أخبار عاجلة
الرئيسية / الرأي / أردوغان في مئوية الحرب العالمية الأولى

أردوغان في مئوية الحرب العالمية الأولى

أردوغان في مئوية الحرب العالمية الأولى

بشير عبد الفتاح

مثلما كان موقفها ملتبساً حيال الحرب الكونية، بجولتيها الأولى والثانية، جاءت مشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في فعاليات إحياء الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى لتثير جدلاً واسع النطاق. فما إن وجه له الرئيس الفرنسي ماكرون دعوة لحضور تلك الفعاليات، التي دعيَّ إليها ما يربو على سبعين رئيس دولة وحكومة، حتى انفجرت موجة عارمة من الرفض الشعبي الفرنسي، إذ أعرب عدد من الأكاديميين والسياسيين والنشطاء في منظمات المجتمع المدني عن رفضهم دعوة أردوغان لهذه المناسبة، وأصدروا بياناً نشرته صحيفة «لوموند»، تضمَّن سلسلة من الانتقادات للسياسات التي تتبناها الحكومة التركية حيال الأكراد، وإزاء القضية القبرصية، علاوة على انتهاكاتها الممنهجة لحقوق الإنسان وعصفها بالحريات وتضييقها على الصحافيين وأصحاب الرأي. وطالب البيان الرئيس الفرنسي بإبلاغ أردوغان بأن دعوته للمشاركة في الاحتفالات «لا تعني بالضرورة موافقة فرنسا أو تأييدها لسياساته الخرقاء». وفي السياق ذاته، بعث مجلس تنسيقية الكيانات الأرمنية في فرنسا خطاباً للرئيس ماكرون، يتضمن احتجاجاً على دعوة أردوغان للاحتفالات، معتبراً أنها «تتنافى مع روح الذكرى المئوية لنهاية الحرب الكونية».

من جانبه، لم يفوت أردوغان الفرصة لتوظيف بعض النقاط المضيئة التي انطوى عليها انخراط بلاده في أتون الحرب الكونية الأولى، بقصد دعم مساعيه الحثيثة الرامية إلى تدشين الجمهورية الثانية وتقديم نفسه كثاني أبرز زعيم في مسيرة تركيا الحديثة بعد أتاتورك. ففى مسعى منه لدحض الادعاء بأن تاريخ تركيا الحديث يبدأ بحروب التحرير التي قادها أتاتورك منذ العام 1919 لتخليصها من براثن القوات الأجنبية التى تكالبت عليها عقب الهزيمة المدوية في الحرب العالمية الأولى، وهي التداعيات التي قادت إلى إعلان الجمهورية التركية عام 1923 على أنقاض الامبراطورية العثمانية، وبقصد تأجيج المشاعر القومية لدى الأتراك، حرص أردوغان على إحياء ذكرى الحرب العالمية الأولى محاولاً تسليط الضوء على ما يعتبره انتصارات عسكرية مهمة لجيوش الإمبراطورية العثمانية خلالها رغم الهزيمة المؤلمة التى منيت بها مع دول المحور مع نهاية الحرب.

فبعدما قرر أردوغان في العام 2015 إحياء الذكرى المئوية لمعركة «غاليبولي» التي صدت خلالها القوات العثمانية غزواً برياً من قوات الحلفاء لاحتلال إسطنبول وإجبار الأتراك على الانسحاب من الحرب، عاد وقرر الاحتفال في حزيران (يونيو) 2016 بذكرى مرور مئة عام على ثاني أهم انتصار يحققه الجيش العثماني على القوات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى في كوت العمارة قرب بغداد. وبموازاة تسليط الضوء على الإنجازات والانتصارات العسكرية التي حققتها القوات العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى رغم خسارتها، أبى أردوغان إلا أن يقحم نفسه وبلاده في الجدل الاستراتيجي المحتدم بين أطراف التحالف الأوروأطلسي بشأن الدعوة إلى تأسيس جيش أوروبي موحد يكفل للأوروبيين التحرر من التبعية العسكرية لواشنطن ويتيح لهم الاعتماد على الذات في مواجهة التهديدات المحتملة من الشرق أو الغرب، إذ لم يتورع عن اقتراح مشاركة بلاده في تشكيل ذلك الجيش المحتمل بنحو ستين ألف جندي، بمجرد حصول أنقرة على بطاقة العضوية غير المنقوصة في الاتحاد الأوروبي.

جاءت مشاركة الأتراك الدرامية في الحرب العالمية الأولى بينما كانت روسيا وفرنسا وبريطانيا تتدبر أمر تقاسم ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية، بعدما جنحت إلى التحالف مع ألمانيا التي لم تكن طامعة في الامبراطورية المتداعية، وإنما تعهدت بتقديم دعم واسع للأتراك، الذين انزلقوا إلى معترك الحرب نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 1914، حينما أطلقت سفن حربية تركية النار على موانئ روسية ليشتبك الأسطول العثماني مع نظيره الروسي في البحر الأسود. وتوخياً منه لاستنفار ضد الحلفاء، ناشد السلطان محمد الخامس، المسلمين الخاضعين للسيطرة الفرنسية والبريطانية والروسية، إعلان الجهاد ضد محتليهم «الكفار». غير أن ما جرى وقتذاك كان العكس تماماً، إذ بدأت التداعيات المريرة للقرار التركي بالانحياز إلى ألمانيا في الظهور مبكرا. فبمجرد انخراط تركيا في الحرب ضد روسيا، تمردت قبائل عربية على السيطرة العثمانية، وبقيادة الضابط البريطاني توماس إدوارد لورنس، المعروف بـ»لورنس العرب»، انفجرت الثورة العربية الكبرى التي تطوَّرت إلى مواجهات بين القوات العثمانية والثائرين العرب، الأمر الذي عجَّل بتمزق الإمبراطورية العثمانية. وعلى رغم دفع الحلفاء تركيا لالتزام الحياد خلال الحرب الكونية الثانية، أغرت انتصارات هتلر الأتراك بالتحالف معه طمعاً في تمكينهم من استعادة الامبراطورية البائدة. ولكن الهزائم الألمانية المتلاحقة في ما بعد حملت الأترك على تلافي مآل لا يقل كارثية عن تداعيات قرار التحالف مع ألمانيا إبان الحرب العالمية الأولى. فعندما تأكدت للأتراك هزيمة النازيين، بدأوا يتخلون عن تعاطفعهم معهم وطفقوا يناصبونهم العداء حتى قطعوا العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا في 2 آب (أغسطس) 1944. في غضون ذلك، كانت إنكلترا والولايات المتحدة تكثفان جهودهما لاستمالة الأتراك عبر التقاء روزفلت وتشرشل بعصمت إينونو، الذي تولى قيادة تركيا بعد أتاتورك، في القاهرة نهاية عام 1943، في محاولة لإقناع الأخير بالمشاركة في الحرب إلى جانب الحلفاء مقابل انقاذ تركيا من عزلتها الدولية بمساعدتها على نيل عضوية الأمم المتحدة. وحرصاً منه على استرضاء لندن وواشنطن والفوز بالمغانم المغرية التى عرضوها عليه، استجاب إينونو وأنهى في شباط (فبراير) 1945 حياد تركيا معلناً انخراطها شكلياً في الحرب على ألمانيا واليابان.

وعلى هامش الاحتفالات بمئوية انتهاءالحرب العالمية الأولى فى باريس قبل أيام، وبعدما صعد أردوغان من لهجته تجاه واشنطن حينما اتهمها بالنفاق في ما يخص مكافحة حزب العمال الكردستاني، التقى نظيره الأميركي وأجرى معه محادثات تناولت قضايا وملفات شتى، كما اتفقا على العمل بدأب من أجل تلافي تصعيد التوتر في الشرق الأوسط، وتعاهدا على عدم السماح لأي طرف باستخدام قضية خاشقجي لإشعال الفتن وإثارة القلاقل.

هكذا إذن، تناغمت مخرجات لقاء أردوغان وترامب مع دعوة الرئيس الفرنسي دول العالم إلى ترسيخ دعائم عالم متعدد الأقطاب ونبذ الانعزال والعنف والهيمنة والنزعات القومية، خلال فعاليات «منتدى السلام»، الذي اقترح ماكرون أن يغدو مناسبة سنوية للبحث في السبل الكفيلة بتجنيب البشرية ويلات الحروب والصراعات في عالم حرَمه نزوعه المرضي نحو عسكرة تفاعلاته البينية ليس فقط على الأرض وفى البحر والجو، وإنما أيضاً في الفضاء الخارجي، من إدراك سلام بات أبعد من أي وقت مضى.

شاهد أيضاً

نحن نتساءل، هل هو شمال العراق، أم إقليم كوردستان كما جاء في الدستور العراقي؟!

نحن نتساءل، هل هو شمال العراق، أم إقليم كوردستان كما جاء في الدستور العراقي؟! محمد …