أخبار عاجلة
الرئيسية / شؤون ثقافية / انطفاء الجذوة الأخيرة من نار سينما عامودا

انطفاء الجذوة الأخيرة من نار سينما عامودا

انطفاء الجذوة الأخيرة من نار سينما عامودا

بقلم: دلاور زنكي.
الزمن هو يوم الأحد الواقع في الثالث عشر من شهر تشرين الثاني عام ستين وتسعمائة وألف ميلادية، 13/11/1960م. والمكان مدينة “عامودا” من محافظة الحسكة.
إنه يوم تاريخي، له شهرة وذيوع صيت. إنه يوم حريق “سينما عامودا”. يوم احتراق /300/ ثلاثمائة طفل بريء. إنه اليوم الذي مُحِيتْ فيه ثلاثمائة اسم وزالت عن شجرة الحياة، ودفن أصحابها في مقبرة عامودا قريباً من تل “شرمولا”. إنه اليوم الذي فتحت فيه جميع أبواب السماء على مصاريعها. في حين أوصد باب سينما عامودة وأغلق على أطفال أبرياء لا ذنب لهم… كان المفتاح قد استقر في جيب آلهة الأرض، في جيب الملوك والأباطرة والسلاطين والحكام… اجتمعت آلهة الأرض وآلهة السموات وعقدوا المجلس… تنادَوْا وهمسوا في أذن “كُرى مانجو” . وأصدروا قراراً.. في هذه المرة لم يُرعب “كُرى مانجو” الأطفال وحسب، ولم يتراءى لهم في الحلم وحسب… بل ظهر لهم في لون “النار” حوّل ذلك المكان جحيماً للصغار وجعل عامودا “أتون نيران”… تبدد صراخ الأطفال وتلاشت صرخاتهم وأصوات استغاثتهم في هبوب النار.. صعدت إلى الأعالي إذ تحولت إلى دخان… صارت السنة لهيب. صارت رماداً وإنسان مع نهر عامودا… احترق الأطفال.. تمزقت قلوب الأمهات.. تفتتت أكباد الرجال… الأخوة والأخوات… الأخوال والأعمام أقاموا المناحات… كان إله الأرض “إله الشر” يرتشف القهوة من فنجانه ويتمززه متلذذاً وينفث دخان لفافته من منخريه ومن بين شفتيه مبتسماً ومنتشياً برائحة شواء الأجساد… كان يحرك رأسه في مرح وحبور. كان يثمل! أجل يا أماه كان يضحك ملء حنجرته ويقهقه.. صارت قهقهته زوبعة تدوّم وتحلق… صارت ثوب حداد ارتدته عامودا. ضجت المدينة صراخاً واستغاثة… احتدت الحرب في السماء بين آلهة الخير والشر وبين أنصارهما… بين الملائكة والشياطين والمردة… تناطح العفاريت الحمر والسود… كانت الملائكة تخمد النيران وكانت الشياطين والأبالسة تؤججها برفيف أجنحتها… تصارع أهريمان وهرمز…
واسوْنا وعللونا بكلمة القضاء والقدر. ما فات فات فلا تذهب عليه نفسك حسرات فإنه لن يعود.. ثم غفونا.. واستغرقنا في سبات عميق.. كيف حدث ذلك كله؟. من ذا الذي اجترح هذه الخطيئة ومن هو صاحب هذه الجريرة؟ من الآثم المجرم؟ أين السادة ورجال الدين؟ أين أولئك الصناديد؟… لقد نُسي كل شيء وأسد عليه الستار.. فقد تهاون هومان وإبليس وتصالحا.
فداء لك الروح يا أماه.. ماذا صنعتِ؟ لقد قال أسلافنا منذ القديم: ” Şêr şêr e، çi jin çi mêr e” . لقد كنت ِ امرأة ولكن ليس ككل النساء… لقد صارعتِ النار… قاتلت الأبالسة وحاربت الشياطين- كم مرة اقتحمت غمرات النار.. كم من الأطفال أنقذت؟ فدا لك المهجة يا أماه… لقد كان في وسعك أن تنقذي العشرات من نار حريق سينما عاموده ولم تستطيعي أن تنقذي شقيقي “أحمد إسماعيل” من نيران ذاك الجحيم.. كنت تهتفين: أيها الناس: إنهم جميعاً أبناؤنا نحن الأكراد… إنهم القرابين التي تقدم على مذبح الحرية… وا غوثاه .
أجل يا أماه… إنهم أبناؤنا نحن الأكراد… لقد احترقوا بأيدي أبالسة وشياطين الأرض والسماء. وا غوثاه. لقد أحرقوا عنادل الجنة وبلابلها.. نالوا رغائبهم الحسيسة بألاعيبهم الشيطانية الوضيعة. ولكن ماذا فعلنا؟ لقد كنا منهمكين في تلاوة سورة “يس” يا –سين- كنا نصرف الوقت في الإصغاء إلى جعجعة الطواحين الجوفاء التي تدور من غير طحين والحوار الفارغ والهذر والثرثرة.. إلى جدول لا ينتهي عن الدجاجة والبيضة أيتهما كانت السابقة. أين هم الرؤساء والروّاد والمرشدون؟ أين هم اليوم المتنورون والكتاب والأدباء البواسل أين هم أصحاب القلم الميامين؟ لقد سهوا عنك وأسدلوا عليك ما شاءوا من ذيول النسيان… أولادك أيضاً لم يتخلفوا عن نسيانك… لقد نسوا “أم الشهداء”. إن “صورتك” التي توزّع وتنشر مرة لا حركة فيها ولا حياة. لا يكلف أحد نفسه عناء السؤال عن صاحبة الصورة. ما اسمها.. وماذا فعلت وأية معجزة صنعت؟
أمااااه… مكرهٌ أنا يا أماه لا حيلة لي إلا في العتاب والملام… ففي حلقات الطبالين والزمارين لا تذكر إلا أسماء الرجال… ليس للمرأة فيها نصيب… فيها ينصبُّ المديح والثناء الحسن كله للسادة وأصحاب الثراء، وذوي الجاه… ولكن مهلاً يا أماه لا تبتئسي ولا تيأسي.. أنا أعلم أن المثقفين والمتنورين لم يبالوا بمأثرتك.. لقد صنعوا من البعض أبطالاً.. وطرحوا البعض الآخر تحت الأقدام.. أجل يا أماه.. هذا هو شأننا نحن الأكراد وهذا هو ديننا ودأبنا. إننا إن شئنا أقمنا حلقة رقص دون طبل أو مزمار وفي وسعنا أن ننفخ في مزامير الغير ونقرع طبولهم ونرقص على أنغامهما… أماه.. لقد نسي ذِكركِ لسبب وحيد، لأنك كنت امرأة… .
لقد كنتِ من أسرة فقيرة، أسرة مشغوفة بوطنها شديد الحب بقومها. طوبى لأولئك الصحفيين الغرباء أولهم ألف تحية وإكبار وتقدير في مجلة :(المصور) المصرية .. لأنهم أشادوا بذكراك –قبل ان شيد بذكراك أبناؤك- ونوّهوا بمآثرك ووضعوها نصب أعينه العالمين…أماه… أولئك الكرام لم يكونوا من أصلاب كردية. ولكن ماذا فعل الأكراد؟…
ومما يؤسف له إن الزمّارين والطبالين قد كثر عددهم، ولكن لا يجشمون أنفسهم مشقة البحث عن الحقيقة وتدوينها كما ينبغي لها أن تدّون. وإعطاء كل ذي حق حقه… ولكنني مؤمن أعمق الإيمان بان تاريخ شعبك لن يغضّ الطرف عن بطولتك النادرة … وسوف يرعى الشهداء ويرعى أم الشهداء ويضع الأمور في مكانها الصحيح.
في أيامنا هذه يسترجع بعض أبنائك النجباء غابر تاريخهم ويعودون إليه. ولا ريب أن ذكراك ستبقى خالدة ولن يُنسى اسمك بعد الآن، لان اسمك سوف يكتب بحروف من الذهب والعسجد.
اجل.. اجل.. يا أماه… صحيح إن شقيقي “محمد” قد نال من ذاك الجحيم.. وشفيت حروقه بعد أمد من الزمان.. ولكنه لم تشف جراحاته وكلومه وحروقه المتوغلة في أعماق نفسه.. كانت حركاته وسكناته.. ذهابه وإيابه، جلوسه ونهوضه وحياته كلها أسىً ولواعج وآهات.. كانت رهبة نار “السينما” ورهبة خيال الشياطين ورهبة المردة والأبالسة كانت ترسخت في فكره وترسبت في أعواره وتمكنت من سائر حواسه.. ولم يملك حيلة في دفعها والخلاص منها. كانت تلك الجذوة في نفسه تزداد ضراوة تخالطها استغاثة الصغار المحترقين، فلا يزداد “محمد” التياعاً ورعباً وألماً.
والأدهى والأمّر من ذلك ان والدي كان يتحمل جراء ذلك هماً دفيناً وآلاماً مبرحة، يوليه جل وقته واهتمامه… لم يدع طبيبا دون ان يعرضه عليه… لم يدع دواء لم يعالجه به ولم يدع مزاراً أو ضريحاً للاستشفاء والتماسا للمعافاة… وعبثاً كان سعيه. أماه… وا أسفاه … لقد قضى والدي نحبه حسرة، ثم قضيتِ نحبك شهيدة بداء الحسرات والآلام. وكأنما كان بينك وبين أخي محمد عهد أن يلحق بك فرحل دون كلمة دون أن يودعني دون أن يقول شيئاً…لقد رحل عن هذه الحياة صامتاً دون وداع.. وتركني وحيداً .. اجل .. لقد تركني وحيداً.
وكل ما اعلمه ان آخر جذوة من نار حريق سينما عامودا انطفأت مع رحيل هذا الشهيد ومغادرته هذه الدنيا.

شاهد أيضاً

في ذكرى وداعك: ستبقين أمي ..!!

في ذكرى وداعك: ستبقين أمي ..!! نبيل عودة في صباح اليوم الأول بعد وداعك، (أوائل …