أخبار عاجلة
الرئيسية / راي اخر / أسطورة “غشاء البكارة”

أسطورة “غشاء البكارة”

أسطورة “غشاء البكارة”
 
الدكتور مهدي كاكه يي
 
لقد قمت بنشر هذا المقال قبل عدة سنوات ونظراً لأهمية الموضوع ولوضعه في متناول أيدي الصديقات الجديدات والأصدقاء الجدد ولإطلاع أكبر عدد من الناس عليه، أُعيد نشره وأأمل أن تساهم الحقائق العلمية التي يتضمنها المقال في نشر توعية جنسية في المجتمعات المتخلفة وخاصةً في المجتمعات الإسلامية وبين الشابات والشباب، لتخليص هذه المجتمعات من أن تصبح ضحايا لأسطورة كاذبة وإنقاذ الزيجات من الفشل والإنهيار.
 
يبدو أن غالبية الناس في المجتمعات الإسلامية يعتقدون بوجود “غشاء بكارة” عند الفتيات اللواتي لم يمارسن الجنس. كان من المفروض أن أكتب حول أسطورة “غشاء البكارة” في وقت مبكر ليطّلع الناس و خاصة الشابات و الشباب على حقيقة الأمر و بالتالي المساهمة في إنقاذ حياة الملايين من الفتيات البريئات اللواتي لسوء حظهنّ لا ينزفن دماً في ليلة الزفاف و بذلك يصبحن ضحايا “غشاء البكارة” الناتجة عن الجهل. على كل حال ها أكتب هذا المقال الذي بين أيديكم و أأمل أن تصل المعلومات العلمية التي فيها و التي تؤكد على إنعدام شيئ إسمه “غشاء بكارة”، الى أكبر عدد ممكن من الناس لإثبات براءة الفتيات اللواتي يُقتلْن ظلماً عند عدم نزيفهن في ليلة الزفاف و منعاً لإنهيار ملايين الزيجات نتيجة وَهِم وجود “غشاء بكارة” عند الفتاة.
 
في البداية أود أن أنوّه بأن المرأة، كما الرجل تولَد حرةً طليقةً و يجب أن تبقى حرةً في تقرير مصيرها و مستقبلها و إختيار شريك حياتها بنفسها و أن جسمها مُلك لها، يحق لها أن تتصرف به كما تشاء دون قيود و وصاية. كما أنها هي وحدها فقط لها الحق في إختيار نمط حياتها الجنسية و كيفيتها.
 
لأسباب أنانية و بايولوجية و نفسية، قام الرجل منذ العصور الغابرة ببناء مجتمع ذكوري يقوم بإستعباد المرأة و حرمانها من حقوقها الطبيعية و يرفض مساواتها بالرجل، رغم أن المرأة هي الأم و شريكة الحياة و الأخت و البنت للرجل. نظراً لعدم إكتمال تطور العقل البشري لحد الآن و عجز الإنسان على فهم فلسفة الحياة، فأن الإنسان أو بالأحرى الرجل الذي لا يزال هو صاحب القرارات و التحكّم بمصير البشر، يقوم بتقييد حريته بشكل عام و حرية المرأة بشكل خاص، سواء من خلال العادات و التقاليد التي هي من موروثاته أو من خلال وضع قوانين تفرض قيوداً جائرة على المجتمعات البشرية بشكل عام و على النساء بشكل خاص.
 
إحدى وسائل الرجل في إضطهاد المرأة و سلب حريتها و حقوقها، هي إبتكاره لأُسطورة “غشاء البكارة” الذي لا وجود له في الواقع و ذلك للسيطرة على الحياة الجنسية للمرأة. يؤكد الطب الحديث بأن “غشاء البكارة” لا وجود له عند الفتاة. إختلاق وجود غشاء يغطي فتحة العضو الأنثوي للفتاة من قِبل الرجل، أدى الى فقدان أرواح الملايين من النساء البريئات عبر التأريخ البشري، بالإضافة الى الشباب الأبرياء الذين أُتُّهموا بإزالة “غشاء البكارة” للفتيات من خلال ممارسة الجنس معهن. لا تزال تُقترف جريمة “غشاء البكارة” بكل وحشية في المجتمعات الإسلامية و يستمر تساقط ضحاياها دون توقّف. الذنب الوحيد للضحايا هو عدم حصول نزيف دموي عند زواجهن في ليلة الزفاف خلال أول ممارسة جنسية لهن. هكذا أوجد الرجل أسطورة “غشاء البكارة” لمنع الفتاة من ممارسة الجنس قبل الزواج.
 
في المجتمعات الإسلامية، تكون “جريمة” فقدان نزيف الدم عند الفتاة في ليلة زفافها، جريمة أكبر بكثير من جرائم القتل و النهب و الإضطهاد و السرقة و غيرها من الجرائم، حيث أن هذه الجرائم الوحشية لا تلوّث شرف الرجل في هذه المجتمعات بقدر ما يلوّثه فقدان النزف الدموي عند الفتاة في ليلة الزفاف، رغم براءتها و عدم ممارستها الجنس في السابق. هذه المجتمعات منشغلة و مهتمة ب”غشاء بكارة” الفتاة و الشرف الذي تراه في العضو الأنثوي للمرأة، تاركةً الإهتمام بحرية الإنسان و حقوقه و تقدمه و تطوره و رفاهيته من خلال تطوير الفكر الإنساني و التقدم العلمي و المعرفي.
 
الآن أترك الحديث للباحثين العلميين في مجال الطب و للأطباء لينقلوا لنا الحقيقة عن “غشاء البكارة”. هناك أُناس كثيرون يعتقدون بوجود “غشاء بكارة” كإسم لغشاء يُشكّل غطاءً يغطي فتحة المهبل، يتمزق عند ممارسة الجنس لأول مرة. من المهم أن نعرف بأن “غشاء البكارة” لا وجود له في الواقع. ما هو موجود في الواقع هو طيّة غشائية مخاطية تمتد حول حواف فتحة المهبل و تُدعى “إكليل المِهبل”.
 
يختلف إكليل المِهبل المُسمى خطأً في المجتمعات الإسلامية ب”غشاء البكارة”، في الشكل و الحجم و السُمك من فتاة الى أخرى. ليست هناك وظيفة معينة لإكليل المهبل، إلا أنه يُعتقد بأنه من بقايا تطور المهبل و أنه يمنع دخول الميكروبات و الأوساخ الى المهبل.
 
كثير من الناس يعتقدون بأن “غشاء البكارة” موجود وأنه دليل على أن الفتاة عذراء (أي لم تمارس الجنس). أولئك الذين يعتقدون أن “غشاء البكارة” موجود عند الفتاة، يتوقعون تمزّق هذا الغشاء عند ممارسة الفتاة الجِماع لأول مرة في حياتها و الذي يؤدي الى حصول نزيف لهذا “الغشاء”. “غشاء البكارة” ليس قطعة رقيقة من الأنسجة تغطّي المهبل وتُثقَب خلال الجِماع، على عكس المعتقدات الشعبية. ولو كان الأمر على هذا النحو لما كان يخرج دم الحيض عند الفتيات قبل أن يخسرن عذريتهن، حيث يكون في هذه الحالة لا وجود لمنفذ يمرّ عبره الدم ليخرج الى الخارج.
 
هناك أسباب عديدة لعدم حدوث النزيف عند الفتاة في ليلة الزفاف. بعض الفتيات يولدنَ دون أن يكون لهن إكليل المهبل الذي يُسمى خطأً ب”غشاء البكارة”. كما أن إكليل المهبل المرن قد يتمدد عند ممارسة الجنس دون أن يتمزق. عدم إستعداد الفتاة لممارسة الجنس أو شعورها بالقلق أو جفاف إكليل المهبل قد يؤدي الى النزيف و هذا ليس له علاقة بممارسة الجنس. عند ركوب الحصان و قيادة الدراجة الهوائية و وجود خلل في المهبل و حصول تغيّر في الهورمونات و حدوث العادة الشهرية و ممارسة العادة السرية و ممارسة الجنس، قد تؤدي الى زوال إكليل المهبل مع مرور الوقت. إكليل المهبل قد يتمزق بشكل طبيعي عندما تلعب الفتاة الرياضة أو تقوم بعمل عضلي. عند قسم من الفتيات، لا يكون إكليل المهبل مرناً، بل يميل الى حدوث ثقب فيه و الذي يكبر و يتمزق عند حصول العادة الشهرية عند الفتاة. الإكليل قد يتمزق عند وضع الفتيل في المهبل خلال فترة الحيض. قد يكون الإكليل صغيراً جداً و مطاطياً لا يتمزق عند ممارسة الجنس. قد لا ينزف الإكليل عند تمزقه. مع أخذ هذه العوامل بنظر الإعتبار، فأنه من المحزن جداً أن تتوقع الفتيات في مختلف بلدان العالم أن ينزفن دماً في ليلة الزفاف كدليل على أنهن باكرات و أن يتعرضن للموت و تتحطم حياتهن إن لم يحدث عندهن النزيف في ليلة الزفاف.
 
للأسباب الآنفة الذكر فأنّ حوالي 70٪ من الفتيات لا ينزفنَ أثناء ممارستهن للجنس لأول مرة في حياتهن. كما أنه ليس من الممكن معرفة فيما لو أن الفتاة عذراء أم لا عن طريق الفحص الطبي لمهبل الفتاة. تتم معرفة ممارسة الفتاة للجنس فقط في حالة حصول الحمل أو إصابتها بأمراض جنسية.
 
رغم أن الطب يؤكد على عدم وجود شيئ إسمه “غشاء البكارة” فأن هناك أطباء دجّالون يدّعون بأنهم يقومون بعملية خياطة “غشاء البكارة” و يدّعون أيضاً بأنهم قادرون على تشخيص عُذرية الفتاة، أي فيما لو أن الفتاة لها “غشاء البكارة” أم لا. هؤلاء الأطباء الدجّالون يقومون بإستغلال العادات و التقاليد السائدة لخداع الناس و إبتزازهم مادياً بالإدعاء بتمكنهم من خياطة “غشاء البكارة” أو معرفة عُذرية الفتاة.
 
مما سبق يظهر بأن المجتمعات الإسلامية بحاجة الى توعية للإطلاع على المعلومات الطبية حول “غشاء البكارة” عند الفتيات. تتحمل وسائل الإعلام و الكُتاب مسئولية كبرى لنشر الحقائق العلمية حول هذا الموضوع، خاصة و نحن نعيش في عصر العولمة و الثورة المعلوماتية و الإتصالاتية. كما ينبغي على المؤسسات الصحية توعية الناس بنشر المعلومات عن طريق وسائل الإعلام المختلفة و إقامة الندوات و تنظيم المحاضرات و الإتصالات المباشرة مع الناس. المؤسسات التعليمية و الثقافية تتحمل مسئولية تدريس هذه الحقائق العلمية ضمن المناهج الدراسية في المدارس المتوسطة و الإعدادية و الجامعات و تغيير المصطلح الخاطئ “غشاء البكارة” الى “إكليل المهبل” المُستعمَل عالمياً. كما أنه ينبغي على المؤسسة القضائية القيام بوضع قوانين حول هذا الموضوع، تستند على المعلومات الطبية. منظمات المجتمع المدني بشكل عام و المنظمات النسوية بشكل خاص تتحمل بدورها مسئولية تأريخية لتوعية المجتمع بكل الوسائل للإسهام في إنقاذ حياة عشرات الآلاف من الفتيات البريئات. إنه عار على الإنسانية أن تسمح بأن يستمر موت الملايين من الفتيات البريئات من ضحايا أسطورة “غشاء البكارة” و أن تنهار الزيجات بسبب إدّعاءٍ واهٍ يُفنّده العِلم.

شاهد أيضاً

المجلس المركزي وسياسة الباب الدوار …. (فلسطين)

المجلس المركزي وسياسة الباب الدوار …. (فلسطين) على خلاف ما شهدته الحالة الفلسطينية، عقب الاعلان …