منوعات

عذاب اللاجئات: زواج بالإكراه واغتصاب من سوريا إلى لبنان

منذ وصولهن إلى لبنان، هربًا من الحرب في سوريا، ابتداءً من العام 2011، بدأت النساء والفتيات اللاجئات رحلة العذاب، في مواجهة شتّى أشكال التحرش الجنسي والاستغلال. قصص وحكايا كثيرة، حوّلت حياة مئات اللاجئات السوريات في لبنان، لكابوسٍ قيد الكتمان. قليلاتٌ هنّ، أو ربما نادرات، من يتجرأن على رفع صوتهن للقول: “نعم، تعرضتُ للتحرش والاعتداء الجنسي في لبنان”. السوريات هنا، مستضعفات وعرضة للاستغلال، لا سيما مع تراجع المساعدات من الجهات المانحة، والقيود المشددة التي تفرضها السلطات اللبنانية، والتي أفقدتهن الشعور بالحماية.
ليس سهلًا على اللاجئات السوريات أن يكسرن حاجز الصمت، في بلدٍ يجدن أنفسهن فيه غريبات، ولاعتبارات كثيرة أخرى. في منظمة “أبعاد”، لاجئات سوريات كثيرات لجأن طلبًا لحمايتهن من “مغتصبيهن”، ومن كلّ أشكال الاستغلال، لوضعهن في دار الحماية. سيدتان منهن، يرويان لـ “المدن” قصصهما مع الاعتداء الجنسي والاستغلال، منذ أن وطأت أقدامهما الحدود اللبنانية – السورية (مع الإشارة أنّ الأسماء المستخدمة هي وهمية، منعًا لكشف هويتهن بطلب من السيدتين).

اغتصاب في البيوت البلاستيكية

جاءت سمر، البالغة 37 عامًا، من حلب إلى لبنان مع زوجها وزوجتيّه الاثنتين قبل 7 سنوات. قصّة مأساتها بدأت في سوريا، منذ تزوجت حين كانت طفلةً قاصرة تبلغ 14 عامًا من رجلٍ متزوجٍ يبلغ 40 عامًا، ارتبط بها بعد أن توفيت زوجته ولديه منها 10 أولاد، ثم عاد وتزوج على سمر مرتيّن. رحلة عذابها مع زوجها التي بدأت في حلب، استكملتها في لبنان، قبل أن تقع فريسة للاغتصاب، من مشغلها في الزراعة في إحدى البيوت البلاستيكية في عكار.

لم يكن زوج سمر يعمل. كان يتكل على عمل زوجاته في الفلاحة والزراعة، وينتظر آخر النهار حتّى ينتزع مالًا زهيدًا حصدنّه من عرق جبينهن طوال النهار. كانت سمر الأكثر ضعفًا وانكسارًا. فهي التي تزوجت هذا الرجل الكبير حين كانت طفلة، ولديها منه طفلان صغيران. أصبح الرعب منه جزءًا من يومياتها وهي لا سند يحميها. محاولات تمردها يقابلها بالضرب المبرح والإذلال، فكان الرضوخ خيارها الوحيد، إلى أن قررت الهروب منه مع طفليّها، للعمل والعيش في أحد مخيمات عكار.

لسمر شهرتها في زراعة الكوسا والخضروات. كانت تعمل في اليوم مقابل 10 آلاف ليرة لبنانية، بالكاد تكفيها لتأمين وجبةٍ صغيرة لطفليها. تركض من الفجر حتّى النجر، وتسعى لكسب مزيدٍ من الرزق.

قبل أشهر، طلب مشغلها، وهو لبناني، أن تذهب معه لتنظيف البيوت البلاستيكية. حين وصلت تفاجأت أن لا عمال سواها. وحين سألت “المعلم” عن غياب العمال، أخبرها أنّه سيعطيها بدل أتعاب العمال الآخرين إذا نظفت البيوت البلاستيكية وحدها. ففرحت كثيرًا. بعد أن أنهت سمر عملها، وكان ليلًا، عرض عليها توصيلها إلى المخيم بسيارته، لأن منطقة اليبوت البلاستكية خالية من سيارات الأجرة، ومن السكان أيضًا. قبلت على مضض. وعند صعودها في السيارة، مدّ يده على ساقها فوق عباءتها، وبيدٍ أخرى تفاجأت بمسدسه على رأسها، مهددًا إيّاها أنه سيقتلها ولن تعود لأطفالها إن لم تقبل معه. وحين قاومته، اغتصبها، ثم أعادها منهارةً إلى المخيم.

لجأت سمر لـ”أبعاد” من أجل مساعدتها، لكنها لم تخبر أحدًا من عائلتها عن ما أصابها. تقول: “سيقتلونني حتمًا، بعد أن يصبح رأسي في الأرض”. أصابتها صدمة كبيرة. وقبل بدئها بالعلاج النفسي، أصبحت تخاف من كلّ شيء حولها. “فقدت ثقتي بالجميع، وازداد خوفي على طفليّ اللذين أعيش معهما في أحد المخازن، وصرت أخشى من كلّ أحدٍ أعمل معه، بالرغم من حاجتي لذلك”.

زواج الترهيب

تبدو أمل، البالغة 38 عامًا، أكثر قوّة من سمر رغم مأساتها الكبيرة مع رجلٍ لبناني تزوجها بالإكراه والترهيب. هربت أمل من حلب إلى لبنان مع طفلها، الذي يبلغ 5 سنوات في العام 2013. في سوريا، خسرت زوجها وأصبح في عداد المفقودين، بعد أن حُكم عليه بأنه إرهابي من إدلب. كانت أمل طالبة حقوق، ومعلمة مدرسة، قبل أن يتغيّر مصيرها حين لجأت للبنان، لتجد نفسها نادلة تنظيف، في إحدى صالات الأعراس. “كان همّي أن أجد عملاً استطيع فيه إعالة طفلي”.

أحد المسؤولين في هذه الصالة، في عكار أيضًا، كان يحاول التودد اليها والتلميح بإعجابه بها. “كنت أصدّه دائمًا. فحركاته لم تبدُ مريحة بالنسبة لي أبدًا، وهو رجل مخيف لا أمان له، والجميع يخشى منه”. بعد محاولاته العديدة، التي كانت تقابلها أمل بالتهرب، لم يتقبّل الرجل فكرة التصدّي له. فماذا فعل؟

في أحد الأيام، تتفاجأ أمل باتصاله، وهو يخبرها أنه قام بخطف ابنها أثناء خروجه من المدرسة. وبعد محاولات الابتزاز الطويلة، مستغلًا حالة انهيارها، عرض عليها الزواج. إمّا أن تتزوجه ليعود ابنها إلى حضنها، وإمّا سيبقى مخطوفًا بعيدًا منها. قبلت أمل بعرضه، فجاء الرجل بشيخٍ سوري ومع شاهدين سوريين ليكتب عقدًا معها غير مثبت في المحكمة، وغير معترف به أصلًا لأن الشيخ ليس لبنانيًا مسجلًا في المحكمة الشرعية.

جاء الرجل وعاش في بيتها الصغير، الذي استأجرته لتعيش فيه مع ابنها. خمسة أشهر، عاشتها أمل معه بالإهانات والعنف والضرب لها ولطفلها. كان يأخذ منها كلّ أتعاب عملها، ويحرمها من شراء حاجات طفلها. في إحدى المرات، أثناء صعودها معه على الدرج، سمع طفلها يهمس في اذنها عن رغبته بتناول منقوشة زعتر. غضب الرجل، فضربه بكوعه على رأسه، فتدحرج على الدرج وفدغ رأسه الذي قُطّب 33 قطبة. والمفارقة، أنه أسعفه إلى المستشفى حتّى لا تقدم زوجته شكوى ضدّه، وكنت الحجة أنّه وقع وحده.

بعد ذلك، استمر الرجل في إساءة معاملة أمل. كان يضرب طفلها على جرحه، وكان يأتي بأصدقائه إلى المنزل، ويريد أن يجبرها على “مسايرتهم”. لم تستطع أمل التحمل، فقررت الهروب مع طفلها. اختفت أشهرًا طويلة، وظنّ أنها عادت إلى سوريا. بعد خروجها من الدار في “أبعاد”، انتقلت إلى منطقة أخرى مع طفلها، وبدأت عملها في محلٍ لبيع الأحذية.

لا حماية ولا أمان

هاتان القصّتان، هما ملخصٌ وجيزٌ لتفاصيل كثير عن المعاناة التي عاشتهما سمر وأمل، ومثلهما لاجئات كثيرات. وفي حديث لـ “المدن”، تشير مسؤولة إدارة الحالات في منظمة “أبعاد” في عكار، إلى أنّه خلال متابعة ملف اللاجئات السوريات، يتبيّن مدى حجم محاولات استضعافهن، وأغلبهن غير مستقلات. تقول: “لدينا حالات صعبة جدًّا. وأوضاع السيدات ازدادت سوءًا بعد أن خففت الأمم المتحدة مساعداتها، وقامت بفصلٍ عشوائي لكثير من العائلات من دون مراعاة أوضاعها أو دراسة حقيقية لواقعها المعيشي الصعب”. وإلى جانب أنّ اللاجئات السوريات يتحسسن من فكرة “الفضيحة”، فـ”هن لا يقمن بالتبليغ خوفًا من السلطة التي لا تؤمن الحماية اللازمة لهن”.

عمليًا، في بلدٍ مثل لبنان، لم يوقّع اتفاقية 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين، ويصرّ على تسمية اللاجئ بالنازح تهربًا من مسؤولياته في حمايته، ليس عجبًا أن لا تجد فيه اللاجئات مكانًا آمنًا، ينأى بهن من عنفٍ يبدأ في المنزل، ولا ينتهي بالاستغلال الجنسي من قبل أصحاب المنازل وأرباب العمل وفي الشوارع. أمّا اسغلال حاجتهن، بتكريس معادلة “الجنس مقابل العيش”، فقد تحوّل إلى فرصةٍ لكلّ من يستهوي الاستقواء على ضعفهن، وحولهم بالتالي، إلى وحوشٍ مجرمة.

جنى الدهيبي
المصدر: المدن

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق