” صرخات الضوء ” وقضايا ثلاث في الذائقة الشعرية البكر

14

” صرخات الضوء ” وقضايا ثلاث في الذائقة الشعرية البكر
*قراءة : داود سلمان الشويلي
تطرح مجموعة ” صرخات الضوء ” ثلاث قضايا عن الذائقة الشعرية البكر للشاعر الكوردي – السوري ريبر هبون تحتاج الى بيان وتوضيح هي : قضية العنوان ، وقضية الجمع بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة أو قصيدة النثر في مجموعة واحدة ، وقضية العلاقة بين الرجل والمرأة ،العلاقة الرومانسية خاصة التي تربطهما .
يتكون العنوان من مفردتين ماديتين ، احدهما مفردة محسوسة بحاسة السمع ، هي مفردة ” صرخات ” ، إذ تنطلق من أدوات النطق عند البشر ( الشفتين واللسان ) لتصل الى حاسة السمع ” الاذن ” فتميزها على انها صرخات عالية .
و المفردة الثانية كذلك مادية ، محسوسة من قبل حاسة البصر ، العين ، وهي مفردة ” الضوء ” حيث لا تتأثر به سوى حاسة واحدة هي ” العين ” التي تراه .
نحن نعلم جيداً أن الضوء ينير ولا صوت له ، فهو لا يصرخ ولا يخرج أي صوت ، لهذا فان الشاعر الذي استخدم هذا التركيب بين هاتين المفردتين وبهذا المجاز يعرف جيداً ما هو فاعل .
فهو إما ان يكون مستشعراً أن للضوء صوت ، فالضوء يصرخ وهو يسمعه في دواخل نفسه ، كمن يتخيل أن في الظلام الدامس يسمع أصواتاً غير معروفة المصدر وغير مفهومة ، أي أن مخيلته تنشط جيداً لتخيل ذلك وهو الشاعر النبه الذي تكون مخيلته بهذه الدرجة من النشاط في أي وقت تصور له ذلك.
أو أن يكون التركيب بين المفردتين قد حدث لأن واحدة منهما ، قد رمز بها إلى شيء مادي آخر وهو الحب ، الحب الذي تلهج به أغلب قصائد المجموعة ، فيكون العنوان عند ذاك هو ” صرخات الحب ” ، إذن هو تركيب شعري متميز ، حيث تركب من مفردتين احداهما مادية حسية ، والأخرى معنوية شعورية ، فيكون التركيب هذا مختلفاً من التركيب الاول ، عندها ينهض الشعر ابتداء من العنوان .
و ” صرخات الضوء ” هو عنوان احدى القصائد التي يشم منها رائحة لغة أخرى غير العربية ، أي أنها كتبت باللغة الكردية ، لغة الشاعر الاصلية ، ثم عِّربت ، لأنها تحمل الكثير من أسلوب وصور والتركيب اللغوي للشعر الكوردي .
في هذه القصيدة يخاطب الشاعر المرأة حبيبته فيقول :
* انصتي حبيبتي
لدقات قلبي . ص 201
في العنوان نجد ان التخريجين واردان ، ان كان مخياله النشط يصور له أن الضوء له صوت فيصرخ ، أو كان يرمز الى شيء اخر ، وهو الحب ، لهذا قال في الاهداء:
* إلى هبون، الحقيقة المقيمة بي
وخميرة وجود يستحق العيش
امرأتي والجمال الذي يهزأ بالموت
لها صرخات الضوء .
اذن استعار عنوان المجموعة من عنوان احدى قصائدها ، فتكون مجموعة القصائد ، أو جلها ، تلهج بما يقدمه هذا العنوان من أمور خاصة بالمرأة ، ومن هذه الامور العلاقة بينها وبين الرجل وهي علاقة الحب على أقل تقدير .
***
والقضية الثانية التي ستتناولها هذه السطور هي ان المجموعة احتوت على الشعر العمودي ، وشعر التفعيلة ،و قصيدة النثر الى حد ما ، وهذا الامر / القضية يفعله الكثير من الشعراء ، الا انه في هذه المجموعة يأتي من باب ان المصدر لكل قصائد الشعر العمودي هو واحد ، وهو العلاقة التي تربط الرجل بالمرأة ، اي أنها تتحدث عن موضوع أُثير عند الشاعر وهو المرأة ، فيما القصائد الاخرى تضم كل شيء ، مثل قصيدة (أنا وأنت ) ص109 ، وقصيدة ( أصداء الخيبة ) ص 135 ، وقصيدة ( المهاتما غاندي) ص179 .
تمتاز قصائد الشعر العمودي بقصرها ، وتركيزها على وصف تلك العلاقة بصور رومانسية شفافة ، أوبصور إيروتيكية في بعض الاحيان ، وفي أحيان أخرى بصور ذهنية ، فيما القصائد المبنية على غير البناء العمودي فطويلة ، ومتنوعة الأغراض ، لهذا جمع الشاعر في مجموعته الشعرية هذه ” صرخات الضوء ” جل ما كتب من اشعار ، قتكون المجموعة هي حصيلة ما كتبه من قصائد وجد أنها جديرة بان يضمها بين دفتي مجموعة واحدة .
***
القضية الثالثة التي ستناقشها الدراسة هذه والتي ستفرد لها السطور التالية ، هي : العلاقة بين الرجل والمرأة .
تنوعت صور العلاقة التي تقدمها قصائد المجموعة بين الرجل والمرأة ، بين ان تكون صور تبين و توضح هذه العلاقة على انها علاقة حسية تنهل من الوصف ( الايروتيكي) مثلا ، اذ يكون الشاعر أكثر حرية فيها ، وحريته تلك هي حرية حسية ” أيروتيكية ” ، وله مرجعية شعرية عربية في أشعار امريء القيس والذبياني وأبو نواس ومن المعاصرين أبو ريشة وحسين مردان ونزار قباني .
وبين أن تكون صور تنهل من الحب النظيف والبعيد عن ذلك الوصف لتلك العلاقة ( أي عذرية العلاقة مثلاً) ، وتكون حريته فيها حرية عامة غير مربوطة بالمرأة ، ومرجعيته فيها كل شعراء العربية والشعر المكتوب بلغات العالم كافة والتي اطلع عليه .
والنوع الثالث هو الصور الذهنية التي يسوح معها الشاعر ، ويأخذ حريته في قول الشعر .
يقول الشاعر في صوره الايروتيكية التي تتصف بأنها ليست وصفاً وانما تقرير الشخص المتحدث الذي يقول عن نفسه ، أو أن يقول عن الآخر ما كان يراه:
* فوق اهتزازات السرير تدافعت … تحتي تعانقني تقول ترفق
وتمايلت فلثمتها من نهدها ……………. ودفعتها بيني فقالت اتق
واستسلمت من بعد صد هاديء …..وشفاهنا تنساب في عشق نقي . ص 20
ويقول كذلك :
* في زرقة العينين نبع صبابتي … في روضة النهدين عاش حنين
ام خدك التفاح يسكنه الشذى ………. ام صدرك الثلجي وهو حنون ص23
ففي هذه القصائد وفي غيرها يقوم الشاعر مقام من يصف جسد المرأة وصفا يمكن أن نقول عنه أنه وصف ” ايروتيكي ” يأخذ من قاموس هذا الوصف الكثير من ألفاظه ومعانيه .
***
النوع الثاني من صور العلاقة تلك هي صور توضحها على أنها علاقة رومانسية لا شائبة حسية فيها ، أي ” عذرية ” :
أمضي ويتعبني هواك حبيبتي … أعدو إلى التحليق دون جناح
الشوق يعبر من جدار فجيعتي ……. يبدو الكآبة يدعو للافراح ص29
ويقول كذلك :
* فهات ثغرك سوف ننسى كل شيء خلفنا ..
قبلاتنا الحصن الحصين
لقلعة العشق التي رممتها وحدي هنا ..
رغم الفناء نلم صرختنا . ص127
وهذه القصائد تبتعد عن مفردات القاموس الأول وتركيباتها ، إذ أنه يقدم قصائد وصفية بتراكيب ومفردات غير ” أيروتيكية ” ، انها تنزع كل شبقها الشرقي وتلبس رداءها العذري كما عند الشعراء العذريين . ( الدارس يرى أن الشبق المعني غير حاصل فقط عند الشرقيين بل يتعداه الى الشعوب والمجتمعات الاخرى ، الا أن هذا التعبيريفهم منه الكثير) .
***
النوع الثالث من الصور هو الصور الذهنية التي ينساب فيها عالم الشاعر إلى مجاهل الذهن التي لا تحدها حدود .
يقول في احدى قصائده :
* لموسيقا احلام تراءت من سجود النهر للزيتون
أغنية المضاجعة الاخيرة والسفر
في لحظة الاغماء أبكي كالفرح
وسأملأ العينين من شهقات هذا الليل من خمرات الندم
وسآخذ النهدين أملؤها نبيذاً بارداً
كي تزدهي الشهوات
كي تسمو الى العلياء . ص 141
ويقول في قصيدة اخرى :
* ويمنحني المطر جواز سفر
فأرميه بوجهه وأمضي عبر الحقول
لاقبض على النور العارب والمتجه
لبطن أرض جرداء
فأركض ويتبعني
ويتبعني … ص 229
في هذه القصائد وغيرها ينساب زورق الشاعر – اذا كان يحق لنا أن نصف الشاعر كذلك – في نهر الذهن فيصور له كل شيء وكأنه يعيشه في الواقع الحسي المرئي دون أن يبتعد عن قاموسيه الأيروتيكي والعذري .
***
ان مجموعة ” صرخات الضوء ” تضم ما كتبه الشاعر من قصائد تنهل من ذائقة شعرية بكر ، و مصاغة بكل ما في النفس من حب لموضوعاتها الاثيرة على نفسه ، إذ بدأت ذائقته الشعرية تكتب الشعر اعتباراً من عام 2007 وكما مثبت تحت قصائده بكتابة القصيدة العمودية ، وكانت سنة 2011 سنة الشعر بالنسبة له ، إذ حفل عام 2011 بذائقة شعرية نشطة ،حيث أن جل قصائد المجموعة قد كتبت في هذا العام ، أما قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر فقد بدأت ذائقته الشعرية بقولهما عام 2010 ، فكانت ذائفته الشعرية في كتابة الشعر بأنواعه الثلاثة هي عام 2011.
ان ما كنا نقصده من ” الذائقة الشعرية البكر ” قد تبينت عندنا من خلال قصر أطوال القصائد العمودية ، وهذا القصر ليس مرده أن موضوع القصيدة قد استنفد في عدد هذه الابيات بل مرده الى النفس القصير للشاعر وهو يكتب القصيدة العمودية .
وكذلك في طول القصائد التي كتبت بطرق أخرى ، وهذا الطول مرده إلى أنه قد أبقى ما كتبه كما هو دون تشذيب وتنقيح و ابداء رأي ، وقد قال ابن التعاويذي يصف شعره:
أماط عني الأذى شعرٌ بعثت به منقحاً كل بيتِ مــنه مصنوعِ
شعرٌ يعلِّمُ نظم الشعر سامـــعهُ فيه طباقٌ وتجنيسٌ وترصيعِ
صحيح أنني كنت في سطوري الاخيرة ناقداً بمفهوم أن النقد تقويم وتقييم ولم أكن دارساً كون أن قصائد المجموعة هي التي دفعتني إلى قول ذلك.
تبقى قصائد ” صرخات الضوء ” تحمل الكثير من الشعر على مستوى الشكل والاسلوب ، والكثير من الموضوعات الحياتية على مستوى المضمون .

نشر ثقافي جريدة ( طريق الشعب ) في عددها ليوم غد 5 / 3 دراستي عن مجموعة الشاعر الكوردي السوري ريبر هبون تحت عنوان (” صرخات الضوء ” وقضايا ثلاث في الذائقة الشعرية البكر ) شكرا للروائي عبد الكريم العبيدي .

14 تعليق

اضف تعليقاً