أحدهم مظلوم والآخر معصوم .. أحدهم يمثل دماغ النضال التحرري والثاني يمثل قلبه، الأول عجينة وعي النضال التحرري والثاني سيفه الحاد

26

أحدهم مظلوم والآخر معصوم .. أحدهم يمثل دماغ النضال التحرري والثاني يمثل قلبه، الأول عجينة وعي النضال التحرري والثاني سيفه الحاد

صلاح الدين أردم

مظلومٌ ومعصومٌ هما ميزتين أساسيتين من المزايا التي تمثل المجتمع الكردي. يتوضح بشكل أفضل مع تنوُّر الحقائق التاريخية بأن المجتمع الكردي هو مجتمع المرحلة المتميزة بالمعصومية والإبداع التي لم تتعرض فيها الإنسانية بعد للاغتصاب. كما يعرف بأنه المجتمع الأكثر اضطهاداً وتعرضاً للظلم في الحضارة الدولتية الاحتكارية المعمرة خمسة آلاف عام. والآن يناضل الشعب الكردي من جديد على درب شابين اسمهما مظلوم ومعصوم ليصبح مجتمعً ديمقراطياً حراً.
يعلمنا تاريخ الحضارة الديمقراطية بأن التاريخ الإنساني عاش أكبر غصبٍ ونهبٍ واستبدادٍ مع الانتقال للحضارة الدولتية والطبقية الاحتكارية. لم يبقى أي طراز أو أسلوب يعمل لاستعباد واستبداد وفرض الظلم والعبودية والانحطاط ولم يتم تطبيقه من قبل هذا النظام على نسب وأصل الإنسان في هذه المرحلة التي تمثل خمسة آلاف التاريخ الإنساني الأخيرة. في الحين كانت تعاش حياة متضامنة ومتساوية وحرة في المجتمع الكلاني والنيوليتي قبل العهد السومري. أي كان هناك حياة مجتمع ديمقراطي مستند على المجتمع الأخلاقي والسياسي بدلاً من السلطة الدولتية التي تعني المنفعة والاستبداد والاحتكار. فقد كانت تعاش كافة المميزات الاجتماعية التي نفيدها ونعبر عنها بالإنسانية في تلك المرحلة.
لا يوجد أي شك على أن هذه المرحلة هي مرحلة معصومة خالية من الجرائم أو القضايا، لم تتعرض فيها الإنسانية لأي غصب أو نهب. القضايا والجرائم الإنسانية تبدأ مع بدأ نظام سومر، بحيث يتم إيصالها إلى حالة تأخذ فيها شكل العقدة الكأداء من قبل الاستبداد والاحتكار المنفعي.
لقد عاشت أولى مراحل التحول المجتمعي في مزوبوتاميا العليا قبل نظام سومر الدولتي، وهي حقيقة معروفة من قبل الجميع. يعني أن مجتمعات مزوبوتاميا العليا، أجداد وأمهات الشعب الكردي الراهن هم من رواد مرحلة التحول المجتمعي ومجتمع الزراعة والقرية. أي يمثل المجتمع الكردي دور الممثل لـ معصومية الحياة الإنسانية الحرة التي لا تعرف الاستبداد والاضطهاد ولا يقبل الاغتصاب والنهب. المجتمع الكردي هو واحد من المجتمعات الأكثر تعرضاً لاستيلاء واستعمار واضطهاد واغتصاب الحضارة الاحتكارية الدولتية والطبقية المبتدأ مع سومر، إلا أنه بشكل عام لم يصبح في أي زمن من الأزمان مغتصب أو مستعمر ضمن التاريخ. ومثلما أنه لم يطمع ويسلب وينهب مال ونفس وكرامة الآخرين، فإنه قاوم دائماً ضد الظلم والتعسف بكافة أشكاله الخارجية والداخلية. وحاول بهذا الشكل دائماً خلق الصفاء المجتمعي ضد ثقافة النظام الدولتي الاستبدادية المغتصبة.
لقد كان الكرد في موضع المظلوم دائماً ضمن الحضارة الدولتية الاحتكارية المستبدة والمضطهدة. في الوقت الذي كان يعاش هذا الوضع بشكل بارز في العصور الأولى والوسطى، فقد زاد هذا الوضع وهامةً وانحطاطاً في عصر الحداثة الرأسمالية أكثر بكثير. بل فإن الوضع هنا يجتاز ذلك بكثير لتبدأ مرحلة الإفناء والإبادة وعدم الوجود. يراد إبادة وإفناء ومسح هذا الشعب الرائد لمرحلة التحول المجتمعي الإنساني من التاريخ نهائياً في مرحلة الحداثة الرأسمالية.
إذاً واضح بأن للنضال التحرري الكردي خلفية تاريخية كهذه. وهو اليوم يقاوم كشعب ممثل للمرحلة الإنسانية المعصومة ومظلوم الحضارة الدولتية الاحتكارية، ضد نظام الحداثة الرأسمالية المبيد بريادة وطليعة مظلوم دوغان ومعصوم قورقماز. بحيث يريد تحويل مزاياه المظلوم والمعصوم” إلى مجتمع ديمقراطي حر. مظلوم دوغان الذي ولد في قراقوجان ( قرية تامان التابعة لمازكرت) عام ١٩٥٤، هو شاب خرج من جامعة حاجة تبة (Hacettepe) التي ذهب إليها عام ١٩۷٣ كادراً ومليتاناً آبوجياً. مثَّل بسالة وحكمة ثقافة ديرسم العلوية والكردية. كان شخصية انتقامية لم تقدر الدولة التركية ونظام الحداثة الرأسمالية إفناءها في مجزرة ديرسم التي حققوها معاً. مظلوم دوغان هو رصاصة الحرية المرمية لقلب القوى المبيدة وعملائها الخونة العبيد.
معصوم قورقماز الذي ولد في باطمان عام ١٩٥۷ هو شاب أصبح كادراً ومليتاناً آبوجياً بعد تعرفه على مظلوم دوغان أثناء التحاقه بجامعة باطمان للدراسة. ولد بالأصل في آمد ناحية سيلفان. يمثل معصوم قورقماز مثال التضحية والكدح والبسالة الكردية المتكونة والقادمة من المجتمع النيوليتي. هو الرمز الأخير والوحيد للنسل الذي لم يهزم في المعركة. هو الشخصية الانتقامية الأصيلة المناهضة للإبادة العرقية الكردية التي تعمل الدولة التركية ونظام الحداثة الرأسمالية معاً على تحقيقها. هو رصاصة الحرية الموجهة ضد الخيانة والعمالة والاستسلامية وكافة أشكال عدم المسؤولية.
يقوم الشعب الكردي الذي يُعرّف هذه الشخصيتين الباسلتين ببطلين وطنيين بالنضال والسير على دربهما لأجل الوصول إلى الأمة والوطن الديمقراطي. إن ما يمارس هو حرب كسب الحرية هو حرب الدفاع عن الوجود تجاه الإبادة العالمية التي يفرضها النظام الرأسمالي العالمي. تعلم الشعب الكردي من هذين الشجاعين والباسلين كيف يكون وجوده مقابل عدم الوجود، وتعلم المقاومة ببسالة ضد كافة أنواع الاستسلام، تعلم التنظيم والوحدة مقابل الانقسام والتجزئة، تعلم التضحية الاجتماعية مقابل الحياة الفردية الرخيصة والبسيطة، تعلم الجسارة التي وصلت لمستوى البطولة تجاه بث الرعب والخوف، وتعلم الإصرار على الحياة الحرة والمجتمع الديمقراطي مقابل أنواع اللامبالاة وعدم المسؤولية.
مظلوم ومعصوم بطلين باسلين عظيمين بعثا الشعب الكردي الذي كان على فراش الموت من جديد، وقالا ” كفى ” للإبادة العرقية. هما مثالين حقيقيين عظيمين لتطبيق فلسفة قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان في الواقع العملي. أحدهم يمثل دماغ النضال التحرري والثاني يمثل قلبه، أحدهم عجينة وعي النضال التحرري والثاني سيفه الحاد، أحدهم قائد مقاومة السجون المكتسب للنصر الإيديولوجي والثاني يمثل القائد الأبدي الخالد للأنصار الكريلا التحررية التي لا تهزم، أحدهم يمثل كاوا الحداد المعاصر والثاني رمز قفزة ١٥ آب البطولية ورمز مرحلة القومية الكردية البطولية.
يتم التعبير عن النوروز في راهننا من خلال هذه الشخصيتين الباسلتين. ويتواجد المجتمع الديمقراطي ويتكون الكرد الحر مع هذين الشخصيتين العظيمتين. هما الممثلين للإصرار على الحياة الحرة والمجتمع الديمقراطي. تحيا وتنبعث التضحية والبسالة الكردية التاريخية من جديد مع روح مظلوم ومعصوم السامية. تظهر الشخصية الكردية البطولية المتجسدة في عشرات الآلاف للعيان ترافقاً مع اسم مظلوم ومعصوم. يصبح هذين البطلين الساميين الذين قاما بتخليد وبعث الشعب الكردي من جديد بمقاوماتهم أبديين خالدين ضمن المجتمعية الكردية الحرة المكتسبة للنصر.
لا يمكن لأحد إعاقة مسيرة الشعب الكردي القائمة على درب ونهج مثل هؤلاء الأبطال. لا بعض الخونة المستسلمة القائمة على تحريف الحقائق من قبيل ” انتحر مظلوم لأنه لم يتحمل الظلم التعذيب”، ولا رئيس الوزراء طيب أردوغان المخادع الذي يكذب محاولاً خداع المجتمع الكردي بهذيانه قائلاً: ” PKK هو من قتل معصوم قورقماز”. يقول الشعب الكردي للخائن الذي يئن يائساً ما يلي: ” إن لم يتحمل مظلوم دوغان التعذيب والاضطهاد لكان حينها قد أعترف وقبل الخيانة مثلك وأصبح معترفاً وخائناً مثلك وبالتالي كان سينتهي الأمر! ولكن ما الذي يعنيه إذاً إشعاله لثلاثة أعواد الكبريت في نوروز عام ١٩٨٢؟ ويسأل الشعب الكردي لطيب أردوغان الذي لا يتفوه سوى بالكذب والخداع هذه الأسئلة: فإن كان ما تقوله صحيحاً بأن PKK هو من قتل معصوم قورقماز، إذاً لماذا لا تقوم في هذه الحالة بإخراج جثمان معصوم لأجل إجراء المعاينات والفحوص الطبية لكشف الحقيقة للعيان؟ لماذا تراجع وتلجأ لترويج الدعاية الكاذبة بدلاً من إخراج الحقيقة للعيان؟.
كل هذه الأكاذيب تشير وتبين قوة وعظمة المقاومة التي أظهرها مظلوم ومعصوم، ومستوى تبني المجتمع الكردي لها. ترى القوى الرجعية والنظام العاجز أمام هذه الحقائق الحل والمخرج في اللجوء إلى ترويج الأكاذيب وخداع الشعب. إلا أن كل المساعي المبذولة على هذا الأساس فارغة وغير مجدية. إذ أن مقاومة مظلوم ومعصوم قوية وبراقة لدرجة محال على أي مسعى قائم على تعتيمهم النجاح. كما لا يمكن لأي قوة هدم وتشتيت الوحدة والتكامل الذي قام الشعب الكردي بتكوينها مع هؤلاء الأبطال الرواد.
سيحتفل الشعب الكردي بأسبوع البطولة الوطنية هذا عبر تجسيد وترسيخ مميزات مظلوم ومعصوم ( عكيد) في ذاته، وبهذا الشكل سيظهر للعيان من خلال تخليد كافة شهدائه الأبطال مقاومة لائقة بهم، وسيفتخر في كافة الأوقات بمثل هؤلاء الأبطال العظام أمثال مظلوم ومعصوم من خيرة الشبيبة الكردية اللذين ولدا من أفلاذهم، وسيعرف السير على نهجهم وخطاهم بشكل باسل وبطولي.

26 تعليق