإبداعي ومواقفه السياسيّة لاحقاً ، وقد شهد بحقهما عليه : ” كانا إنسانين ذوي روح عظيمة بالنسبة للفكر الأكثر تقدّماً آنذاك . كانت علاقتي معهما ممتعة للغاية ؛ فقد كنت أنا إنساناً من سواد الشعب ، بل من قاع المجتمع أعمل في في حراسة مياه الرّي والزراعة ، في حين كانا من كبار المثقفين والمفكّرين . لقد شملاني بالرعاية و قاداني إلى الفكر والأدب العالمي : إلى دونكيشوت ، ماركس ، أنجلز ، لينين و كَوركي . وإستقبلتهما بدوري وقدّمتهما إلى العمّال الزراعيين والمسحوقين في حياتهم وإلى الشعراء الشعبيين وإلى المراثي والحكايات الشعبية السّاخرة” وقد إستذكر يشار كمال فضل دينو عليه : “..وقد إستقبلت بمرح وبهجة كتاباتي الأولى وكنت تشجّعني كل يوم بشكل أكثر..” خلال حوار طويل وعميق بينهما.
معلوم أن دينو كان خلال السنوات (1940- 1950) متأثّراً بالمذهب الشكلاني كمعظم مجايليه من الفنانين الترك ، الذين شغفوا بتقليد ومحاكاة المذاهب الغربية الرائجة كالشكلانيّة و التجريدية والتجريبية ومنهم: إلهام أوسكان (1908- ؟!) ، جمال بينكَول (1912- 1993) ، أزرا أنال (1912- 1998) و فرّوخ باشآغا (1914- 2010)…لكنّ دينو إنتبه إلى ثراء الواقع المعيش وأدرك هموم سواد الناس و طموحاتهم ، التي راح يستلهمها في طرح مضامين أعماله بأساليبه الجديدة الموائمة ؛ فعُرِف بجرأته في تناول مواضيعه و دقّته في رؤية الأشياء ، واللافت للنظر في أعماله قد تجسّدَ في الإنسان الذي يبدو ، رغم صغره كمخلوق ، عملاقاً متحدّيّاً قساوة قوى الطبيعة و عسف وجور قوى الشّرّ. وطبعاً لم يكن دينو الفنّان الأوحد أو الوحيد في هذا المنحى ؛ فقد شاركه فنّانون آخرون من أمثال : تورغوت زعيم (1906- 1974) ، حسن خلوصي مرجان (1913- 1998) ، آكَوب آراد (1913- 1990) و نوري آيم (1915- 2005)
ولئن كانت الوجوه ترد بكثرة في لوحات و رسوم دينو ؛ فقد كانت شبه محور للحوار سالف الذكر بينه وبين يشار كمال ، حيث أكّد كلاهما على رؤيته الخاصّة لها :
– ” ..فوظيفتي كروائي هي تفحّص الوجوه..” قال يشار وأكّد على “..إنّي لا أنسى لا الوجوه ولا الأسماء..” و ” إنّ الذاكرة ، بالنسبة لي ، شكل من أشكال الإبداع ، وأعتقد أنّه لايوجد فرق بين رسّام و روائي ، إلّا أنّ أشكال إبداعهما بالتأكيد مختلفة ” والعلّة هي ” انّ كتابة الكاتب متحرّكة ، بينما كتابة الرسّام جامدة” و ” يبقى غوغول من بين كلّ الكتّاب ، الكاتب الذي إهتمّ كثيراً بالوجه البشري ” و “..في هيروشيما غابت بشكل مفاجيء كل الوجوه . غابت كلها مجتمعة. إمّحت دفعة واحدة ” في حين ” كل وجه طفولي يشبه كتاباً، كتاباً لم يُكتَب بعد !” وتلخصّت رؤية يشار في “ان الوجه البشري كما اللغز, فيه كثير من التعقيد ” وقال لدينو : ” أنت مثلي تبحث في الوجه عن نوع من السّحر، وعن اللغز، كل أنواع الألغاز. لقد رسمت مئات من الوجوه مؤخّراً، وجوهاً تحمل تعابير متعدّدة. لقد رسمتها فقط بخطوط ..”
أمّا دينو فقد أشار إلى أنّ كَوزين دينو قد بيّنت جيّداً في كتاب (نشوء الرواية التركيّة) ” أنّ وجوه الشخصيات الروائيّة لم تأخذ شكلها إلّا مع بدء تفكّك السّلطة الإستبداديّة وصعود قوى إجتماعيّة جديدة تؤكّد شخصيتها..” وأكّد دينو على انّ الشّوق يجتاحه ” لرؤية الحشود والوجوه المضغوطة جنباً إلى جنب في الميترو والسّاحات العموميّة والتظاهرات..” و ” انّ حركات الحشود في الصّفوف المتراصّة متشابهة ومختلفة . وكل وجه متفرّد مثل بصمات اليد، ثمّ هناك الألوان..” ويرى دينو أن ثمّة درجات كثيرة جدّاً في كلّ لون ؛ ففي اللون الأخضر توجد ثلاثة آلاف درجة ، و عن رسمه للوجوه قال : ” في الآونة الأخيرة ، أحاول تسطير وجه بخط واحد. أدفع الوجوه للتحدّث والتصارع ، والتصالح فيما بينها؛ إنّه نوع من اللعب الذي يفتنني ” وبيّن دينو ” أنّ أكثر الكومبيوترات دقّة لايستطيع على خلاف الرسّام أن يهب الحياة بفضل بعض الخطوط لما يشبه وجهاً..”
جليّ أنّ علّة نزعة دينو الشعبيّة كصديقيه الشاعرين ناظم حكمت و بابلو نيرودا ( 1904- 1973) تكمن في محبّته الجارفة للفلّاحين الملتحمين بالأرض ، والتي يسّرت له الإغتراف من فيض التقاليد الفولكلوريّة العريقة ؛ ليوطّد صلته مع الجذور الحيّة الضاربة في أغوار التاريخ ؛ بغية عصرنة التراث و تأصيل الحداثة ، ولقد قال بهذا الخصوص : ” ثمّة علاقة جدليّة بين التراث والمعاصرة فالقطيعة مع التراث لا تتم إلّا بالعلاقة معه وبعد التعرّف إليه” وأكّد على رأيه : ” يجب علينا أن نغرف من جعبة الشعب بما فيها من رسوم وقصص وأمثال ؛ في سعينا إلى تمييز ذاتنا الوطنيّة والثقافيّة ، وهذا لايفضي بنا إلى الفولكلورويّة (الشعبويّة) ؛ لأن التقاليد الشعبيّة منبع يجب ألّا نستنسخه وإنّما نغترف منه “
هكذا كان دينو يخاطب الجمهور في بلد كان الأمّيّون يشكّلون فيه نحو (60%) ولذلك وجب على دينو وأمثاله من الفنّانين أن يناضلوا لإعلاء أصوات معذّبي الأرض ؛ من أجل الحريّة والديمقراطيّة والعدالة الإجتماعيّة ، شأنهم شأن الأدباء والمفكّرين التقدّميين ، وأبرزهم ناظم حكمت الصديق الحميم لدينو ، والذي كان يحبّه حبّاَ جمّاَ ، طالما كان يشيد بعطائه الفنّي كما في قصيدته السّالفة (المسيرة الطويلة) المستلهمة من لوحة شهيرة لدينو بالعنوان نفسه. وقد زيّن دينو دواوين ناظم وملاحمه برسوماته البديعة ، ولم يكتف بذلك ، بلْ ترجم بنفسه مطوّلته (الجيوكندا و سي – يا – وو) إلى اللغة الفرنسيّة ، والجدير ذكره هنا هو أنّ عابدين دينو و رفيقة دربه كَوزين التي اقترن بها سنة 1943، هما اللذان أوصلا صوت ناظم حكمت إلى الجمهور الفرنسي.. وبعد وفاة دينو عثـر أحد أفراد عائلته بين أوراقه على صفحات مخطوطة باللغة الفرنسيّة بمثابة ذكريات عن ناظم حكمت ، وقد نشرتها مجلة (يورب) في أحد أعدادها بعنوان (سنوات ناظم حكمت المبكرة) وتحتوي – رغم عدم اكتمالها- على معلومات مهمّة جدّاً تلقي الضوء على سيرة صديقه الحميم ناظم حكمت.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن كَوزين هي حفيدة الشخصيّة المستنيرة المعروفة سعيد بيك المناهض لإستبداد السلطان عبدالحميد الثاني (1842- 1918) وهي أديبة ومترجمة ومؤرّخة أدب من الطراز الأوّل دأبت بضعة عقود على ترجمة ما هو إنساني وتقدّمي في الأدب التركي و ما ينقد الأوضاع الإجتماعيّة المزرية في تركيا نقداً موضوعيّاً بنّاءاً إلى اللغة الفرنسيّة ، وقد بلغت حصيلة نشاطها الترجمي التعريف بعشرات الشعراء والكتّاب من أمثال : ناظم حكمت ، فقير بايقورت (1929- 1999) ويشار كمال …وكانت الترجمة بمثابة معايشة تعويضيّة معنويّة مع وطنها الأوّل : ” لقد تركت تركيا جغرافيّاً ، و عشت طوال حياتي في فرنسا مع ثقافتي باللغة الفرنسيّة ” على حدّ قولها.
لم يكن عابدين دينو فنّاناً تشكيليّاً (رسّاماً، نحّاتاً، خزّافاً) فحسب ، بلْ برع في مجالات أخرى منها: السينما والأدب..ومع كل ذلك وصف نفسه بـ ” المتشائم الأكثر تفاؤلاً في العالم !” وفي نهاية مشواره الثقافي الثرّ أصيب بسرطان الحنجرة ، و توفي في 7 ديسمبر 1993 في مستشفى Villejuif في باريس ، ووري جثمانه في مقبرة Aşiyan (اشييان) في أستانبول. وفي الذكرى العاشرة لرحيله ، نشرت كَوزين دينو مجموعة من رسوماته ومقالاته بعنوان (Guzin’s Abidins = عابدينيات كَوزين).
برغم المكانة المرموقة للفنان دينو عالميّاً؛ لقي في وطنه الجحود والتعتيم ، و لم يكن الوحيد المستثنى المغضوب عليه فأمثاله كثيرون في تركيا، و لا عجب ولا استغراب ؛ فقد سادت و راجت ثقافتان : (الثقافة القومانيّة) المنتحلة غالباً من كنوز الثقافات : العربيّة ، الكرديّة ، الفارسيّة ، الأرمنيّة و اليونانيّة…و(الثقافة التجاريّة) الترفيهيّة المبتذلة أخلاقيّاً والتي تدغدغ الغرائز الحيوانيّة للمتلقّين ، أمّا الثقافة التركيّة الإنسانيّة الجادة والرصينة التي ارتقت إلى المستوى العالمي بفضل بناتها المبدعين من أمثال : ناظم حكمت ، عابدين دينو ، عزيز نسين (1915- 1995) ، يشار كمال ، يلماز كَوناي ( 1937- 1984) و إسماعيل بيشكجي …وغيرهم من ” حاملي مشاعل الأنوار لإضاءة الدياجير” فهي تحسب في منظور الطورانيين ثقافة مارقة معادية وهدّامة ، بل (غير تركيّة) !
وختاماً ثمّة حقيقة ساطعة ، ألا وهي كون الثقافة التركيّة المعاصرة مدينة ، إلى حدّ ملحوظ ، في ارتقائها عالميّاً إلى أعلامها البارزين المنحدرين من الأرومة الكرديّة ؛ فعلى سبيل الأمثلة وليس حصراً هناك في الفنون : عابدين دينو ، عارف دينو ، يلماز كَوناي و ابراهيم تاتليسس ( 1952) ، وفي القصّة والرواية : عزيز نسين و يشار كمال ، وفي الشعر : جاهد صدقي ترانجي (1910- 1956)، احمد عارف (1927- 1991) و جمال ثريّا (1931- 1990).. وتنسحب هذه الظاهرة على ثقافات البلدان الأخرى : العراق ، سوريا ، إيران و مصر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
(1) Abidin Dino – Wikipedia
(2) Turk Sanati Tarihi, Cilt (3) Celal Esed Arseven
Güzin Dino – Wikipedia (3)
(4) الوجه والقفا، حوار: يشار كمال – عابدين دينو/ ترجمة و تقديم : محمد المزديوي/ 2004 عمّان
(5) ناظم حكمت يحاور الجيوكندا من الصين ، حوار مع عابدين دينو/ شربل داغر، مجلة (الوطن العربي) ع 75

شاهد أيضاً

منبج التي شطبت وجه ياسر

منبج التي شطبت وجه ياسر   حسين جمو   لقد قضى ياسر ابن خالتي بالتفجير …